«دون جوان يحكي عن نفسه» لبيتر هاندكه… شخصية أسطورية تسخر من مؤلفيها

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي»:

«راح يتبع حزنه… حزن لا يعرف العزاء». (دون جوان هاندكه)

يقدم بيتر هاندكه ـ مواليد 1942، والحائز جائزة نوبل 2019، في روايته «دون جوان يحكي عن نفسه» الصادرة عام 2004، والمُترجمة مؤخراً إلى العربية ــ ترجمها عن الألمانية سمير جريس ــ سيرة مغايرة لسيرة دون جوان المعروفة، الذي تحوّل إلى شخصية أسطورية وأيقونة للإغواء على مرّ العصور. هنا لا يتبع هاندكه خطوط السيرة أو حتى السير من خلالها، كما فعل العديد من الأدباء والشعراء، كل حسب موقفه الفكري والأيديولوجي، جاعلاً من البطل الأسطوري رمزاً للعصر الذي ينتمي إليه الكاتب، أو فكرة يحاول أن يثبتها من خلال شخصية دون جوان.

دون جوان

بدأت أسطورة دون جوان تحتل المخيلة الغربية منذ القرن السابع عشر، بداية من حكايات شفهية متداولة، حتى صياغتها أدبياً، مؤصلاً لها زمنياً واجتماعياً الكاتب الإسباني تيرسو دي مولينا عام 1630 في مسرحية بعنوان «ضيف من حجر»، وقد جعل من الرجل رمزاً للفساد والإغواء. ثم قدمها موليير عام 1664 في مسرحية بعنوان «دون جوان»، محولاً أسطورة الرجل إلى صيغة أكثر شعبية في شكل كوميدي، إضافة إلى معالجة موتسارت للحكاية عبر أوبرا «دون جيوفاني» الشهيرة عام 1787، التي صاغها لورينزو دابونتي. ومروراً بكل من ميريميه، بوشكين، بايرون، بودلير، ألكسندر دوما الأب، وصولاً إلى رواية التشيكي جوزيف تومان، الذي كتبها في ظل الفاشية عام 1944، ليصبح دون جوان رمزاً للإنسان الذي يخوض صراعاً من أجل الحرية والمبادئ الإنسانية، شاعراً بضيق الحدود التي فرضتها عليه الكنيسة والحاكم. فهو هنا بطل تراجيدي قُضي عليه بالفشل، ولا يخلصه سوى الحب الحقيقي الذي تهبه له امرأة ـ كما يذكر جريس في مقدمته للترجمة ـ إضافة إلى معالجات كل من خوزيه ساراماغو، آن ماري سيمون، إريك إيمانويل شميدت، وبيتر هاندكه.

يحكي عن نفسه

«كان هاندكه على ما يبدو يتنزه وحيداً في الغابة على عادته، عندما فاجأه مشهد ثنائي يمارسان الحب بين الأشجار. آنذاك جمد في مكانه… ظل واقفاً كالمتلصص حتى اللحظة الأخيرة من دون أن ينتبه العاشقان إلى وجوده، ومن هنا لمعت شرارة دون جوان (من مقابلة جمانة حداد لبيتر هاندكه. «جريدة النهار»).
لكن العاشقين يُطاردانه ــ دون جوان ــ حتى يصل إلى حديقة داخل دير قديم، وهنا يلتقط الرجل أنفاسه وقد تأكد أنه في مأمن الآن. حتى يستأنس بمُطارَد آخر يأوي إليه ويرتل عليه حكاياته .. «كان دون جوان دائم البحث عن شخص يصغي إليه، وعثر فيَّ، ذات يوم جميل، على ذلك الشخص. لم يروِ لي حكايته بضمير المتكلم، بل بضمير الغائب. هكذا أتذكّرها الآن على كل حال».
وما بين رجل مُطارَد وآخر وحيد وحدة اختيارية أو قدرية، يتوارى خلف شخصية دون جوان ـ يسرد ما يسمعه ـ إلا أن الصوت هنا هو صوت الراوي، صاحب الحديقة والمطعم في الدير، هذا الرجل الذي ملّ قراءة نصوص الأدب العالمي، يتخذ أخيراً صوت السارد ليحكي عن حقيقة دون جوان، راسماً صورة أخرى غير المعهودة في الأعمال الأدبية ـ الملل من النصوص المدونة ـ «لم يكن مغوياً. لم يغو امرأة أبداً. صحيح أنه قابل نساءً أشعن عنه ذلك في ما بعد. إما أن أولئك النساء يكذبن، أو أن الاضطراب تملَّكهن، وكن يقصدن بذلك شيئاً مختلفاً تماماً». وتمشياً وتأكيداً على رسم هذه الصورة المغايرة لدون جوان، يستطرد الراوي في وصف الضيف الذي حطّ فجأة، والمُنتظَر في الوقت نفسه، «ولكن الذي جاء كان دون جوان الذي حمل معه سمات ليست بقليلة ممن يوصفون بأبطال وصعاليك العصر الوسيط … سمعت لهاث دون جوان قبل أن يدخل مجال بصري بفترة طويلة. عندما كنت طفلاً في الريف شاهدت مرةً صبياً، ابن فلاحين أو ما أشبه، يهرب من رجال الدرك. مرّ بي فاراً على طريق صاعد. لم أر ملاحقيه في البداية، وكل ما سُمع هي صيحات (قِف!)».
ويستمر الراوي في سرد حكايات دون جوان، عن سبع نساء مختلفات، شيء أشبه برحلات ألف ليلة، فالرحلة الأولى بدأت في القوقاز مع عروس تهرب من حفل زفافها لتتبعه. والثانية عن امرأة دمشقية ذهبت معه لمشاهدة حفلة من حفلات الدراويش. كذلك حكايته عن امرأتين تعرّف إليهما في سبته المغربية، وامرأة غريبة الأطوار في النرويج، تغادر الكنيسة كي تلتقيه، وأخرى في هولندا سلّمت له نفسها عن طيب خاطر، وأخيرة يلتقيها في بلد لا اسم له. حكايات لنساء يمثلن حضارات مختلفة، وهو ما يقترب به أكثر من أجواء حكايات الأساطير.

دون جوان الحقيقي

ويتلاعب هاندكه منذ بداية الرواية وحتى نهايتها، من خلال مفارقة معرفة حقيقة دون جوان، وهل بالفعل ما يسرده هو سيرته الحقيقية، أم أن تماهي الحقيقي مع الخيالي يفتح الباب لتأويلات أخرى. فالرواية تتصدرها عبارة جاءت على لسان دون جوان في أوبرا (دون جيوفاني) لموتسارت، «لن تعرف مَن أنا». وفي الوقت نفسه يقول الراوي مؤكداً في نهاية الرواية، «ما حدث بعد ذلك، لا يستطيع أحد أن يحكيه حتى النهاية، لا دون جوان نفسه، ولا أنا، ولا أي شخص آخر. حكاية دون جوان لا يمكن أن تكون لها نهاية، وهذه، حقاً وصدقاً، هي حكاية دون جوان النهائية والحقيقية».
فكرة الحقيقة هذه يسخر منها هاندكه ولا يؤمن بها، وما الإقرار بها في الرواية إلا سخرية ممن حاول تأصيل الأسطورة وحكيها، من وجهة نظر وحيدة، اعتنقها كثيرون من الأدباء بعد ذلك. ولا أدل على هذا الموقف من عبارات جاءت في حوار هاندكه المشار إليه مسبقاً مع جمانة حداد قائلاً .. «أما أنا فليست عندي موضوعات أثيرة عديدة في كتابتي، بل هو موضوع واحد وحسب: وهو أن أرى ذاتي بوضوح أشدّ، أن أعرف نفسي أكثر، أو ألا أعرفها. والأمر سيّان».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية