لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا لكليفورد كراوس، قال فيه إن صناعة النفط الأمريكية ربما تجنبت رصاصة من الحرب الدائرة بين روسيا والسعودية بشأن أسعار النفط.
ويرى أن الصناعة النفطية في أمريكا تجنبت حدوث الأسوأ، وهذا لا يمنع حدوث إفلاسات في شركات النفط الصخري. مضيفا أن السعودية وروسيا اللتان هددتا قبل شهر بتقويض الصناعة النفطية الأمريكية، تراجعتا من عن التهديد وإغراق السوق النفطي العالمي المشبع أصلا بكميات عالية من النفط. واعترف البلدان بأن التحرك أضر بهما، ولهذا أعلنا هذا الأسبوع عن تخفيض في معدلات الإنتاج.
ويعلق الكاتب أن التحرك سيعطي الشركات الأمريكية مساحة للتحرك وتخفيض مستويات الإنتاج بالطريقة التي تناسبها وبدون تنظيمات أو شروط من الحكومة، في وقت ستقلل فيه من عمليات التنقيب والإنتاج.
وقالت آمي مايرز جافي، خبيرة الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية: “نأمل أن تكون صناعة النفط الأمريكية قد تجنبت أسوأ السيناريوهات. وفي الوقت الحالي فقد تم وضع المخاوف من تدمير الصناعة كلها جانبا، لأن حرب الأسعار السيئة قد توقفت”.
ويرى الكاتب أن ما حدث قد يخدم الصناعة، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة والتي توظف 10 ملايين أمريكي. وأدى التدفق في النفط الأمريكي خلال السنوات الماضية لتقليل اعتماد الولايات المتحدة على النفط الأجنبي وأدى لتخفيض أسعار النفط في محطات الوقود. لكن الغموض لا يزال يكتنف الصناعة، خاصة أن مؤتمرا افتراضيا بين الدول المنتجة للنفط يوم الخميس وقمة بين مجموعة الدول العشرين يوم الجمعة انتهيا ببيانات غامضة. بعدما رفضت المكسيك اتفاقا توصلت إليه السعودية وروسيا لتخفيض مستويات انتاج النفط بـ10 ملايين برميل في اليوم.
ولكن السعودية وروسيا أبديتا استعدادا لمنح المكسيك ما تريد عندما أصدر الرئيس دونالد ترامب وعدا غامضا بأن الولايات المتحدة ستقوم بتخفيض المستويات التي رفضت جارتها الجنوبية عمله. ويقول الكاتب إن أعضاء منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط (أوبك) والتي تقودها السعودية دخلوا المفاوضات على أمل أن توافق الولايات المتحدة وكندا والدول الغربية المنتجة للنفط الموافقة على خفض الإنتاج مما يضيف 4-5 مليون برميل في اليوم. وبدلا من ذلك وعد المسؤولون الأمريكيون بتخفيض إنتاج النفط الخام بشكل تدريجي إلى جانب التخفيضات الطوعية التي قطعتها بعض الشركات الأمريكية على نفسها. ويعتقد الكاتب أن صناعة النفط العالمية لا تزال تعاني من مشاكل.
فانهيار النشاط الاقتصادي بسبب فيروس كورونا، أدى لتخفيض الطلب على النفط بـ30-35 مليون برميل في اليوم، وذلك حسب منظمات الطاقة الدولية. ويتوقع الخبراء بقاء أسعار النفط التي ارتفعت قبل ستة أعوام إلى ما فوق 100 دولار للبرميل تحت مستوى 40 دولارا للبرميل. وكان سعر البرميل المعياري في أمريكا يوم الخميس تحت 23 دولارا للبرميل. وما حدث هو تجنب انهيار سعر النفط إلى ما تحت عشرة دولارات.
وأدت الضغوط التي مارسها ترامب على الروس والسعوديين لرفع سعر النفط بضعة دولارات. وهو ما سمح لعدد من الشركات الأمريكية بتجنب الخسارة من انخفاض الأسعار وتحويط نفسها. وقامت بضبط أسعار البيع على أعلى مستوى، مما أدى إلى التوازن بين الربح والخسارة وساعد شركات النفط الصخري على التقليل من خسائرها. وتحضر شركات النفط الأمريكية للتخلص من آلاف الوظائف وإغلاق آبار النفط ووقف عقود استخدام أدوات الحفر والتكسير، وذلك تحضيرا للأسوأ.
