منذ أعلن وزير الصحة في حكومة الوفاق الوطني، حميِد بن عمر، عن ظهور أول حالة إصابة بالفيروس، يوم 24 آذار/مارس الماضي، يسير الإعلان عن اكتشاف حالات إصابة جديدة بنسق بطيء لا يعكس حقيقة الوضع الصحي الصعب. وخلافا للصورة الشائعة عن ليبيا كونها من أقل البلدان تأثرا بجائحة كوفيد-19، يُرجح الخبراء أن تكون حالات الإصابة في الواقع، أرفع بكثير من الاحصاءات الرسمية. ويعزون تلك الفجوة إلى ضعف وسائل اكتشاف الفيروس. وتُعاني ليبيا منذ 2011 من التدهور المضطرد للبنية الصحية الأساسية، وخاصة المختبرات الطبية ومراكز مكافحة الأمراض.
منظومة على وشك الانهيار
وحذر خبراء منظمة الصحة العالمية من أن النظام الصحي في ليبيا على وشك الانهيار. وقالت اليزابيت هوف رئيسة بعثة المنظمة لدى ليبيا في تصريحات صحافية، إن التصنيف العام للأمان الصحي وضع ليبيا في الرتبة 108 من لائحة تضم 195 بلدا، من حيث القدرة على وضع خطة طوارئ لمجابهة جائحة مُفاجئة. وأوضحت أن هناك خطة وطنية، لكن لا توجد الاعتمادات اللازمة لتنفيذها.
وفي آخر الإحصاءات أفاد المركز الوطني لمكافحة الأمراض أنه عثر على حالتين إيجابيتين فقط من أصل11 حالة درسها أطباء المركز. كما أن أعداد الذين يخضعون للتحاليل للاشتباه في إصابتهم بالفيروس لا تتجاوز بضعة عشرات يوميا. وهذا يعني أن الطواقم الطبية تبذل قصارى جهودها لتعقُب الفيروس، إلا أن إمكانات السيطرة عليه مازالت محدودة، لسببين أولهما ندرة المختبرات والمراكز المؤهلة للكشف عن الفيروس، وثانيهما مناخ انعدام الأمن والاستقرار في بلد تُمزقه حربٌ أهليةٌ منذ 2014، وخاصة منذ الهجوم على طرابلس في مثل هذا الشهر من العام الماضي. ومع استمرار القتال، ومناخ العداء تتراجع فرص نجاح الوساطات الخارجية الرامية للوصول إلى وقف للمعارك، وإن كان مؤقتا.
تعطيل متعمد
لا بل إن القوى الكبرى ما زالت تُعرقل الوصول إلى حل سياسي للصراع وتختلق الأعذار لإرجاء حسم النزاع بين حكومة الانقاذ الوطني المعترف بها دوليا، وقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، التي تراقب 90 في المئة من الأراضي الليبية، وبخاصة الشرق والجنوب. وكلما اقترب الطرفان من هدنة لوقف إطلاق النار، وأهمها الاتفاق الذي توصلا إليه في موسكو، في كانون الثاني/يناير الماضي، إلا وتراجع حفتر، وعادت الهجمات من جديد على الضواحي الجنوبية للعاصمة، بكثافة أقوى. وعطلت الولايات المتحدة تسمية ممثل خاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، بعد استقالة رئيس البعثة الأممية للدعم غسان سلامة.
ووضعت واشنطن فيتو على تعيين وزير الخارجية الجزائري الأسبق رمتان العمامرة في مكان سلامة، ما ساهم في عرقلة العودة إلى المسار السياسي، الذي رسمه مؤتمر برلين مطلع العام الجاري. ولم تتوضح دوافع الاعتراض الأمريكي على العمامرة، وهو مرشح الأمين العام غوتيريش، بالرغم من أنه يتمتع بسمعة وخبرة كبيرتين في فض النزاعات في أفريقيا. وفوق ذلك، تملك أمريكا ورقة مهمة للتأثير في المسار التفاوضي، من خلال نائبة الممثل الخاص للأمين العام (الأمريكية) ستيفاني وليامز. والظاهر أن أمريكا، التي كانت تبدو زاهدة في نيل حصة من عقود إعادة الإعمار بليبيا، راجعت حساباتها في أعقاب الخسائر التي تكبدها اقتصادها إثر انتشار جائحة كوفيد-19.
