القاهرة ـ «القدس العربي»: هل فرغت الأرض من الصالحين وأولياء الله، الذين بوسعهم إذا رفعوا أكف الضراعة للسماء استُجيب لهم؟ سؤال يتردد على ألسنة الكثيرين، من بينهم كتّاب في صحف السبت والأحد 11 و12 إبريل/نيسان بعد أن واصل الفيروس القاتل ضرباته في سائر الأرض.
اهتمت الصحف المصرية بخبر إطلاق الأجهزة الأمنية في الدقهلية، القنابل المسيلة للدموع على العشرات من أهالي قرية شبرا البهو فريك، الذين تجمهروا أمام المقابر لمنع دفن طبيــــبة، توفيت بفيروس كورونا.
وتجمع الأهالي أمام سيارة الإسعاف التي تحمل جثمان الطبيبة، ورفضوا دخولها المقابر بالجثمان، بعدما علموا بخبر وفاة الطبيبة في مستشفى العزل في الإسماعيلية. عززت مديرية أمن الدقهلية تواجدها على مداخل القرية والدفع بتشكيلات أمن مركزي حول المقابر، وداخل القرية بعد تزايد أعداد الرافضين لدفن المتوفية. وعلق شيخ الأزهر على الواقعة قائلاً: «المشهد المتداول لرفض دفن طبيبة توفيت جراء الإصابة بفيروس كورونا، هو مشهد بعيد كل البعد عن الأخلاق والإنسانية والدين، فمن الخطورة بمكان أن تضيع الإنسانية وتطغى الأنانية، فيجوع المرء وجاره شبعان، ويموت ولا يجد من يدفنه».
رفض دفن طبيبة دفعت حياتها ثمن علاج مصابين… وانتزاع حق الفقراء بالنصب والاحتيال
وقال الدكتور إيهاب الطاهر أمين عام نقابة الأطباء، إن الفيروس لا يمشي ولا يخرج من القبر، وعند اتخاذ الإجراءات الصحية السليمة أثناء تجهيز متوفى بفيروس كورونا لن يكون هناك أي خطورة منه. وأضاف الطاهر، أنّه من أجل الوقاية من كورونا أثناء تجهيز المتوفى بها، يجب ارتداء الوقائيات الشخصية الصحيحة أثناء التغسيل، ثم تكفينه وتغليفه بغلاف من البلاستيك. فيما أمر المستشار حمادة الصاوي، النائب العام، بحبس اثنين، 4 أيام احتياطياً على ذمة التحقيقات لاتهامهما بحيازة سلع مجهولة المصدر، والغش في مستلزمات طبية معدة للبيع، وإدارة محل صناعي بغير ترخيص من الجهة المختصة.
وقال الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية السابق وعضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف، أن المتوفى بسبب فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19)، يُحتسب شهيدًا. وأضاف جمعة، أن النبي ذكر 21 شخصًا منزلين منزلة الشهيد، جاء من بينهم من مات بهدم، أو غرق، أو حريق، أو المرأة أثناء الولادة، أو المبطون، موضحًا أن المبطون من مات بعلة داخل جسده، سواء بمرض أو فيروس.
وذكر أن العلماء أكدوا أن المتوفى بكورونا له أجر الشهيد، حتى إن لم تُجر عليه أحكام الشهيد، مشيرًا إلى أن غسل المتوفى بكورونا يتم من خلال وضعه في مياه فقط وإخراجه لتكفينه. وأشار إلى مذهب ابن شاس، أحد أعلام المذهب المالكي، الذي يقول: «إن عم البلاء سقط الغسل»، منوهًا بأن الكفن يكفي أن يكون غطاءً ساترًا لجسم المتوفى.
عالم متغير
أكد محمود خليل في «الوطن» على أن: «الدنيا تتغير وبرامج الذكاء الاصطناعي، أصبحت تقوم بالعديد بالمهام التي يقوم بها البشر، ومساحة تمدد هذه البرامج في المجالات الإنتاجية والأنشطة الحياتية تتزايد يوماً بعد يوم، وتصل إلى مجالات لم يكن يتصور أحد أن تصل إليها. على سبيل المثال، تجد للذكاء الاصطناعي تطبيقات في مجال العمل الإعلامي، واللافت أن له أيضاً تطبيقات في المجال الشرطى. ولعلك لاحظت تلك السيارة التي يعلوها روبوت، وتتابع عملية حظر التجوال في شوارع بعض الدول، وتكشف عن كارنيهات الشخصيات المسموح لها بالتجوال خلال ساعات الحظر، مثل الأطباء. ويعني ذلك أن من الممكن أن نتوقع وجود «درك آلي» قادر على إمساك أي مخالف. ومن المضحك أننا كنا نقرأ قصة فانتازية ونحن أطفال عنوانها «الإنسان الآلي مسك الحرامي»، ولم يكن أحدنا يصدق أن نجدها واقعاً معاشاً أو مقبولاً في يوم من الأيام، لكن أشياء كثيرة بدأت خيالاً، ثم تحولت إلى حقيقة. كل شيء يتغير لصالح الذكاء الاصطناعي وبرامجه، ولن تصبح هناك حاجة في المستقبل إلى عدد كبير من البشر لإدارة العمل في مجالات الحياة المختلفة، ويبدو أن تقدير صاحب كتاب «فخ العولمة» كان صحيحاً، وهو يقرر أن الفرص ستتاح لنسبة 20٪ فقط من قوة العمل داخل أي مجتمع، وأن الـ80٪ سيتم ترويضها بصورة أو أخرى. وأخشى أن تهيئ ظروف الصدمة التي يعيش فيها البشر حالياً بعد تفشي فيروس كورونا في دول عدة، مسرح الحياة لدخول الفكر وأسلوب الحياة والإنتاج القائم على الذكاء الاصطناعي».
فلنستعد للأسوأ
يجب أن نستعد لعالم متغير شديد القسوة، موغل في التنافسية، هذا ما بدأ به عماد الدين أديب مقاله في «الوطن» وأضاف: «عالم يتميز بأنانية قاتلة لا تعرف الرحمة، لأنه ببساطة عالم ما بعد أسوأ أزمة واجهتها البشرية منذ الحرب العالمية الثانية. قالت مجلة «فورين أفيرز» في دراسة متعمقة في آثار عالم ما بعد كورونا «إن هذه الأزمة ذات التداعيات الإنسانية والاقتصادية والسياسية، سوف تعيد تشكيل العالم بقسوة، لأنها أشد ضراوة مما عرف بالكساد العظيم، الذي أصاب الولايات المتحدة عام 1929». خسرت أكثر من 210 دول في العالم، حتى كتابة هذه السطور، خسائر مباشرة وغير مباشرة منذ بدء الأزمة 3٪ من إجمالي ناتجها القومي، وشهدت أعلى معدل للبطالة منذ 90 عاماً، وبلغ حجم الانخفاض في الدخل منذ بدء الأزمة، مقارنة بالفترة ذاتها منذ العام الماضي 7 تريليونات دولار، ووظفت الحكومات دعماً لتعويض الخسائر، من خلال اعتمادات إضافية تقدر بـ12 تريليون دولار، ما سوف يزيد العجز الكلي لاقتصادها. هذا المجتمع المأزوم، وهذا الاقتصاد المتعثر وهذه الضغوط القاسية على البلاد والعباد سوف تخلق عالماً أكثر انكماشاً، أكثر تحوطاً، أقل قدرة على الاستثمار الخارجي، أكثر ضعفاً في توفير تقويمات اجتماعية وتوفير خدمات عامة بسبب الأزمة. هذا العالم، كان قبل كورونا يعيش سياسات قائمة على حرب العقوبات، والعقوبات المضادة، التي لا تعرف أي تكامل أو تجانس بين الكبار. سوف تزيد حالة التنافسية الشرسة بين الكتلة الآسيوية الصين، سنغافورة، الهند، كوريا الجنوبية وتساندها روسيا الاتحادية ومجموعة الإسبان، مقابل أوروبا الهشة، التي ضربها زلزال كورونا، والولايات المتحدة ذات السياسات التجارية والاقتصادية الانعزالية. إننا الآن على أعتاب عالم شرس يستخدم حكمة غير أخلاقية تقول: «إذا جاء الطوفان ضع ابنك على الأرض وقف على رأسه حتى تنجو».
فلينته المنافقون
يسأل فراج إسماعيل الكاتب في «المصريون»: «هل يتمتع كورونا بحاسة شم قوية يتوجه من خلالها إلى دول التكبر والاستعلاء المصنفة بالعظمى فيفعل فيها ما يفعل؟ وهل يعرف كورونا مراكز صناعة القرار الطائشة فيقتحم أبراجها المشيدة، كما حدث مع رئيس وزراء بريطانيا، ومع رئيس برلمان إيران، ومع أكثر من مسؤول كبير في الدولتين وآخرين في دول أخرى؟ هل هناك شخص ما أو أشخاص في العالم تعرضوا لظلم قاهر كلفهم حياتهم أو حريتهم، فرفعوا الأكف إلى الله في لحظة العسرة والألم والدموع المتوجعة، فقبل الله دعوتهم، فأصبحت الأرض كلها بما رحبت هدفا لهجمات فيروس لا يراه أحد، لكنه يأكل كل شيء أمامه، كما تأكل النار الحطب. هذا هو الشهر الرابع لهجمات هذا الشيء غير المرئي، ومع ذلك تتسارع خسائره الاقتصادية بما لم تخلفه الحربان العالميتان. دول خليجية غنية تحولت بين عشية وضحاها إلى دول خاوية الخزائن، كما حال إمارة دبي، التي كان يضرب بها المثل في الغنى والثراء والتحضر والحوكمة. دول أصبحت لا تجد حتى البيض الذي كان يفيض عن حاجة الخليج كله، كما هي الشكوى حاليا في السعودية. حتي قصور الحكم المحكمة الغلق دخلها الفيروس رغم كل التحصينات والكمامات وأدوات التعقيم القاتلة، لما صغر وخفي من فيروسات، إذا صحت رواية «نيويورك تايمز» أمس عن إصابة 150 من العائلة الحاكمة في السعودية، وإخلاء 500 سرير في مستشفى الملك فيصل في الرياض لعزلهم، وعزل المزيد في حال ظهور إصابات جديدة».
فيروس مدهش
يتابع فراج إسماعيل في «المصريون» مبدياً دهشته: «نحن أمام فيروس عجيب ومدهش في سلوكه واختياراته. قليلا ما يختار المجتمعات الفقيرة والمستضعفة. اختياراته للفقراء والمستضعفين أقل بكثير من اختياراته للأغنياء والأقوياء والمتغطرسين والنافذين، بل يختار غالبا الأبيض المتعالي، ولا يختار الأسود الذي يتعرض دائما للعنصرية البغيضة، فحتى والناس تهرب فرادى وجماعات من كورونا، نجد عالما فرنسيا يقترح إجراء تجارب اللقاحات على الأفارقة. يختار غالبا الحر العابث بحريته ولا يختار المحبوسين في زنازين ضيقة، لا يشمون فيها هواء إلا ملوثا، رغم اقتراح آرتيست سعودية بجعلهم فئران تجارب للقاحات والعلاجات. ويؤكد فراج إسماعيل على أنه بدأ يشك في أن هذا الفيروس هو كائن ليس له نهاية إلا إذا استسلم الإنسان استسلاما كاملا، بمعني أن ينتهي المنافقون عن نفاقهم، وأن يتراجع المستبدون عن استبدادهم، وأن يتوقف رجال الدين عن الفتاوى لولاة الأمر ويفتون لله القهار. واختتم الكاتب بالآية الكريمة: «وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ».
رفقاً بالمصريين
انتقد محمد عبد العليم في «الوفد» هجوم كويتية على المصريين: «لا أدري سببًا واحدا للهجوم الممنهج من النائبة صفاء الهاشمي على الشعب المصري.. واستغلال أي فرصة أو أزمة لا تتركها، بدون أن تصب جام غضبها على العمالة المصرية.. والمعايرة المستمرة والمن المتواصل على العمالة المصرية دون غيرها، أو أن يكون النصيب الأكبر من هجومها للجالية المصرية، وكأن المصريين هم مصدر الخطر، دون الجاليات الأخرى التي يكتظ بهم سوق العمل الكويتي، ووصلت المعايرة منها لحد الإشارة إلى أن المصري الذي يعمل في الكويت، يبني بيته ويشتري سيارته وثلاجة بيته نتيجة عمله في الكويت. ولست هنا بصدد أن أسمي هذا الهجوم الممنهج على المصريين من قبل النائبة بالعداء، لأننا نحن العرب جميعاً لسنا في حاجة إلى تعميق الشقاق بقدر احتياجنا للحمة، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولسنا في حاجة لتبادل المن والمعايرة.. بقدر حاجتنا إلى استدعاء ما قدمه العرب من علوم الدنيا في كافة المجالات للبشرية، وقتما كانت أوروبا تعيش في ظلام واستبداد. لم أجد سبباً واحداً حتى الآن في إصرار النائبة المحترمة على الهجوم على مصر، معتقدة أن المصريين هم وحدهم، وليس غيرهم، خطر على الكويت، وكأن عمل المصريين في الكويت وأجرهم نظير عملهم هو سبب الوجود، لمجرد أن مصريا كان يعمل في الكويت أسس بيتاً أو اشترى سيارة أو أودع أجره في بنك. وإذا كان المصري قد بني بيتاً بأجره نتيجة عرقه وجهده، أو اشترى سيارة أو أودع مالا في بنك.. فإن هذا المصري قد سبق أيضاً قبل أن يبني بيتاً أو يشتري سيارة.. أن بنى لأخ له في الكويت أو غيرها، وأنه بنى إنساناً وساهم ويساهم في بنائه العلمي».
من المؤسف حقاً
أزمة كورونا أظهرت سلوكيات شديد الغرابة لبعض المواطنين، يحدثنا عنها علاء عريبي في «الوفد»: «في الوقت الذي يستهين بعضهم بالوباء ويرفض الالتزام بتعليمات الوقاية، تحديدا ارتداء الكمامة، والابتعاد عن المناطق المزدحمة، والبقاء في المنزل، نفاجأ به يعترض وبشدة على دفن أحد ضحايا كورونا في مقابر القرية، خوفا من انتقال العدوى، وكأن جثمان المتوفى أشد خطرا في انتقال الفيروس إلى الأحياء عن مخالطة البعض بدون كمامة في الشوارع والأسواق والمواصلات. قبل يومين اعترض أهالي قرية شبرا البهو فريك مركز أجا في محافظة الدقهلية على دفن طبيبة توفيت بسبب إصابتها بفيروس كورونا في المقابر الخاصة بأسرة زوجها، وقفوا أمام سيارة الإسعاف، التي نقلت الجثمان ورفضوا إنزالها من السيارة، وطلبوا من زوجها دفن جثمانها في قريتها ميت العامل المجاورة لقريتهم في مدافن أسرتها، حاول زوج الطبيبة وأسرته، كما حاول مسؤولو الإدارة الصحية في أجا إقناع الأهالي، وتأكيد عدم خطورة الجثمان في نقل العدوى، بدون فائدة. زوج الطبيبة اتصل بأجهزة الأمن وانتقلت إلى القرية، وحاولت القيادات الأمنية طمأنة المعترضين من أهالي القرية، ومساعدة الطبيب وأسرته على دفن الطبيبة. هذه الواقعة المؤسفة ليست الأولى، وسبق أن شهدت بعض القرى وقائع مماثلة، وبدأت الوقائع من تغسيل المتوفى، حيث رفض المغسل تغسيل المتوفى، وخاف الأقارب والجيران من أداء صلاة الجنازة وتشييع الجثمان، ورفض الحانوتي حمل الجثمان وإدخاله المقبرة، ونقلت وسائل الإعلام خبرا من مدينة بورسعيد، أوضح رفض سيارة نقل الموتي نقل جثمان سيدة توفيت بـكورونا. هذه المخاوف تتحمل وسائل الإعلام مسؤوليتها، فقد نقلت الفضائيات بعض الأخبار أكدت قيام الدول الأوروبية بحرق جثمان المتوفى خوفا من انتقال العدوى».
المتنمرون
حالة تجريف مخيفة للمشاعر والقيم الإنسانية ضربت قطاعا كبيرا من المصريين، وصلت إلى درجة «البوار» يقول دندراوي الهواري في «اليوم السابع»: «صار هذا القطاع كالسوس ينخر بعنف في خصوصية المجتمع المصري، القائمة على الشهامة و«الجدعنة» والتراحم والتعاطف والترابط، واستبدلها بدس الفرقة والكراهية والتشكيك والتسخيف، وصار الاختلاف، عداء، والانتماء لتيار أو جماعة، مقدما فوق الانتماء للوطن والمجتمع. كان المصريون يتميزون بالمشاركة والتكاتف، فعلاقة الجار للجار لها قدسية، وعلاقة أبناء الحي أو القرية تتفرد بالتلاحم والترابط والتكافل في كثير من الأحيان، فتصير أفراح الجار، أفراح الجميع، وأحزانه، أحزان الجميع. فوجئ الجميع خلال الأيام القليلة الماضية، بحالة من حالات التنمر المخيفة، تضرب قطاعا من المصريين، ضد المصابين بفيروس كورونا، لدرجة أن هناك أسرة رفضت استلام جثة الأم، خوفا من الإصابة بالفيروس، وهو أمر غريب وعجيب وضربة قوية في ثقافة المصريين وعاداتهم وتقاليدهم، القائمة على «إكرام الميت دفنه». تكرر الأمر في منطقة «بهتيم» خلال الساعات القليلة الماضية، عندما رفض الأهالي دفن سيدة توفيت نتيجة الإصابة بفيروس كورونا، وكأن الإصابة بالفيروس اللعين، وصمة عار، تجاوزت كل وصمات العار المتعارف عليها في المجتمع، ويجب التنكر لها. وتجلت المأساة، أيضا عندما اعترض بعض أهالي قرية «شبرا البهو فريك» التابعة لمركز أجا في محافظة الدقهلية، على دفن جثمان طبيبة توفيت متأثرة بإصابتها بفيروس كورونا داخل مقابر القرية، بعد أن وصلت بسيارة إسعاف مقبلة من مستشفي العزل في الإسماعيلية، واندلع خلاف بين الأهالي وأسرة الطبيبة على دفنها بالقرية، وطالبوا بنقلها إلى قرية مجاورة، لولا تدخل الأمن، وتم دفن الطبيبة، التي دفعت حياتها ثمنا في علاج وإنقاذ المصابين. هكذا دشن بعض من المصريين خطيئة جديدة، برفض دفن الموتى، وبدلا من الاستمرار في العمل بالقول الشائع والذي كان دستورا حاكما في حياة المصريين، إكرام الميت دفنه، أصبح رفض دفن الموتى نتيجة الإصابة بكورونا، ضرورة، وهو أمر مقيت وبعيد كل البعد عن التعاليم والقيم الدينية والإنسانية، والشهامة والجدعنة المصرية. لا يمكن قبول أن يصبح المصاب بفيروس كورونا، وصمة عار لأسرته والمجتمع الذي يعيش فيه، ويصير منبوذا مكروها، ونسأل المتنمرون، هل يضمن واحد منكم عدم الإصابة بفيروس كورونا يوما؟ وهل الفيروس اللعين منتشر في المجتمع المصري فقط؟ أم ظاهرة عالمية زلزلت قصور الملوك ومقاعد الوزراء وكبار المسؤولين؟ نعم، الفيروس اللعين يطارد المشاهير والمسؤولين، قبل البسطاء في جميع أنحاء العالم، ولا يوجد إنسان محصن من الإصابة به، إذا لم يلتزم بالتعليمات الصحية، بقوة، ولذلك فإن ظاهرة التنمر مقيتة، وتستحق وقفة قوية من الإجماع الشعبي، ولا يمكن اعتبار المصاب بكورونا وصمة عار».
كل في مجاله
لكل مواجهة رجالها، ولكل جبهة جنودها، وجنود معركة البشرية الأخيرة مع فيروس كورونا المستجد «كوفيد 19» منذ تفشيه قبل 3 أشهر، هم الطواقم الطبية التي يقف أفرادها من أطباء وممرضين وفنيي تحاليل، وأشعة على الخطوط الأمامية لمواجهة هذا العدو، الذي لم تتوصل شركات الأدوية ومعامل الأبحاث إلى لقاح أو علاج له حتى كتابة هذه السطور، كما يقول محمد سعد عبد الحفيظ في «الشروق»، وسواء كانت إمكانات الدول التي تفشي فيها الفيروس، كبيرة أو صغيرة، يسخر الأطباء ومساعدوهم أنفسهم لإنقاذ أرواح المصابين والتخفيف عنهم، وهو ما جعلهم هدفا للفيروس، فتعرض الآلاف منهم في دول العالم المختلفة للعدوى والإصابة، وسقط منهم مئات الضحايا. الضحية الأولى للجيش الأبيض سقطت في الصين، في مدينة ووهان في 24 يناير/كانون الثاني الماضي، حينما لفظ الطبيب ليانج وودونج أنفاسه الأخيرة، بعد إصابته بالفيروس نتيجة عدوى من مصاب، ولحقه بعدها بأسبوعين الطبيب لي وينليانج مكتشف الفيروس الذي تجاهلت سلطات بلاده تحذيراته، ثم حولته إلى بطل قومي بعد إصابته ثم وفاته، وفي منتصف فبراير/شباط أعلنت بكين عن وفاة 6 أطباء في ووهان بعد إصابتهم بـ«كوفيد 19»، ثم توالى سقوط أعداد كبيرة من الأطباء وأطقمهم المساعدة في الفلبين وإيران وإيطاليا وإسبانيا وإنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة. في مصر ارتفع عدد الإصابات بين الأطباء والأطقم الطبية المعاونة إلى ما يقرب من 200 إصابة، بنسبة 10٪ من إجمالي الإصابات، التي تقترب من حاجز ألفي إصابة حتى مساء السبت الماضي، كان أولهم الدكتور أحمد اللواح أستاذ التحاليل والطبيب في جامعة الأزهر، بعد أن أصيب بالفيروس نتيجة عدوى من مصاب. وطبقا لبيان صدر مؤخرا عن نقابة الأطباء، فإن ما تم حصره من نقابات الأطباء الفرعية عن إصابات في صفوف الأطباء هو إصابة ثلاثة وأربعين طبيبا ووفاة ثلاثة أطباء، اثنين منهم بعدوي مجتمعية بعيدا عن العمل، وما زال الحصر مستمرا ومرشحا للزيادة. ودعت النقابة في بيانها وزارة الصحة للإعلان عن الوضع الصحي للأطباء والأطقم الطبية، أسوة بدول العالم، مع موافاة النقابة ببيانات الأطباء المصابين أولا بأول، حتى تقوم النقابة بواجبها النقابي حيال أسرهم. أرقام العدوى والوفيات بين صفوف «الجيش الأبيض» دعت المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم لمطالبة حكومات العالم بتوفير ظروف السلامة والأمان لوقاية الأطباء والأطقم الطبية المعاونة لحمايتهم، باعتبارهم الخطوط الأمامية لمكافحة الأوبئة والجائحات، التي تهدد صحة الناس في أنحاء المعمورة، وأوصي أدهانوم بضرورة الاستثمار في مجالات التعليم والوظائف الخاصة بالتمريض، خاصة في ظل نقص تلك الكوادر، خاصة في هيئة التمريض.
