إذا كان الوصف العام لفيروس كورونا أنه وباء ضرب العالم كله، وأن تداعياته لم تقتصر على الجانب الصحي فقط، بل شملت الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فما بالكم بالعراق الذي تكاد الحياة فيه أن تكون معطلة منذ سبعة عشر عاما؟ مالذي فعلته السلطات في هذا البلد على مدى أكثر من عقد ونصف كي يمكن المراهنة عليها للخروج بأقل الخسائر في ظل هذه الأزمة؟ وما هي الامكانيات والموارد المتاحة التي يمكن أن يستثمرها صانع القرار للحفاظ على حياة الناس؟ هذه الأسئلة وغيرها ستكون أمتحانا عسيرا للسلطات العراقية أن تغوّل الوباء في أرض الرافدين.
انتشار الفيروس شكل فرصة استثمارية للميليشيات المتنفذة
أن الوباء الحالي حدث يرتقي إلى حالة الحرب بالنسبة للدول، ولذلك تتفاعل فيها الأبعاد الطبية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية كي تنتج آلة الحرب على كورونا. وفي العراق أعلن رئيس البلاد عن ما سماها مباردة وطنية لوقف تفشي الفيروس، وتشكلت خلية أزمة من وزارات الصحة والداخلية والدفاع، قالوا أن المهمة الملقاة على عاتقها تحشيد الموارد العامة والخاصة لمكافحة الوباء. لكن تفكيك هذه المبادرة وإلقاء الضوء على عمل خلية الأزمة خلال الأسابيع المنصرمة يفرز لنا الحقائق التالية: أولا: إن إجراءات الحكومة كلها جاءت متأخرة ولم تكن على مستوى الخطورة التي يشكلها الوباء على الصحة العامة. فحظر التجوال وتطبيق ستراتيجية التباعد الاجتماعي، بدأت بها السلطات المحلية في شمال العراق كإجراء احترازي استباقي، قبل إعلان تطبيقها من قبل الحكومة المركزية في بغداد. في حين لم يكن لدى هذه الأخيرة أي وعي صحي من أن انتقال الوباء إلى العراق سيكون حتميا، بعد أن أصبحت إيران بؤرة واسعة له، وبعد أن بدأت الكثير من العوائل العراقية التي كانت تمارس طقوس الزيارات الدينية في إيران بالهرب منها والعودة إلى العراق. فوجدنا أن هذه السلطات لم تضع أي ضوابط وإجراءات صحية في المنافذ الحدودية البرية والجوية، يخضع لها العائدون للتأكد من سلامتهم من الوباء. كما استمر الزوار الإيرانيون بالتوافد إلى البلاد والتنقل بين المحافظات من دون أدنى احتياطات صحية. ثانيا: فشل السلطات الحكومية في تحشيد قواها الناعمة والصلبة للمساهمة في محاربة الوباء. فقد تخلف الإعلام الحكومي عن تقديم خطة فاعلة لرفع منسوب الوعي الصحي في البلاد، ولم يتم التركيز على الأعراض الظاهرة والمستترة للوباء، والتي تختلف من شخص إلى آخر. كما لم يتم التركيز على موضوعة التباعد الاجتماعي بصورة تفصيلية، خاصة وأن المجتمع العراقي ترتفع فيه قيمة التواصل الاجتماعي بشكل كبير. لذلك بقيت المناسبات الاجتماعية من أفراح وأحزان قائمة في البيوت. وقد لاحظنا كيف أن قيام مأتم في أحد البيوت قد تسبب في أصابة العشرات من الحاضرين بالوباء في إحدى المحافظات العراقية، ما يؤكد فشل السلطات في التحكم المسؤول بالمشهد الحياتي للمواطنين في هذا الوقت الحساس والخطير. ثالثا: فشل أجهزة الدولة الشرطية والعسكرية في بسط سلطة القانون في موضوعة حظر التجوال، حيث تم فرضه في الشوارع الرئيسية للبلاد، في حين كانت الحركة والتجمعات مستمرة بصورة اعتيادية في المناطق والأحياء الداخلية في العاصمة. أما في المحافظات الجنوبية فنظرا للطبيعة القبلية فيها، فقد فشلت السلطات في انفاذ القانون وتطبيق حظر التجوال فيه. وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على سقوط هيبة المؤسسات الحكومية بسبب الفساد ونهب المال العام الذي يمارسه المسؤولون القائمون عليها، ما جعل المواطن لا يتهيب من المسؤولية الملقاة عليها ولا يجدها جديرة بالاحترام لأنها لم تحترم نفسها.