مراقبة السلاح أم المهاجرين؟
أما فرنسا، التي تمسك هي الأخرى، بأوراق مهمة في الملف الليبي، بفضل تحالفها مع خليفة حفتر، فوضعت في مقدم أولوياتها في ليبيا إنجاح عملية “إيريني” التي حلت محل عملية “صوفيا” الأوروبية، والتي قيل إنها ترمي لمراقبة إرسال السلاح إلى ليبيا بحرا و”فرض السلام” إلا أنها تستهدف في الواقع تأمين المراقبة البحرية لمراكب المهاجرين غير النظاميين، عبر المتوسط. وأبدى حفتر دعمه لهذه العملية الجديدة القديمة، فيما عارضتها بشدة حكومة الوفاق. والهاجس الثاني للفرنسيين يتمثل بالحؤول دون تأثير الاضطرابات في ليبيا على أوضاع البلدان الخاضعة لنفوذهم جنوب الصحراء الكبرى، وخاصة مالي.
كما تهتم فرنسا أيضا بضمان استمرار حصتها من النفط الليبي، عبر مجموعة “توتال” المُنافس الرئيس للعملاق الايطالي “إيني” الذي يُصدر الغاز الطبيعي والنفط من مُجمع مليتة الطاقي بمدينة الزاوية (غرب) إلى إيطاليا. وفي هذا الإطار يسعى الفرنسيون والإيطاليون للتكيف مع الخريطة الطاقية الجديدة في شرق المتوسط، في ضوء خطوط التحالف الناشئة بين إسرائيل ومصر واليونان وقبرص، حول مخزون الغاز البحري، في مواجهة تركيا وحكومة الوفاق الليبية.
ومن أهم الحقول المُستثمرة الحقلان البريان الواقعان في صحراء مُرزق (جنوب) وأولهما حقل الفيل، الذي تستثمره مجموعة “إيني” والثاني هو حقل الشرارة، الذي تستثمره مجموعة “ربسول” الاسبانية، فيما تستثمر مجموعة “توتال” الفرنسية حقل الجرف البحري قبالة الساحل الليبي. ويقدر حجم الانتاج في كل حقل من حقلي الفيل والشرارة بـ 390 ألف برميل يوميا، قبل غلق الحقول والموانئ النفطية على أيدي قوات حفتر.
كارثة صحية
والأرجح أن تفاقم انتشار جائحة كوفيد-19 لن يُثني الطرفين المتحاربين عن الاستمرار في القتال، وهو ما أكده قصف قوات حفتر المناطق السكنية في تخوم طرابلس، ما أوقع مزيدا من الضحايا المدنيين. وأفادت إحصاءات وزارة الصحة أن 27 مؤسسة صحية تضررت، بدرجات متفاوتة، جراء المعارك، اعتبارا من آذار/مارس الماضي. كما أن 14 منها تم إغلاقها بشكل كامل، بسبب الأضرار التي لحقتها، فيما تواجه 23 مؤسسة صحية أخرى الإغلاق بفعل الاشتباكات. وأعلنت الحكومة الثلاثاء الماضي عن إجلاء حالات خطرة من المصابين بـ”كوفيد-19″ من مستشفى الخضراء، غداة استهدافه بصواريخ حفتر. وجددت بعثة الأمم المتحدة مناشدتها جميع الأطراف “وقف الأعمال العسكرية وتفعيل الهدنة الانسانية فورا لإفساح المجال أمام السلطات لمقاومة الجائحة”. وما يُشجع على استمرار المعارك أن كل طرف يعتقد أنه على قاب قوسين من الانتصار.