وكما أظهر تفشي وباء كورونا تعاظم دور الكتائب الطبية، ما أدي إلى دفعهم للخطوط الأمامية في المواجهة، ستكشف أزمات أخرى في معارك مستقبلية مدى حاجة الدول إلى أطقم وجنود في مجالات مختلفة، قد تفرض عليهم التقدم لجبهات المخاطر والأزمات محتملة. علي سبيل المثال لا الحصر، تنتظر مصر مواجهة محتملة على جبهة المياه بعد إصرار إثيوبيا على البدء في تخزين المياه خلف سد النهضة، حينها ستكون الدولة مطالبة بالاصطفاف خلف مهندسي الري والمياه والزراعة الذين ستفرض عليهم الظروف التقدم إلى الصفوف الأمامية في تلك المواجهة، ومن خلفهم ملايين العمال والفلاحين القادرين دون غيرهم على التعامل مع أزمة كتلك».
غاب الضمير
لا تخلو صحيفة من الهجوم على الأثرياء، وها هو عمرو عبد السميع يتولى المهمة في «الأهرام»: «ما من مرة ندخل فيها ساحة ظرف وطني ضاغط ومؤلم، ونطلب إسهام الشعب في مواجهته (وضمنه الأثرياء ورجال الأعمال)، حتى نجد أولئك الأثرياء يقاومون ذلك يصرخون فينا: فلوسي.. موظفيني.. أنا لم يدخل لي مليم منذ شهور، بينما يدبدب بعضهم الآخر في الأرض صائحًا: (رجل الأعمال ليس جبلا من النقود.. أنا فقير.. أنا جربوع) وأخيرًا تبرع بعضهم ولكن ليس ـ أبدًا ـ بمستوى ثرواتهم؛ ولكنهم تبرعوا وهذا شيء يسجل لهم. والحقيقة أن هذا الوضع لا ينفع في ظرف استثنائي، ولا يمكن أن نأخذ فيه موقفًا انتقائيًا بالتبرع من عدمه؛ لأن الجائحة خطيرة وشاملة، وستدمر الجميع إن لم نحشد قوانا لمواجهتها، رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب نفسه، رغم قرارات دعمه المشروعات الصغيرة، ورغم كلامه عن ضرورة عودة العمل يومًا ما، وقع قرارًا بتفعيل الإنتاج الدفاعي؛ بحيث صارت بعض موارد القطاع الخاص من الآن فصاعدًا تحت تصرف الحكومة الأمريكية، كل خطوط الإنتاج والمخازن.. كله تحت سيطرة الحكومة الفيدرالية لمواجهة فيروس كورونا. وسوف تتلقى هذه الشركات أوامرها من البيت الأبيض، يعني تأميما مؤقتا لشركات كانت غير متجاوبة وقت فرض العزل، والآن صار من حق الرئيس تعطيل أي إنتاج يراه غير ضروري، ويتدخل في ميزانيات القطاع الخاص فيرفع أو يخفض الأجور والرواتب فهذا كلام غير مسؤول ـ بكل أسف ـ ولا يرتقي إلى مستوى الأزمة. وأخيرًا فإن صيحات «أنا فقير.. أنا جربوع» التي يرددها بعض أثرياء مصر، لا تتناسب مع قيام أحدهم بشراء بئر بترول من شركة خليجية تعمل في مصر، وقد دفع في هذه البئر ـ التي تقع في أقصى شمال الدلتا ـ أكثر من مليار جنيه.. أليس كذلك؟».
أساس المشكلة
قسم حسام السكري في «الشروق» الناس لقسمين: «أولا محتاجون. يزدادون عددا ومعاناة. ثانيا: متبرعون. ربما ليسوا أغنياء بالضرورة، لكن لديهم ما يسترهم ويفيض. ويصف الكاتب المشكلة بأن كثيرين منهم يرغبون في التبرع والمساعدة، لكنهم يتشككون في المؤسسات الخيرية والمبادرات المعروفة. يصعب عليهم مد العون للمحتاجين مباشرة، لأنهم يعيشون في مجتمعات يشوبها نوع من التجانس الطبقي والاقتصادي، ولا يعرفون من المحتاجين سوى من يساعدهم أحيانا في تنظيف المنزل أو رعاية الأطفال. أضف إلى ذلك أنهم أحيانا يتمتعون بنوع من الخجل، يجعلهم يحجمون عن التواصل المباشر مع من يحتاجون العون. يرغب كثيرون منهم في تقديم الدعم، بدون أن تكون لهم علاقة مباشرة بمن يستحقونه. ربما خوفا من أن تنشأ علاقة اعتماد تترتب عليها توقعات، يصعب عليهم ضمان تحقيقها بشكل مستمر في المستقبل. لهذه الأسباب كلها توجد مشكلة في أن يعثر متبرعو «ثانيا» وهم في تصوري كثيرون، على المحتاجين من أهل «أولا». ما العمل إذن؟ يجيب الكاتب:هناك في الواقع فئة أخرى ينبغي علينا تنشيط تفاعلها ومشاركتها. هؤلاء هم أهل «ثالثا». قطاع من المجتمع لديه معرفة باحتياجات الدوائر الصغيرة المحيطة. يؤلمهم الوضع، لكنهم لا يملكون إلى المساعدة سبيلا، إما لأنهم لا يملكون زيادة يقدمونها للغير أو أن ما يفيض على حاجتهم لا يغطي بالضرورة حجم الاحتياج الذي يرونه حولهم. أهل ثالثا هم «الوسطاء» ودورهم في غاية الأهمية لأنهم المفتاح و«الكوبري» الذي يمكن أن يربط بين متبرعي ثانيا، ومحتاجي أولا. فكر في الأمر باعتبارها نوعا من عمل الخير التشاركي، حيث يوجد طالب خدمة، ومقدم خدمة ووسيط يصل ما بين الاثنين».
الجميع في مركب واحد
يقينًا المنظومة الصحية في مصر تعاني من مشاكل كثيرة، أهمها نقص الإمكانات وعدم زيادة ميزانيتها، إلا أنه ليس مطلوبًا حل كل مشاكلها في الوقت الحالي، إنما مساعدتها وتقوية مناعتها حتى تستطيع مواجهة الفيروس، يقول عمرو الشوبكي في «المصري اليوم»، ويضيف هناك فرصة أمام القيادة السياسية لتحويل حديث المشاكل والنواقص، خاصة المتعلقة بنقص مستلزمات الوقاية، وازدياد نسب الإصابات بين الطواقم الطبية، إلى تحديات تعمل فورًا على حلها. يقينًا المشاكل موجودة في كل القطاعات، وهناك من يوظفها لأغراض سياسية والمطلوب ليس الخوف من الحديث في هذه المشاكل ونقد السلبيات، إنما في قدرة الدولة على تحويلها إلى تحديات يشارك الجميع في مواجهتها، حتى لا تترك الساحة لمروجي الخرافة والمبالغات. نحتاج لأن نرى لقاءً بين رئيس الجمهورية، أو رئيس الحكومة مع ممثلين عن الطواقم الطبية، التي تعمل على الأرض وتتعرض كل يوم لخطر الإصابة بالفيروس، بل إن بعضها تعرّض (ولو في أحيان نادرة) إلى مضايقات، رغم أنه يعرّض حياته للخطر، نتيجة سوء الرسالة الإعلامية التي غابت عنها برامج توعية حقيقية لصالح كثير من الكلام الفارغ وقليل من العلم. نحتاج إلى حديث علمي عن الفيروس وسبل مقاومته يتم تكراره كل يوم في وسائل الإعلام المختلفة، بجانب المؤتمر الرئاسي، فكما عُقد العام الماضي مؤتمر قدّم فيه عدد من الخبراء في مجال مكافحة الإرهاب (خالد عكاشة وآخرين) أفكارًا علمية عن تطور الظاهرة، وسبل مواجهتها، فنحن الآن نحتاج إلى لقاء يُعيد الاعتبار للمواجهة العلمية للفيروس، ويحضره ممثلون عن الجسم الطبي بعيدًا عن وصفات «الشلولو والفول المصري». المؤكد أننا نمر بظرف أكثر خطورة على المستوى الصحي والاقتصادي من معركة الإرهاب، ويجب أن لا يشعر فرد واحد ممن يواجهون الفيروس القاتل، بأن الدولة ليست في «ظهره» لمواجهة مشاكلهم اليومية بعيدًا عن الشعارات الكبيرة. ستكون خطوة شديدة الإيجابية إذا جرى «اللقاء الثاني» وشهدنا فيه حديثًا عن التحديات مقبلا من أرض الواقع، واستجابة سريعة من قِبل الدولة، وهو ما سيرفع من معنويات من يواجهون الخطر، ويعزز ثقة الناس في الإجراءات المتخذة. الجميع في مركب واحد، مؤسسات دولة وشعب، طواقم طبية مدنية أو عسكرية وجميعهم يكملون بعضًا».