أما السلطات الاجتماعية وخاصة رجال الدين فقد كان أداؤهم أسوأ من الحكومة في هذا الظرف الخطير الذي يواجهه الناس. ففي الوقت الذي يفترض أن يكون واجب هؤلاء الوعظ والإرشاد في الأمور الدينية والدنيوية، وتوضيح المفاسد والمنافع للناس، فقد خرج العديد منهم علنا على الملأ في الفضائيات والخطب المسجلة معترضين على فرض خظر التجوال، حاثين الناس على الخروج والتوجه إلى المزارات الدينية، ومثقفين الناس بأن من يرقدون فيها هم من يشفون المصابين من الوباء ويحصّنون الآخرين من الإصابة به. كما لم يتورعوا عن الاستمرار في إلقاء الخطب والمواعظ وممارسة الطقوس للآلاف من البشر، الذين كانوا متجمعين في أماكن مغلقة بدون اتخاذ أي إجراءات صحية احترازية. بل سمحت دائرة الوقف الشيعي بفتح أحد المراقد الدينية أمام الزوار لأداء طقس ديني سنوي، ما شجع الكثير على القدوم جماعات وعوائل مشيا على الأقدام من محافظات بعيدة عن بغداد. وكانوا يأخذون قسطا من الراحة متجمعين في أماكن مخصصة لتقديم الطعام والشراب والنوم لهم، ما أدى إلى زيادة التواصل والتماس بينهم، مضافا إلى كل ذلك الازدحام الشديد داخل المرقد. في حين فقد عناصر الشرطة والجيش أي دور لهم في السيطرة على هذا المشهد الكارثي، لأن القادمين كانوا مسلحين بفتوى الزيارة من هذا وذاك من رجال الدين.
أما الميليشيات المتنفذة فقد كان انتشار الفيروس فرصة استثمارية لها. فقد استغلت جهد الدولة المدني في القيام بدعاية التعقيم وتقديم الرعاية الصحية على المناطق التي لها نفوذ واسع فيها، في حين ما زالت تساعد في إدخال الزوار الإيرانيين إلى العتبات المقدسة في بعض المحافظات بهدف الكسب المادي، حيث ترتبط بعقود مع شركات سياحية إيرانية. والمفارقة الكبرى أن هذه الميليشيات التي تدعي القيام بفعاليات تساهم في درء المخاطر الصحية عن العراقيين، هي التي قامت بقتل العشرات من المتظاهرين السلميين في ساحات التظاهر.
وعلى الرغم من هذه الصورة القاتمة كانت هناك مبادرات فردية وجماعية شعبية مضيئة. فقد أوقف بعض أصحاب العقارات استلام بدلات الإيجار، وتطوع بعض أصحاب المهن في دفع رواتب العاملين لديهم برغم توقف العمل. وقام بعض الميسورين بفتح عدد من المستشفيات الميدانية والتبرع بفنادق وبنايات لتصبح مراكز حجر طبي. وتطوعت بعض المطاعم لتقديم وجبات غذائية للعاملين في الحقل الصحي. في حين استمر الشباب المنتفضين متواجدين في ساحات التظاهر مطبقين قواعد التباعد الاجتماعي بينهم، كما قاموا بحملات واسعة لتعقيم الشوارع المحيطة بهم ومستغلين منصاتهم الإعلامية في نشر الوعي الصحي بين المواطنين. في حين لم تأت أي مبادرة من مسؤول أو جهة حزبية على الرغم من امتلاكهم للعديد من البنايات والعقارات والأموال.
وفي خضم هذه الأزمة التي تهدد حياة الناس يبقى السؤال الأهم مطروحا من دون إجابة من السلطات، في ظل الإغلاق ما هو مآل الطبقات الفقيرة التي قوتها يقوم على ما تحصل عليه من عمل يومي؟