وتتوقع الشركات المنتجة للنفط في تكساس وأوكلاهوما ونورث داكوتا خسائر في الوظائف والموارد. وقد يؤدي تراجع الطلب العالمي على النفط إلى توقف تصدير النفط الأمريكي للخارج الذي وصل العام الماضي إلى 3 ملايين برميل. وسيضيف هذا متاعب على الصناعة التي تحاط بالمخاوف من التغيرات المناخية، وهو ما سيخيف المستثمرين. ويتوقع مدراء الشركات الكبرى تقوية للصناعة النفطية من خلال بيع الشركات التي تعاني من مديونية عالية أو دمجها مع شركات أخرى. ومن هنا فسينخفض الإنتاج بناء على ما يمليه السوق، وتراجع الإنتاج الأمريكي بمعدل آلاف البراميل في اليوم وخلال الشهرين الماضيين، وقد يتراجع إلى مستوى مليوني برميل في اليوم وبنهاية العام.
وقال ترينت لاتشو، مدير شركات خدمات النفط “لاتشو دريلينغ” الناشطة في تكساس وأوكلاهوما: “هناك إمكانية لعدم نجاة بعض الشركات” و”بشكل عام فستنجو الصناعة وتخرج قوية. وعلينا اتخاذ قرارات صعبة وإبداعية وسنصبح أكثر ذكاء”.
ويعتقد الكاتب ان السيناريو الذي يواجه الصناعة النفطية الأمريكية يشبه عام 2014/ عندما أعلنت السعودية وأوبك حربا، وغمرت الأسواق بالنفط في محاولة لتدمير صناعة النفط الصخري. وانهارت الأسعار وأغلقت مئات من الشركات الامريكية أبوابها بخسارة 170 ألف وظيفة وانخفض الإنتاج لينمو سريعا. ويعتبر فيروس كورونا التحدي الأكبر للصناعة اليوم، وزادت التحديات عندما رفضت روسيا المضي مع السعودية الشهر الماضي وتخفيض الإنتاج.
وقال المسؤولون الروس إنهم تعبوا من خسارتهم حصصاً في السوق للشركات الأمريكية. وردت السعودية بغمر السوق بالنفط وبسعر 20 دولارا للبرميل، أي نصف السعر بداية العام.
ويرى الكاتب أن قرار السعودية الرد بهذه الطريقة كان مقامرة وارتدت سلبا، وسيخسر السعوديون حالة لم يقتنع التجار بمعدلات التخفيض التي أعلنت عنها مع روسيا وبقية الأعضاء في أوبك. بل وانخفض سعر النفط يوم الخميس عندما كان الطرفان يقتربان من صفقة. وخلف الصراخ والتصريحات نجحت السعودية بإعادة روسيا إلى تحالف “أوبك +” إلا أن انخفاض أسعار النفط جعلهما يتراجعان ويخفضان الإنتاج.
ويقول بن كاهيل، الزميل في مجال الطاقة بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أن “الطرفين أساءا الحسابات”، فمن جهة أساء الروس فهم الطريقة التي سترد فيها السعودية، وربما فوجئوا من تراجع سعر النفط.
وأضاف الكاتب: “ستعاني السعودية من عجز كبير بالميزانية. وبسبب الوباء فهناك عدد قليل من المشترين للنفط السعودي الخام. وخزنت السعودية بعضه في مصر وتركت حاملات النفط ساكنة على شواطئها. وبالضرورة أصبحت التخمة تهديدا للمالية السعودية”.
وقدرت شركة الاستشارات النرويجية “يرستاد إنيرجي” خسارة السعودية بـ105 مليارات هذا العام، أي بنسبة 50% عن العام الماضي. ولدى السعودية 500 مليار دولار احتياطي بالعملة الصعبة، ولكنها انخفضت من 740 مليار دولار في عام 2013.
وبسبب تراجع أسعار النفط، اضطرت الحكومة للاقتراض، وقللت من دعمها للوقود. وبالمقارنة، فروسيا في وضع أحسن، خاصة أن لديها سعر صرف مرن. ورغم أنها ستخسر مليارات الدولارات من تراجع أسعار النفط، ولكن الحكومة لا تعاني من عجز في الميزانية كالسعودية، ولديها 550 مليار دولار من احتياطات العملة الصعبة.
وتعاني روسيا من مشاكل، فليس لديها مصافٍ قادرة على تكرير النفط بكميات كبيرة، وتنقل معظم نفطها عبر خطوط الأنابيب إلى أوروبا وآسيا.
وبعد تراجع الطلب الأوروبي، بدأت روسيا تخزن النفط بكميات كبيرة. ولا تزال الصين تشتري النفط الروسي بأسعار محببة، وستمتلئ مخازنها. وهذا يعني إغلاق روسيا عددا من الآبار في سيبيريا.