إزالة آلاف المباني المخالفة ويد المحافظين مغلولة عن تنفيذ القانون بانتظار الأوامر الرئاسية

حسام عبد البصير
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: المطلوب منا الآن، شعوباً وأنظمة، أن ننقب عن خطايانا وأن نعتكف فرادى لكشف الذات، بحثاً عن «الحقيقة المجردة» تلك التي لا تتغنى بالوهم ولا تتدثر بخرافات مصدرها صناع الزيف الفني والإعلامي. مطلوب منا أن ننقب عن أخطائنا التي جلبت علينا غضب السماء، ويا لها من عبرة لافتة أن يتحول الفيروس القاتل لآمر بالمعروف وناه عن المنكر، حول هذا المعنى جاءت معظم مقالات الكتاب أمس الاثنين 13 إبريل/نيسان، مفعمة بالندم والخوف.

وقد حرص كثير من الكتاب على دعوة الأغلبية للتوبة وحسن الصدق مع الله، بدورها قالت مي عزام في «المصري اليوم»: نعيش الآن موعظة كورونا، وكيف أن الثري والشخص البسيط يتساويان في الخطر والحظر، فكلاهما ضعيف أمام الفيروس، معزول في منزله، صحيح أن هناك اختلافا كبيرا في منزل هذا وذاك، لكن في النهاية هذه المليونير أو الملياردير لا يستطيع التنقل بين ممتلكاته الممتدة عبر العالم، فهو محدود بحدود المسموح به، حتى لو كانت لديه طائرة. خاصة النساء الثريات يعشن حياة بائسة، فقصورهن خاوية من الضيوف والسمر، خوفا من عدوى لا يعرف أحد مصدرها، تنقلاتهن محدودة، صناديق المجوهرات وأفخر الثياب لم تعد تشغلهن.

مسلسل رفض دفن المصابين لا يزال مستمرا والتحذير من تزايد الإصابات بين الأطقم الطبية

وتناولت صحف أمس أمر المستشار محمد حفني، رئيس النيابة الكلية في المنصورة، بحبس 23 متهما، بينهم 4 سيدات، جميعهم من أهالي قرية شبرا البهو، التابعة لمركز أجا، لمدة 15 يوما على ذمة التحقيقات، في واقعة منع دفع جثمان الدكتورة سونيا عارف، المتوفاة بفيروس كورونا المستجد.. فيما أجرى الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، اتصالا تليفونيا مع الدكتور محمد هنداوي، زوج الراحلة الطبيبة سونيا عارف، قدّم خلاله واجب العزاء في فقيدة الوطن. وقال الدكتور مصطفى مدبولي في اتصاله: «أكلمك كمواطن مصري، قبل أن أكون رئيسا للوزراء، لأقدم خالص العزاء، وأعتذر لكم بالنيابة عن جموع المصريين، عما صدر من تصرفات مشينة من بعض أهالي قرية شبرا البهو، ومن أخطأ سيحاسب بالقانون. وقال أسامة هيكل، وزير الدولة للإعلام، إن مصر تسعى لعودة عجلة الاقتصاد للدوران مرة أخرى، في أسرع وقت ممكن، مع الحفاظ على صحة المواطنين، حيث أن هناك خسائر في البنك المركزي من تداعيات فيروس كورونا، فكان هناك احتياطي نقدي، تم أخذ جزء منه لتقليل خسائر تداعيات كورونا.
وأضاف هيكل، أنه يجب التعامل السريع مع تداعيات كورونا من الناحية الاقتصادية حتى نتعافي اقتصاديًا بدلًا من إعادة الإجراءات الاقتصادية «من أول وجديد» لتحسين الوضع الاقتصادي بعد انتهاء أزمة فيروس كورونا المستجد «كوفيد 19». وتابع: لا أحد يطالبنا بحظر كامل، لن نحتمله وعواقبه الاقتصادية صعبة «هنبقي زيرو، متدفعوناش نوصله، ده مش هيبقى ضرر على رجال الأعمال فقط، ده هيبقى ضرر على الكل، بمن فيهم رجال الأعمال والناس اللي شغالة في شركات رجال الأعمال، وهذا سيؤثر على الكيان الاقتصادي ككل».

مصائب كورونا

«المصائب لا تأتي فرادى».. مقولة أشارت لها «المصري اليوم»وهي تتناول مأساة لاحقت إحدى الأسر، وتجسدت فصولها في الحجر الصحي في مستشفى العجمي في الإسكندرية، «صاحب المأساة شادي أبويوسف، الذي يصارع الفيروس حاليا وحيدًا، بعد أن أفقده أمس زوجته فاطمة، بعد ساعات من لفظ رضيعتها فاطمة أنفاسها. منذ ثلاثة أسابيع استقبل مستشفى العزل في الإسكندرية فاطمة الحطاب، البالغة 39 عامًا، والمقيمة في محافظة دمياط، جراء إصابتها بفيروس كورونا، وكانت على وشك وضع جنينها، وما هي إلا أيام ولحق بها زوجها الدكتور شادي أبويوسف، الذي أصيب هو الآخر بالفيروس، وحُجز في المستشفى نفسه. شادي أبو يوسف مع زوجته وأولاده. ثم وضعت الأم فاطمة طفلتها في مستشفي العجمي للحجر الصحي، ليسميها والدها على اسم والدتها «فاطمة»، لكن لم يمهلها القدر طويلًا، لتتوفى بعد ساعات، من ولادتها. لم تمض ساعات الحزن طويلًا على الأم «المكلومة» حيث لحقت برضيعتها، متأثرة بفيروس كورونا، تاركة زوجها أمام عدوهما المشترك، بالإضافة إلى 3 أطفال، سيواصلون مشوار الحياة بدونها.
دونت وصيتها، عبر حسابها الرسمي على «فيسبوك»، قائلة: «الوصية الأولي والأخيرة حين أتوفى، سامحوني واستروا عيوبي، وادعوا لي بالرحمة، وتذكروا الصحبة ولو إني أخطأت، إنسو أخطائي، واذكروا أجمل صفاتي، لا أعلم بأي ساعة كتب لي انقباض روحي». وهي الوصية التي حولت اسم فاطمة الحطاب، منذ يوم الخميس الماضي، ليكون الأسم الأكثر تداولاً عبر موقع التدوين تويتر بعد وفاتها، وجعلت أهالي منطقة عزبة اللحم التابعة لمركز دمياط تعيش حالة من الحداد لرحيل فاطمة لطيبتها واحترامها لغيرها».

استقيموا يرحمكم الله

يري محمد أمين في «المصري اليوم» أنه: «لولا وقفة الدولة في قرية «شبرا البهو» ما رأينا في اليوم التالي مباشرة ما حدث في قرية شباس عمير.. فقد وقفت القرية كلــــها تصلي الجنــــازة، بترتيبات خاصة على متوفاة بكورونا.. بينهم مسافات ويرتدون الكمــــامات.. ويقولون إن ما حدث هناك، لن يحدث هنا.. نحن أهل وأسرة واحـــدة.. ربما كان ذلك ما حدث بالفـــعل، وربمـــا كان هـــذا هو الشيء المحترم الذي أفرزته الأزمة، ولكن حين يعرف الناس أن الدولة لن تتسامح، فسوف نرى هذا السلوك المحترم، لنقدم أجمل ما فيـــنا طوعاً أو كرهاً! ولا مانع من أن تكون هناك عنابر حديثة لكل من لا يلتزم بالقانون.. حتى الذين خالفوا قواعد الإنسانية والأخلاق، لا بد أن يتم استئصال شأفتهم من المجتمع».

تلعنهم الملائكة

أكد الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر أن مظاهر التنمُّر والسُّخرية من مُصابي فيروس كورونا المستجد وضحاياه، أمر خطير، ولا يجوزُ أبدًا ولا شرعا ولا مروءةً، أن يسخر إنسان من إنسانٍ آخَر أُصيب بهذا الوباء، أو مات به، أو يتنمر ضده، والواجب هو أن يدعوَ الإنسانُ لأخيه الإنسانِ، وأن يَتضامَنَ معه، وألّا يسخر منه بكلمةٍ. وشدد فضيلته وفقاً «للأهرام» على أنه من أسوأ الأخلاقِ وأحطِّها منزلةً استغلالَ جُثَثِ الموتى للمتاجرة بها في سُوقِ «المصالحِ» الهابطة، التي يَلعَنُ اللهُ المتاجرين بها، وتَلعَنُهم الملائكةُ، ويَلعَنُهم كلُّ مؤمنٍ يُخلِص دِينَه لله تعالى، ولا يَرهَنُ ضميرَه وعقلَه للعابثين بالأديانِ والأوطانِ. ووصف الطيب الوباءُ بأنه بلاء إبتلى الله به البشريَّةَ في مَشارقِ الأرضِ ومغاربِها، وهذا ما يفرضُ علينا جميعًا أن نَتكاتَفَ لمواجهتِه حتى يتمَّ القضاء عليه – بإذن الله تعالى؛ وعليه فلا يصحُّ ولا يجوزُ أبدًا لا شرعًا ولا مروءةً، أن يسخر إنسان من إنسانٍ آخَر أُصيب بهذا الوباء، أو مات به، أو يتنمر ضده، والواجب هو أن يدعوَ الإنسانُ لأخيه الإنسانِ، وأن يَتضامَنَ معه، وألّا يسخر منه بكلمةٍ أو نظرةٍ أو فعلٍ أو قولٍ، يُؤذي المصابَ ويؤذي أهلَه. وتابع الطيب: أحزنني كثيرًا كما أحزن جموعَ المصريِّين أن نرى بعضَ أبناءِ وطنِنا يَرفُضون استلامَ جُثَثِ ذَوِيهم ممَّن ماتوا بهذا الوباء، أو دفنَهم في مَقابرِهم، وهو أمرٌ مُحرَّمٌ شرعًا ومُجرَّم أخلاقًا وإنسانيًّةً، وكان على هؤلاء المسيئين أن يَعلَمُوا – بل يتعلَّموا- أن للموتِ مَهابةً وجَلالاً، وله عظةٌ عمليَّةٌ بالغةٌ يجبُ أن يَستَحضِرها كلُّ إنسان، حين يَطرُقُ سمعَه حديثٌ عن الموت، أو كلَّما رأى جنازةَ».

الفيروس يعظ

نبقى في «المصري اليوم» بصحبة محمد علي إبراهيم وحديث ملهم حول دروس كورونا: «أيقظت الجرثومة فينا ما نسيناه وهو الإنسانية.. وأن الإنسان أغلى وأثمن من أي شيء فقيرًا كان أم غنيًا.. علمتنا الملعونة درسًا أنها لا تصيب الأطفال والشباب إلا في ما ندر.. أظهرت مدى حقارة أنظمة تقتل الأطفال غيلا.. وإرهابيين ينزعون الحياة من شرايين شباب غاضب ويلقونهم بعد غسيل مخ متقن إلى الجحيم، لقاء حفنة دولارات، ليساعدوا أهلهم الفقراء.. جرثومة غير مجنحة تفوقت على اختراع طائرات بدون طيار.. الوباء ساوى بين الجنسيات والأديان والمذاهب، وأكد أنه فيروس عالمي يكره العنصرية ولا يفرق بين الناس على أساس اللون أو العرق.. ساوى بين الذكر والأنثى.. القوي والضعيف.. الذي يأكل أفخر أنواع الطعام والذي يعيش على خشاش الأرض.. وباء طبق القواعد الدينية بدون قصد.. أظهر أن علاجه في تضامن الإنسانية وتكاتف الدول، لابتكار مصل أو لقاح شافٍ، يضرب احتكار الدواء في مقتل، ويؤكد أن العلم ليس امتيازًا لأحد لأن العقل لا يحتكره الأقوياء.. درس كورونا يشبه مقتل داوود لجالوت.. لا تتكبر ولا تغتر ولا تمش في الأرض مرحًا.. إحفظ جارك ضعيفًا أو قويًا.. خفيرًا أو وزيرًا.. ساعتها ستسلم الأحياء والمحافظات والعواصم من عدو طرق بابها، بدون استئذان وأركعها.. دروس الجرثومة كثيرة فقد ظهر أن جواز السفر الأمريكي، وهو حلم كثيرين ما هو إلا أكذوبة.. التقدم التكنولوجي والطبي والعلمي، ليس أسطورة في الغرب.. وجدنا سياسيين يستحقون الإعدام وآخرين يضربون أمثلة في الفداء.. ثبت أن الأطباء والعلماء أهم من لاعبي الكرة والراقصات والفنانين بوجه عام.. الدول البترولية لا قيمة لها، إذا انخفضت أسعاره.. سيصرخون ما أغنى عني مالي.. هلك عني سلطاني.. أكبر درس إجباري أنك لا بد أن تضع الصحة والتعليم نصب عينيك.. هناك بشر رائعون وآخرون قمامة».

فرصة للتعلم

أكد الدكتور مصطفى كامل السيد في «الشروق» على: «أن هناك فرصة للتعلم من هذا الاختبار القاسي، وكما أن هناك فرصة للتعلم، فمن المحتمل أيضا ألا يتعلم بعض البشر من هذا الاختبار، ومن ثم تستمر الأوضاع على ما هي عليه، مثلما كانت قبله. وليس معنى ذلك أن الذين لن يتعلموا هم هؤلاء الذين لم يعانوا من هذه الجائحة، بل مما قد يدعو للأسى أن العكس قد يكون صحيحا، فرغم فداحة الآثار على البشر والاقتصاد، سوف يتصور قادة الدول التي لم تهدد الجائحة استقرارهم في مواقعهم، أنهم قد نجوا، فلا خطأ هناك في ممارساتهم، ويستسلم مواطنوهم لاستمرار نظمهم، باعتبارها قدرا لا فكاك لهم منه.
والواقع أن احتمالات عدم التعلم من هذا الاختبار هي أعلى في الوطن العربي منها في خارجه، وأتمنى أن يكون استنتاجي هنا خاطئا، ولكن التجربة التاريخية القريبة تشير إلى أن سجل تعلمنا من إخفاقات، بل ونكبات الماضي، جد محدود. لا بعد النكبة الكبرى في 1948 ولا بعد ضياع إنجاز حرب أكتوبر/تشرين الأول، الذي انتهى بالانقسامات العربية، إلى تتويج إسرائيل القوة التي تسعى جميع النظم العربية لخطب ودها، متجاهلة حقوق الفلسطينيين. ومع ذلك هناك فرصة، أتمنى ألا تضيع، للتعلم من هذا الاختبار القاسي الذي تمثله الجائحة. طبعا سوف تكون هناك إجراءات للتعامل مع الآثار المباشرة لهذه المحنة، ولكن الدروس المهمة هي تلك التي تتعلق بما يجب عمله حتى نتوقى تكرار هذه المحنة، أو التقليل من آثارها إذا ما تجددت، أو داهمنا خطر يماثلها، وهو أمر ينبغي عدم استبعاده، على ضوء التوقعات، بأن تتجدد الجائحة في فصل الخريف، أو أن يتحور فيروس آخر ويفاجئنا في تحول جديد له في المستقبل. واستعرض الكاتب الحالة المصرية. ودور الدولة في مجالات الصحة والبحث العلمي والتنمية».

فاسدون صغار

حديث الرئيس يوم الثلاثاء الماضي عن البناء المخالف والعشوائي، واستغلال بعض الناس لانشغال الدولة في مكافحة فيروس كورونا، كان وفق رؤية طارق صبري في «الوطن»: «بمثابة منبه شديد أيقظ مسؤولي المحليات الغافلين أو المتغافلين عن مخالفات تُرى بالعين المجردة.. فجأة بدأنا نرى سيلاً من حملات التنفيذ الفوري لإزالة آلاف المباني المخالفة، والمدهش في الأمر هو تباهي المسؤولين بتنفيذ القانون، بدون خجل أو حياء، لأن تلك المخالفات حدثت أمام أعينهم ولم يتحركوا، وعندما تسأل أحدهم لمَ لم تتحرك أثناء بناء هذه الأبراج، التي استغرقت شهوراً في البناء، تجده يقول، بدون تردّد، عملنا قرار إزالة، والتنفيذ في يد الأمن الذي يعد دراسة أمنية للتنفيذ، هذا الأمر يستغرق شهوراً، بحيث يكون صاحب العقار المخالف قد انتهى من البناء، وتم تسكينه بالكامل، لتأتي حملة الإزالة، ويبقى الحال على ما هو عليه بقوة القانون. والمدهش أيضاً هو توعّد السادة المسؤولين لباقي المخالفين خلال تنفيذ حملات الإزالة، بتنفيذ القانون فوراً، وهو ما يجعلني أتساءل، هل يدك كانت مغلولة يا سيادة المحافظ عن تنفيذ القانون من قبل وكنت في انتظار أمر مباشر من الرئيس لتنفيذ القانون؟ وماذا كان سيحدث لو لم يتحدث الرئيس؟ والأكثر دهشة، هو القول الذي نراه في كل بيان أو تصريح لأي مسؤول: «هذا المخالف استغل انشغال الدولة في مواجهة فيروس كورونا، وقام بالبناء»، وفي الوقت نفسه تجد أن أكثر من 60٪ من المباني التي تتم إزالتها، أبراج سكنية منها المكون من 10 و12 طابقاً، أو مناطق كاملة، كالتي رصدها الرئيس خلال تجوّله بشكل غير رسمي، يستغرق بناؤها شهوراً تفوق عمر كورونا بعمر».