حق الفقراء
أما أكرم القصاص في «اليوم السابع» فيقول:»ونحن نتحدث عن مستغلي ولصوص أزمة فيروس كورونا وكل أزمة، نكتشف التشابه بين محتكري وتجار السلع في الأزمة، ومن يسعون لانتزاع حق الفقراء بالنصب والاحتيال. طمعا في جنيهات هي من حق عامل فقير أو أرزقي محتاج. مع بداية إجراءات مواجهة الفيروس، ووقف أنشطة وأعمال، قررت الدولة صرف 500 جنيه لكل عامل يومية، أو مؤقت، أو بدون عمل كنوع من المساندة للفئات الأكثر احتياجا. حتى لو لم يكن مبلغا كبيرا لكنه بالطبع يمثل سندا للمحتاجين وأسرهم. فتحت وزارة القوى العاملة الباب للتسجيل على موقع مخصص لذلك، ويفترض على من يتقدم لهذه الإعانة أن يكون بحاجة إليها، لكن الأمر تحول كالعادة إلى مجال للنصابين واللصوص، ممن سعوا لانتزاع حقوق الغلابة، من دون وجه حق لمجرد أنه يحمل بطاقة من دون عمل، على الرغم من أنه يعمل أو لديه أرض أو مشروع. عندما فتحت الحكومة الباب للتقديم للإعانة في موقع مخصص، لوحظ أن هناك زحاما يؤدي لتوقف الموقع طبعا، هناك أعداد كبيرة. الواقع أن هناك غير مستحقين تقدموا لمجرد أن بعضهم يحمل بطاقة بدون عمل، طبعا هؤلاء أدوا للتزاحم على الموقع وتسببوا في تعطيله، وأيضا حاولت الجهات المختصة من خلال قواعد البيانات، التأكد من دقة البيانات، التي تقدم بها العمال، وهو ما استغرق وقتا، وكان مجال انتقاد نظرا لحاجة الفقراء إلى هذه المساعدة على وجه السرعة، حتى يمكنهم البقاء في منازلهم. التزاحم استهلك وقتا يفترض أنه من حق المحتاجين، والسبب أن بعض من تقدموا لصوص و«نصابون»، حسبما أعلنه وزير القوي العاملة محمد سعفان، الذي قال في مداخلة تلفزيونية، إن الذين سجلوا في موقع الوزارة بلغ عددهم حوالي 1.9 مليون، اتضح أن من بينهم 500 ألف بين أسماء لمتوفين، وأطفال وأصحاب معاشات يحصلون على المعاش من الدولة، وأصحاب أملاك وحيازات زراعية ومشروعات، تم استبعادهم، ومن يحق لهم صرف المنحة حوالي 1.4 مليون. بالطبع نحن أمام 500 ألف غير مستحقين يتحايلون بهدف الحصول على حق غيرهم. وربما تكون هناك أعداد عجزت عن التقديم لأن هؤلاء اللصوص احتلوا مكانهم. طبعا قد يرد واحد ليبرر لهؤلاء بالحاجة، بينما هؤلاء مجرد نصابين ولصوص لا يختلفون عن أعداد كبيرة من المتسولين المحترفين، الذين يملأون الشوارع ويجيدون التمثيل لكسب التعاطف، وأغلب أن لم يكن كل من يتسولون هم أعضاء في عصابات تجيد تمثيل الدور وتكسب قلوب الناس بالباطل، بينما الفقراء فعلا بينهم كثيرون لديهم عزة نفس وتعفف، تمنعهم من التسول العلني».