بهذا المعنى تتزايد مخاطر حدوث كارثة صحية، مع بقاء أكثر من 150 ألف نازح معظمهم من الفارين من التخوم إلى وسط مدينة طرابلس، أو إلى مدنهم الأصلية. والأخطر أن الأماكن التي تم إيواؤهم فيها، وغالبيتها مدارس وملاجئ جماعية مؤقتة، ليست مُهيأة لتحويلها إلى مشاف. ويقول الدكتور فرج بوبكر المبروك الأستاذ في كلية الهندسة بجامعة بنغازي إن المباني المدرسية الحالية “تعاني من العديد من المشاكل والنواقص، التي تعود في معظمها لافتقارها لأسس التصميم الجيد، ما أدى لبروز سلبيات كثيرة كطريقة الإضاءة والتهوية وغياب وسائل التكييف المركزية. وأوضح المبروك أن تصميم دورات المياه لم يكن بطريقة مريحة، بل هو يُساعد على انتشار الازدحام، بالإضافة إلى عدم وجود مساحات خضراء كافية أمام المدارس أو في محيطها، فضلا عن الافتقار إلى الصيانة الدورية للمباني المدرسية، وخاصة معدات السلامة العامة، وأجهزة إطفاء الحرائق”. وتشكل الأسر المُجمعة في المدارس تُربة خصبة لتفشي الجائحة أكثر فأكثر.
قطع الماء والكهرباء
كما لو أن هذه المعاناة غير كافية، لكي يزيدها عُسرا قطع قوات حفتر الماء حينا والكهرباء أحيانا عن العاصمة، ما يُعرض حياة الأطفال والأسر لأضرار بالغة في ظل تفشي الجائحة. وقد يؤدي استمرار انتشارها إلى كارثة على حياة الناس.
والأغرب من ذلك أن ناشطين نقلوا عن مصدر في حكومة الوفاق الوطني أن عميد بلدية مدينة الشويرف، المُؤيد لحفتر، هو من قطع ماء الشرب للمطالبة بالإفراج عن شقيقه، المعتقل لدى حكومة الوفاق الوطني. وتقع الشويرف في منتصف الطريق تقريبا بين طرابلس وسبها (جنوب). وليست هذه المرة الأولى التي يُعطل فيها موالون لحفتر ضخ المياه من الجنوب الليبي نحو طرابلس، عبر النهر الصناعي، إذ دأبوا على استخدام المياه سلاحا في حربهم على الحكومة المعترف بها دوليا. وكانت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية نددت، في أيار/مايو الماضي، بقطع ضخ المياه إلى طرابلس، واعتبرته انتهاكا للقانون الدولي الإنساني وقرارات مجلس الأمن الدولي.
وبينما يعتقد بعض الخبراء الغربيين أن وباء “كورونا” قد يحفز على إحلال قدر من التعاون بين الطرفين المتصارعين في ليبيا، “وهو تعاون مطلوب لإنهاء الحرب الأهلية في ليبيا بعد سنوات من الاقتتال والتدخل الخارجي الفاشل” حسب ما كتب الباحثان إدوارد جوزيف وولفغانغ بوزتاي، من جامعة جون هوبكنز، في مجلة “فورين بوليسي”. وفي المعنى نفسه، تحدث الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية بالاتحاد الأوروبي، جوسيب بوريل، مؤكدا أن الظروف الصعبة الناجمة عن الوباء، تجعل الحاجة إلى وقف القتال في جميع أنحاء البلاد أكثر إلحاحا. غير أن هؤلاء يستهينون، على ما يبدو، بمنسوب الحقد المرتفع جدا، والساكن في قلوب الإخوة الأعداء، في حرب مزقت بلدهم ووضعته على سكة التقسيم.