الثراء ليس عاراً

اهتم مصطفى عبيد في «الوفد» بالدفاع عن الرأسمالية الوطنية في وجه دعاوى تطالب بالقضاء عليها: «أحدهم كتب قبل أيام مُحرضا على استعادة مذبحة التأميم الناصري، لإنهاء وجود القطاع الخاص في مصر، بدعوى أنه بعيد عن دعم المجتمع خلال أزمة كورونا. وقال إن حركة الأموال في أيدي 5٪ من الشعب وأن 95 ٪ محرومون من الثروة، وأن الإمبريالية العالمية (لاحظوا المصطلح الذي يستخدمه كل فاشي لتبرير فاشيته) تنهب خيرات الأمم، وتحصرها في حوزة هؤلاء، محرضا الدولة المصرية أن تفتك بهم، وتستولي على ممتلكاتهم، لتستعيد ما فعله عبد الناصر قبل ستة عقود وُتعيد المال للشعب. وعلى شاكلته، نجد أنفارا من المتطوعين عن قصد أيديولوجي، أو جهل عام، أو رغبة في الظهور يطالبون بسحق القطاع الخاص، قهر رجال الأعمال واسترداد ما حققوه تحت مُسمى زائف اسمه «حق المجتمع». ولاشك في أن القيادة السياسية تعي تفاهة الطرح، وتؤمن بدور القطاع الخاص في تحقيق التنمية. تدرك القيادة أن الملكية الخاصة حق مقدس محفوظ بالدستور والقانون، وأن الوطن يتسع للجميع، وفي كل فرصة تكرر أن رجال الأعمال شركاء في الوطن، لا خصوما للشعب. ثم مَن قال أن تحقيق ثروة عمل مُجرم؟ وهل هناك أي عُرف يسمح بالاستيلاء على كد وجهد إنسان تحت أي مُسمى؟ وهل هناك مَن يتخيل حتى في مواطن نشوء الفكر الاشتراكي نفسها، أن ثمة مَن يقبل الآن مصادرة أموال الناس؟ هل يعي جوقة عبد الناصر أن زمنه ولى، وأننا دفعنا عقودا ثمن سياسات التأميم الكريهة ومازلنا حتى الآن فقراء وبؤساء؟».

مال جبان

رأس المال جبان.. لكن يبدو أن: «هذه المقولة كانت تنطبق على أصحاب رؤوس الأموال في الأزمنة الغابرة.. لأن جبن رؤوس الأموال الذي نشهده في هذا الزمان فاق، كما تؤكد هالة فؤاد في «المشهد»، كل توقع، فأصبحت تلك الصفة أقل كثيرا وأكثر تأدبا من صفات أخرى كثيرة تستحقها تلك الرؤوس، التي فقدت إنسانيتها، وضربت أبشع الأمثلة على الانتهازية والجشع والأنانية، وظهرت في أبشع صورها، وبدا معدنها الزائف، بعدما كشفت أزمة الوباء ذلك الوجه القبيح. لم نكن بالطبع في حاجة لكورونا ليفضح لنا تلك الوجوه.. لكن ربما لم نتصور أن يصل القبح لهذه الدرجة.. أو على الأدق لهذه الفجاجة، وافتقاد الكياسة واللباقة، واختيار الكلمات المناسبة للتعبير عن مصالحها، لكن يبدو أن تاثير الفيروس الخطير أطاح بعقول رجال الاعمال، فأصبح من الصعب عليهم التفكير في تأثير وصدى كلماتهم قبل التصريح بها، أو على الأقل تغليفها بأساليبهم الناعمة المعروفة، ليبدو هدفها البحث عن المصلحة العامة ودفع عجلة الإنتاج وغيرها من المبررات، التي اعتدنا سماعها، وعرفنا ما وراءها من أكاذيب وحيل، لحصد المزيد من الأموال.
اعتدنا على أطماع هؤلاء وتعودنا على رقصهم على كل الحبال، وتقربهم من كل نظام لضمان استمرار سطوتهم وسيطرتهم وامتلاء خزائنهم وجيوبهم. زكم أنوفنا عطن فساد بعضهم، وحلمنا بثورة تطيح بكل أطماعهم.. لكن يبدو أن كابوسهم الجاثم على واقعنا وحياتنا أكبر وأثقل وأخطر من أن توقظه أحلام يقظتنا الخجولة. هل كنا نتوقع أن يكون لكورونا أثر أكبر؟ هل كنا نتعشم أن يوقظ حصاد الموت المتقافز بلا رحمة ضمائر هؤلاء؟ هل كنا نتوهم أن تستنفر جثث الضحايا وأجساد المصابين الملقاة على الأسرة، وفي الطرقات مشاعر الرحمة والإنسانية فتدفعهم للتفكير في مد يد العون للجميع؟».

واقعة مؤسفة

الواقعة غير المسبوقة حدثت في قرية بولس التابعة لمركز كفر الدوار في البحيرة مؤخرا، اطلع على تفاصيلها السيد شحتة، وحدثنا عنها في «اليوم السابع» قائلا: «لأول مرة نرى في قرية مصرية اعتراضا من الأهالي على دفن ميت، في ظل عرف ثابت ومستقر في جميع قرى مصر يقوم على أن إكرام الميت دفنه.
الواقعة هي أن شخصا توفي عقب إصابته بفيروس كورونا في أحد مستشفيات الحجر الصحي، وبالفعل تم نقله بسيارة مجهزة من قبل وزارة الصحة، لتقوم أسرته بدفنه في مقابر الأسرة في القرية قبل أن يفاجأوا برفض الأهالي وتصديهم لهم، مطالبين بدفنه في مقابر أخرى خارج القرية، خوفا من انتقال العدوى إليهم.
من قال إن ميتا يمكن أن يتسبب بعد مواراته الثرى في نقل العدوى إلى شخص آخر على قيد الحياة، ولو فرضنا أن الجميع في مصر فكّر بالطريقة نفسها فهل نرسل جثامين موتانا إلى الخارج؟ أم هل نقبل بحرقها كما تفعل بعض دول العالم الآخر؟ أحسب أن الإجابات على هذه التساؤلات كفيلة بأن تعيد من أصابه بعض الشطط، بفعل ما ضرب العالم اليوم من نوازل الدهر إلى رشده. المشهد في مجمله وإن كان يحوي قدرا كبيرا من الهلع من الفيروس، الذي يواصل انتشاره في كافة أرجاء المعمورة، فإنه يعبّر بشكل أو بآخر عن حالة من التنمر اللاشعوري، الذي يمارسه اليوم البعض تجاه المصابين بفيروس كورونا، كما أن المرض أيا كان نوعه ليس عيبا، ولم يكن كذلك في يوم من الأيام، خاصة أننا بصدد فيروس سريع الانتشار، ويمتلك شيفرة جينية لم يتمكن العلماء من فك لغزها حتى الساعة».

مكافحة العدوى

أما علاء غنام فيقول في مقاله في «الشروق»: «يجب التحذير من خطورة زيادة الإصابة بين الأطقم الطبية، مثل إصابة البعض منها في معهد الأورام، ومعهد القلب، ومركز مجدي يعقوب للقلب، ومستشفى صدر دكرنس في الدقهلية. هناك ضرورة لتوفير جميع مستلزمات مكافحة العدوى في جميع المرافق الطبية، مع ضرورة إعلان البروتوكول العلمي الموحد لطريقة تطبيق هذه القواعد، مع التأكيد على جميع مديري المنشآت الطبية لضرورة متابعة تطبيق بروتوكول قواعد مكافحة العدوى، وكيفية استخدام الواقيات الشخصية، لجميع فئات الفريق الطبي، وكل المتعاملين مع الحالات المشتبه فيها والمرضية (قناع عادي ــ قناع عالي الحماية ــ قفازات ــ غطاء رأس ــ مريلة واقية ــ نظارة واقية)، لضمان الوقاية لمقدمي الخدمة الصحية، والحد من انتشار فيروس كورونا في داخل المنشآت الطبية، وللحد من انتشار الوباء.
وفي السياق نفسه، أشاد البيان الصحافي لبعثة الدعم التقني الخاصة بمرض كوفيد ــ 19 في مصر بجهود الطواقم الطبية، حيث جاء في البيان «من الواضح أن الموظفين والعاملين الصحيين يعملون بكل جدية والتزام لمكافحة هذه الفاشية وإنقاذ الأرواح». لذلك، أحد أهم الأهداف الآن يجب أن تكون حماية الفرق الطبية، فهم خط الدفاع الأول.
وفي الخلاصة، في اللحظة الحالية، علينا مواجهة الوباء وتركيز الأولويات بشكل علمي، لكن على الدولة بعد نهاية الأزمة أن تعيد النظر في موازنة الصحة وفي أجور الأطباء والتمريض، وفي إقرار بدل عدوى عادل لهم، يتفق مع حجم المخاطر التي يتعرضون لها في عملهم، لتشجيع الأطباء على العمل في القطاع الحكومي، وعدم الهجرة للخارج، أو للقطاع الخاص، بالإضافة إلى ضرورة الإسراع في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، التي كشفت الأزمة مدى فاعليتها في إصلاح المنظومة الصحية، لأنه باختصار النظام الجديد للتأمين الصحي المقرر تعميمه على جميع محافظات مصر خلال السنوات العشر المقبلة يقصر دور الوزارة على ما يقوم به الآن قطاع الطب الوقائي فيها، في مكافحة الأوبئة، والحفاظ على الصحة العامة».

الخطر مستمر

حذّر محمد حسن البنا في «الأخبار» من أن الخطر ما زال قائماً: «يجب ألا نستهتر بالإجراءات، لأنها تستهدف صحتنا ومصلحتنا، لقد رأينا ماذا فعل الاستهتار بدول كبرى مثل أمريكا وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وإنكلترا، بل عاد الوباء إلى الصين، رغم كل ما فعلته ونجحت فيه، إلا أنها عادت أمس لتعلن عن 46 حالة إصابة جديدة بالفيروس، من بينها 42 حالة لمسافرين قادمين من الخارج. وقالت لجنة الصحة الوطنية الصينية، في بيان إن حالات الإصابة بلغت 81953 حالة، في حين ارتفع عدد حالات الوفيات إلى 3339 حالة. وما حدث في حاملة الطائرات الأمريكية «روزفلت» فخر الصناعة العسكرية الأمريكية، التي شاركت في جميع حروب أمريكا، ومنها انطلقت الطائرات لتحصد أرواح مئات الأبرياء والأطفال في أفغانستان والعراق، حالياً تدخل في عزل صحي كامل لتفشي فيروس كورونا، وعلى متنها 4000 جندي. وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية أول دولة في العالم تتجاوز عتبة الألفي حالة وفاة، خلال 24 ساعة، جراء الفيروس، حسب إحصاء لجامعة جونز هوبكنز، لتبلغ 18586 حالة وفاة، وبذلك تقترب إلى حد كبير من حصيلة الوفيات التي سجلتها إيطاليا. وفي كل مرة يخرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلن «السلطات تعمل حاليا على استراتيجية لإنقاذ حياة الأمريكيين من الوباء، في ظل امتلاكنا أفضل رعاية صحية في العالم» على حد وصفه. بينما أعلنت الدكتورة ماريا فان كيركوف مسؤولة في منظمة الصحة العالمية «حالات الإصابة بفيروس كورونا في أوروبا تتضاعف بسرعة كبيرة جدا كل ثلاثة أو أربعة أيام».

وداعاً أبو عيسى

فقدنا مؤخرا مناضلاً يرثيه مجدي حلمي في «الوفد»: «قيادي وسياسي ونقابي محنك.. فقدنا رمزا.. نعم إنه رمز ليس للسودان فقط، ولكن لكل من نطق بالعربية.. فقدنا الاستاذ والمعلم والسياسي والنقابي فاروق أبوعيسى السوداني حتى النخاع والمصري بحبه لهذه البلد وعشقه له، والمحامي البارع والسياسي الماهر والنقابي المحترف، فجعني الخبر فكنت أنتظر منه أن يحقق وعده، بأن يدعوني لزيارة السودان، بعد الإطاحه بحكم البشير.. وهو الوعد الذي قاله لي منذ 30 عاما.. عرفته أمينا عاما لاتحاد المحامين العرب، وعضوا ومؤسسا لحركه حقوق الإنسان العربية، عرفته رجلا قوميا يعمل لأجل الأمة العربية. رأيته كيف ساهم مع النقيب الجليل أحمد الخواجة في عودة العلاقات بين مصر وسوريا والعراق في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. أشهد بأنه كان مدافعا صلبا عن حقوق الأمة العربية في مواجهه الكيان الصهيوني.. وكيف استغل خبرته القانونية في دعم كل القضايا التي طالت رموز هذا الكيان في كل مكان في العالم.. ورأيته مدافعا عن حقوق الإنسان العربي ضد القمع والاضطهاد، وكان اتحاد المحامين العرب ملاذا لكل المضطهدين في الوطن العربي.. وجعله منارة للحرية، اتحاد المحامين العرب، كان أول مؤسسة عربية، تستضيف نيلسون مانديلا في اجتماع للمكتب الدائم له.. وكان بوابة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لمخاطبة العالم، فبعد أن ترك أبو عيسى اتحاد المحامين العرب، خمدت أنواره وفقد دوره القومي والعربي، فهو الذي اتخذ قرارا باستضافة المنظمة العربيه لحقوق الإنسان، في وقت ضاقت بمؤسسيها البلدان العربية».

حظه عثر

اللافت في أداء ساكن البيت الأبيض، كما رصد ذلك عبد الله السناوي في «الشروق» حجم التناقض بين تصريح وآخر، ومن ساعة لأخرى، كأنه بندول ساعة قديمة معلقة على حائط يوشك على التصدع. في لحظة يصف الوباء بـ«الصيني»، أو ينسبه إلى مركز تفشيه في «ووهان».. وفي لحظة أخرى يستبعد التوصيفات السياسية، واصفا علاقته مع الرئيس الصيني بأنها رائعة، وأنهما عازمان على التصدي المشترك للوباء. خلال شهر فبراير/شباط الماضي كله، استخف بخطر الفيروس، كأنه «أنفلونزا اعتيادية»، وتجاهل تقارير استخبارات بلاده، التي حذرته مبكرا من احتمال أن يمثل تهديدا حقيقيا للقوات الأمريكية في آسيا، وأن ينتقل إلى الولايات المتحدة نفسها، قبل أن يضطر في مارس/آذار لإعلان حالة الطوارئ. أعلن انتصاره المبكر وعودة الاقتصاد إلى طبيعته قبل عيد «الفصح»، ثم اضطر تاليا ــ تحت الأرقام المفجعة للضحايا ــ إلى التراجع قائلا: «إن إعلان الانتصار المبكر خطيئة»، بدون أن يذكر أنه ارتكبها أمام الكاميرات. لم يأبه كثيرا لما تعرضت له حاملة الطائرات «روزفلت»، أقيل قائدها الذي سرب الخبر للإعلام، مصرحا بـ«لسنا في حالة حرب، وجنود البحرية ليسوا مضطرين للموت»، لكنه يجد نفسه الآن أمام تهديدات جدية لسفن حربية أخرى، حسبما أعلن رسميا. كان ذلك تعبيرا عن عجز القوة العسكرية في مواجهة الوباء القاتل، وأن هناك ما يستدعي الالتفات إليه لاحتفاظ الولايات المتحدة بزعامتها الدولية، أو تأجيل إزاحتها لأطول فترة ممكنة، ليس من بينها العقوبات المالية للمنظمات الدولية، ولا قنص شحنات الكمامات المرسلة لدول أوروبية حليفة يعصف بها الوباء، ولا منع تصدير أي معدات طبية خارجها. الصورة المهزوزة تعصف بالمكانة الدولية وتمتد آثارها إلى حلف «الناتو» والمكانة الأمريكية في العالم بين الحلفاء والخصوم على قدر المساواة. الأسوأ قدر التنافس بين الولايات الأمريكية نفسها على الاحتياجات الطبية، بدون تنسيق حقيقي».

تايتنك لبنانية

سفينة الاقتصاد اللبناني مصيرها من وجهة نظر عماد الدين أديب في «الوطن» مثل مصير سفينة تيتانك الشهيرة، وهي تكاد تصطدم بجبال الثلج وسط المحيط: «يعاني لبنان من خلل مخيف تراكم تاريخياً منذ عام 1943 حتى تاريخه، أوصل هذا البلد إلى أن تكون حصة المواطن اللبناني من الدين العام من أعلى المعدلات في العالم أجمع. هذا الخلل في اقتصاد البلاد أدى إلى وصول الدين العام الخارجي للبلاد إلى 91 مليار دولار (إحصاء 2019) وتمثل السندات الحكومية 94٪ من هذا الدين. السؤال الجوهري المطروح للنقاش بقوة في لبنان الآن هو، من الذي يمكن أن يدفع ثمن كارثة الاقتصاد اللبناني، الدولة؟ أم المصارف؟ أم المودع؟ صراع المصالح الآن مخيف وقاسٍ ودموي، بين النخبة الحاكمة وأصحاب المصارف، وجماهير المودعين، كل يحاول ألا يكون «كبش الفداء» للخروج من هذا الوضع الكارثي. الأرقام المجردة لا تحتاج إلى خبير لمعرفة حجم خطورة الوضع الاقتصادي في البلاد، والضاغط بجنون على العباد. حالة لبنان الآن سببها أن كل من حكمه فكّر في مصلحته الذاتية، قبل أي مصلحة عامة. وأذكر أن السياسي البارز النزيه ريمون إده قال لي قبل أن يتوفى في المستشفى: اختياري منذ عام 1976 البحث عن لبنان ذي هوى لبناني وليس ذا هوى إيراني أو فرنسي أو أمريكي أو سوري أو خليجى! لبنان المطلوب له عمل «هيركات» أو حلاقة مالية، مساحته 10542 كيلومتراً، تعداد سكانه الآن 4.5 مليون نسمة (تقريباً) يعيش فيه قرابة 2 مليون لاجئ ونازح فلسطيني وسوري وعراقي ويمني وليبي، إجمالي ديونه 85 مليار دولار (تقريباً)، متوسط دخل الفرد فيه 15.557 ألف دولار للفرد سنوياً، ويحتل الترتيب رقم 57 في قائمة مداخيل الفرد».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية