الحراك ينتظر تعهدات الكاظمي وعينه على الانتخابات البرلمانية المبكرة

رلى موفَّق
حجم الخط
0

شلَّ فيروس “كورونا” ساحات الحراك الشعبي في العراق. ما يحمله من تهديد على حياة المحتجّين، وسط تفشي هذا الوباء عالمياً، آل إلى التزامهم إجراءات منع التجوال والتباعد الاجتماعي والحظر الصحي بين المدن، وابتعادهم عن التجمعات. خَفُتَ زخم الاحتجاجات، ولكن هل اندثرت آثارها، وخرجت من معادلة التأثير على المشهد العراقي؟

تبنّي القوى الشيعية ترشيح الكاظمي قد يصب في خانة التكتيك

هو سؤال يفرض نفسه مع توالي تكليف المرشحين لاستحقاق رئاسة الوزراء منذ استقالة عادل عبد المهدي و”احتراقهم” واحداً تلو الآخر. اليوم وصل الدور إلى رئيس جهاز الاستخبارات مصطفى الكاظمي، الذي قد يُحالفه الحظ في التشكيل بخلاف سلفه عدنان الزرفي ومِنْ قبله محمد علاوي.

الناشطون يؤكدون أن الاحتجاجات لم تنتهِ لأن أسباب اندلاعها ما زالت قائمة، وثمَّة عوامل جديدة ستزيد من وتيرتها بعد القضاء على جائحة “كورونا”، في ضوء التداعيات الاقتصادية الإضافية التي سيخلّفها هذا الفيروس تماهياً مع الانكماش العالمي، إضافة إلى تدني سعر النفط الذي يُشكّل الدخل الأساسي لموازنة الدولة والاقتصاد العراقي. وبالتالي، فإن الأثقال ستكون كبيرة على أكتاف من سيتولى مهمة تأليف الحكومة، حيث عليه التعامل مع ضغوط المطالبات الاجتماعية – المعيشية إلى جانب الإصلاحات وفي مقدمها الانتخابات النيابية المبكرة.

والمحتجون، وفق ما ينقله لصيقون بمزاج الشارع، قد يُسجّلون بعض المواقف الاعتراضية على تكليف الكاظمي، لكنها تندرج أكثر في إطار ردَّات الفعل الغاضبة على اعتذار الزرفي. فالرجل يحظى بقدر مُعيّن من القبول في الساحات كونه ليس بعيداً عن المواصفات الأساسية التي وضعها المتظاهرون لرئيس الوزراء، ولا سيما أنه ليس حزبياً ولا متهماً بقضايا فساد.

لم يلقَ الرجل قبل أشهر قبولاً من الأحزاب الشيعية والفصائل المسلحة التي تدين بالولاء كاملة لإيران. وحين اغتالت أمريكا قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني، اتُّهم الكاظمي من موقعه كرئيسٍ لجهاز المخابرات بالتواطؤ. اليوم تسير به القوى الشيعية التي رفضته بالأمس بوصفه عميلاً أمريكياً. تُوافِق عليه رئيساً مكلفاً للخلاص من المُكلّف الزرفي الموصوف بـ”رجل أمريكا”.

هذا التحوّل في الموقف، يُربك الكثير من المتظاهرين في الساحات. تحوُّل يحمل الكثير من القراءات والتساؤلات عما إذا كان قد دخل في صفقة مع تلك الأحزاب والفصائل. بالنسبة لهم هذا الاحتمال يعني أنه أصبح حكماً في الجهة المقابلة للمتظاهرين الذين ضاقوا ذرعاً بالأحزاب الدينية وقفز كثيرون من مركبها.

وفي قراءة الناشطين، احتمال أن يكون تبنّي القوى الشيعية ترشيح الكاظمي يصب في خانة التكتيك. تكتيك فرضته الضرورة للتخلص من الزرفي الذي يُهدّد مصالحهم بسبب موقفه الحاد من السلاح خارج الدولة وانحيازه إلى شرعيتها وشخصيته ورؤيته التي ستؤدي إلى صدام حتميّ. ولكن إذا كان هذا الاحتمال قائماً، فهل يعني أنهم باتوا يأتمنون رئيس الاستخبارات وأنه سيغضّ الطرف عنهم، رغم تأكيده المتكرر في خطاب التكليف على حصر السلاح بيد الدولة، واحترام سيادة العراق؟

لا يُسقط هؤلاء من حساباتهم أن يكون هدف تلك القوى “حرق” الكاظمي نفسه. فكما شجّعت الزرفي و”حرقته”، أيدت الكاظمي، لتبدأ عملية وضع العراقيل أمامه في الأيام الثلاثين التي لديه لتأليف وزارته، وإغراقه في مطالب الحقائب والحصص، لدفعه إلى الفشل. هذا في رأيهم ليس سيناريو مُتخيّلاً، ذلك أن قناعات المتظاهرين أن المطلوب بقاء عبد الهادي، وهو الطريق لتحقيق ذلك. وإذا لم يكن بهدف إفشاله، فتسميته تأتي من باب حفظ ماء الوجه.

على أن ثمّة من يرى أن شدّة التجاذبات بين الأحزاب الشيعية وفصائلها والخلافات وحسابات التسابق على السلطة قد تفضي في نهاية المطاف إلى عودة الاصطفافات داخل هذه المجموعة، إذا شعر أحدهم باقتراب الرئيس المكلف من غيره وعلى حسابه. فالعلاقة بين تلك القوى أضحت علاقة هشّة تحكمها “الضرورة” ليس إلا، ذات طبيعة مأزومة، وفي حالة انكشاف متزايد.

صاغ الكاظمي وعوداً للساحات. بالنسبة لهم المسألة تحتاج إلى وقت من أجل تبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وما إذا كان الرجل قد أبرم اتفاقات مسبقة مع القوى السياسية التي تبنّت ترشيحه أم أنها قرّرت أن تتنحى جانباً وتركه يؤلف حكومته من شخصيات مستقلة خارج المحاصصات السياسية والحزبية قادرة على أن تتصدى للأزمات المستجدة بعد وباء “كورونا”، وتلك المتفاقمة من قبل الوباء.

ليس من وهم لدى المتظاهرين أو النشطاء على اختلاف تلاوينهم أن المهمة سهلة أمام الكاظمي خصوصاً أنه لا يملك كتلة برلمانية. ولكن ما يمكن أن يُهدئ من فوران الساحات تيقنها بأن رئيس الوزراء لن يحيد عن الهدف الأساسي، وهو إجراء انتخابات نيابية مبكرة بإشراف أممي تؤسس لمسار التغيير السياسي وإنْ بدت الطريق طويلة. واتخاذه خطوات ملموسة على طريق مكافحة الفساد وملاحقة الفاسدين، وإبقاء قضية إحقاق العدالة لضحايا الاحتجاجات حيّة، ذلك أن كثراً يدركون جيداً أن الاقتصاص من قتلة المتظاهرين لا يمكن أن يتحقق إذا لم تتغيّر الطبقة السياسية الحاكمة بغالبيتها أو برمّتها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية