تغيرات إقليمية تُعمق خشية أنقرةمن «مؤامرة دولية» لـ«توريطها وتحجيم نفوذها»

حجم الخط
5

إسطنبول – «القدس العربي»: سلسلة من الأحداث والتغيرات الدولية الإقليمية شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة أدت إلى تعميق ريبة تركيا من وجود ما أسمته الصحف الموالية لحكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم «مؤامرة دولية لتوريط تركيا في وحل داعش بسوريا» والعمل على «تحجيم نفوذها في المنطقة».
فسياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومته «المحافظة» شهدت في الأشهر الأخيرة تراجعاً واضحاً في المنطقة، في ظل انحصار نفوذ قوى الثورات العربية التي دعمتها تركيا في العالم العربي، مقابل صعود تيار ما بات يعرف بـ»الثورات المضادة» المعادي لها بشكل واضح.
تراجع النفوذ التركي ظهر جلياً في «الفشل الكبير» الذي تلقته أنقرة بحصولها على 60 صوتاً فقط من أصل 193 دولة هم أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، في التصويت الذي جرى لمنح مقاعد غير دائمة لخمس دول جديدة في مجلس الأمن الدولي قبل أيام.
وعلى الرغم من تأكيد أنقرة أنها حصلت على وعود من 140 دولة حول العالم من أجل التصويت لها، إلا أن عدد الأصوات التي حصلت لم يتجاوز الستين صوتاً، وسط تحليلات واسعة نشرتها الصحافة التركية عن دور كبير لعبته كلاً من الإمارات والسعودية ومصر ودولة الاحتلال الإسرائيلي في الضغط على دول العالم من أجل عدم التصويت لصالح تركيا في مجلس الأمن.
ونقلت صحيفة «حرييت» التركية عن مصادر لم توضحها، أن «الأسباب الرئيسية لفشل تركيا في عملية التصويت تعود إلى دعمها لجماعة الإخوان المسلمين، ووقوفها ضد سياسة السعودية والإمارات اللتين دعمتا مصر بزعامة الرئيس عبد الفتاح السيسي».
وأشارت المصادر إلى أن «السعودية والإمارات قدمتاً أموالاً كبيرة للدول الفقيرة في آسيا وأفريقيا لعدم التصويت لصالح أنقرة، فضلاً عن الجهود المصرية التي بذلت في إقناع أعضاء منظمة التعاون الإسلامي والدول الأعضاء بالاتحاد الأفريقي بعدم التصويت لأنقرة»، موضحة أن «إسرائيل هي أيضاً لعبت دوراً مهماً في إقناع العديد من الدول بأن تركيا تقدم الدعم لمنظمات إرهابية، وعلى رأسها تنظيم (الدولة الإسلامية) ومنظمات إسلامية راديكالية أخرى». لكن أبرز المخاوف لدى انقرة، بدأت بالظهور مع تشكل التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا والعراق، وبروز خلافات مع الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الدولية بشأن أهداف التحالف في سوريا، ففي الوقت الذي اكتفت قوى التحالف بالتوافق على ضرب «داعش»، رأت أنقرة أن ذلك سيؤدي إلى تقوية الأسد واضعاف المعارضة المسلحة التي تعمل على اسقاطه منذ قرابة ثلاثة أعوام ونصف، حيث امتنعت عن التوقيع على البيان الختامي لمؤتمر التحالف الأول الذي انعقد في السعودية.
ويرى العديد من المراقبين الأتراك في الدعوة الأمريكية المتكررة لأنقرة بالدخول في مواجهة مباشرة مع «داعش» محاولة لتوريط الجيش التركي في «حرب استنزاف طويلة» تكون نتيجتها سلبية لتركيا، وايجابية للقوى الغربية والنظامين السوري والإيراني، وهو ما لا ترغب فيه أنقرة.
ووسط إصرار أنقرة على ضرورة توسيع الضربات لتشمل أهداف لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، أو إقامة «منطقة عازلة» على الحدود السورية التركية، تواصل أمريكا رفض ذلك، وتفاجئ تركيا بدعم غير محدود للأكراد في سوريا والتي تعتبر أنقرة جناحهم المسلح «PYD» منظمة إرهابية وامتداد لحزب العمال الكردستاني في تركيا، والمصنف على أنه منظمة إرهابية أيضاً، في حين أكدت الخارجية الأمريكية في تصريحات صحافية تبدو أنها موجهة لأنقرة، الثلاثاء، أنها لا تعتبر المنظمة «إرهابية».
وبدأت الإثنين طائرات تابعة لسلاح الجو الأمريكي بإلقاء مساعدات عسكرية وأسلحة للمسلحين الأكراد الذين يحاولون صد هجمات «داعش» ضد بلدة عين العرب/كوباني، ذات الأغلبية الكردية السورية والواقعة على الحدود التركية، الأمر الذي أثار غضب أنقرة، وأعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رفض بلاده للمساهمة في هذه الجهود، حيث تعتبر تركيا ذلك يشكل خطراً مباشراً على أمنها المستقبلي.
وفي تصريحات تظهر تصاعد الخلاف بين واشنطن وأنقرة، اعتبر وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، الاثنين، أن الإدارة الأمريكية قررت تقديم المساعدة للمجموعات الكردية واصفاً عدم تقديم الدعم لها بـ»التهرب من المسؤولية»، لافتاً إلى أن بلاده تتفهم قلق حليفتهم تركيا حيال تقديم مساعدات السلاح إلى مجموعات كردية مرتبطة بـحزب العمال الكردستاني، لكنه استدرك بالقول: «إن إدارة ظهرنا لمجتمع يقاتل تنظيم «الدولة الإسلامية» أمر غير مسؤول، كما أنه صعب أخلاقياً».
وأكد أردوغان، في تصريحات صحافية، الثلاثاء، أن عين العرب «كوباني» السورية، مدينة استراتيجية لتركيا، وليست للولايات المتحدة الامريكية، مضيفًا: «لذلك، فإن التدابير التي سنتخذها حيال ذلك، ستكون ذات أهمية خاصة».
وانتقد «أردوغان»، سياسة الكيل بمكيالين التي تنتهجها (الولايات المتحدة الامريكية التي تقود التحالف ضد داعش في المنطقة، دون ذكر اسمها صراحة)، قائلاً: «تشعرون بكل هذا القلق حيال كوباني، لكنكم لماذا لا تشعرون بأي قلق حيال بقية المدن السورية التي تشهد أحداثاً مماثلة».
كل هذه التطورات تأتي في ظل تنامي حالة التقارب الغربي مع إيران وسط شكوك تركية بوجود دور سري لطهران في التحالف الدولي الذي يركز على مهاجمة القوى السنية المتشددة في سوريا والعراق، الأمر الذي سيؤدي إلى تقوية نفوذ الأنظمة والمليشيات الشيعية المدعومة من طهران في كل من سوريا والعراق.

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية