محللون يُشكِّكون في قدرة قرار «أوبك+» خفض إنتاجها النفطي على مواجهة انهيار الطلب العالمي مع استمرار تداعيات الوباء

حجم الخط
0

لندن/عواصم – وكالات الأنباء: اتفقت منظمة الدول المُصَدِّرة للنفط «أوبك» وحلفاؤها بقيادة روسيا فيما يعرف بمجموعة «أوبك+» ليل الأحد/الإثنين على خفض غير مسبوق لإنتاج النفط – يعادل نحو عشرة في المئة من المعروض العالمي – لدعم أسعار الخام في خضم جائحة فيروس كورونا، وقالت مصادر إن التخفيضات الفعلية قد تصل إلى 20 في المئة. فمنذ بداية فبراير/شباط الماضي حطمت إجراءات كبح انتشار فيروس كورونا الطلب على الوقود، ودفعت أسعار النفط إلى الانخفاض بأكثر من النصف، مما يضغط على ميزانيات منتجي الخام ويعصف بصناعة النفط الصخري الأمريكية، الأكثر انكشافا على مخاطر تدني الأسعار بسبب تكاليفها الأعلى.
وقالت المجموعة أنها اتفقت على تقليص الإنتاج 9.7 مليون برميل يوميا في مايو/أيار ويونيو/حزيران، وذلك بعد محادثات مطولة لأربعة أيام وعقب ضغوط من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاحتواء انخفاض الأسعار.
وغرّد ترامب على «تويتر» قائلا «اتفاق النفط الكبير مع أوبك+ تم إنجازه. سيصون هذا مئات الآلاف من وظائف الطاقة في الولايات المتحدة،» متوجها بالشكر إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والعاهل السعودي الملك سلمان لدفعهما بالاتفاق قدما.
وقال الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي» في مؤتمر صحافي عبر الهاتف أمس أن التخفيضات الفعلية لإمدادات النفط العالمية ستبلغ نحو 19.5 مليون برميل يوميا مع الأخذ في الاعتبار اتفاق «أوبك+»، وتعهدات من دول أخرى في «مجموعة العشرين» ومشتريات النفط المخصصة للاحتياطيات.
وأضاف أن دول «مجموعة العشرين» من خارج «أوبك+» تعهدت بخفض إمدادات النفط بنحو 3.7 مليون برميل يوميا، بينما من المتوقع أن تبلغ مشتريات الخام المخصصة للاحتياطيات (الاحتياطيات البترولية الاستراتيجية) 200 مليون برميل خلال الشهرين المقبلين.
وأضاف أن بلاده قد تقلص إنتاج النفط دون حصتها الحالية البالغة 8.5 مليون برميل يوميا إذا كانت هناك حاجة للسوق وإذا جرى تنفيذ التخفيضات بشكل جماعي مع البقية على أساس متناسب. وقالت «أوبك+» إنها تريد من منتجين خارج المجموعة، مثل الولايات المتحدة وكندا والبرازيل والنرويج، خفض خمسة في المئة أخرى أو خمسة ملايين برميل يوميا.
لكن مراقبين في صناعة النفط يرون أن تخفيضات الإنتاج القياسية التي أقدمت عليها «أوبك+»، والتي تعادل أربعة أضعاف التخفيضات القياسية السابقة المسجلة في 2008، ربما تدعم الأسعار مؤقتاً، لكنها ليست كافية لمواجهة انهيار الطلب العالمي على الخام، الذي تتنبأ بعض الجهات المتخصصة في تقديم التوقعات بأنه يصل إلى 30 مليون برميل يوميا في الشهر الحالي.
والأدهى من ذلك أن الحكومات في مختلف أنحاء العالم تدرس تمديد القيود المفروضة على السفر والتجمعات، للحيلولة دون انتشار فيروس كورونا، وهي القيود التي أدت إلى تراجع الطلب على الوقود أصلا.
وقال المحلل فيرندرا تشوهان، من شركة «إنِرجي آسبكتس» الاستشارية «حتى إذا أوقفت تلك التخفيضات هبوط الأسعار فلن تتمكن من رفعها في ضوء حجم الزيادة في المخزونات التي نراها ماثلة أمامنا»، مشيراً بذلك إلى صهاريج وناقلات التخزين التي تتزايد في مختلف أنحاء العالم وسط تراجع الطلب من جانب المستهلكين.
وأضاف أن «غياب التعهدات المؤكدة من جانب الولايات المتحدة وغيرها من أعضاء مجموعة العشرين يعد نقيصة في الاتفاق». وكانت «مجموعة العشرين» قد واجهت مطالب للمساعدة في تقليص وفرة المعروض. وكان من المتوقع من المنتجين من خارج «أوبك+»، مثل الولايات المتحدة وكندا والبرازيل والنرويج، المساهمة في تخفيضات الإنتاج بخمسة ملايين برميل أخرى يوميا، لكن لم تصدر تعهدات تذكر من هؤلاء في أعقاب المحادثات التي جرت يوم الجمعة بين وزراء طاقة المجموعة.

المجهول الأمريكي

لكن كندا والنرويج أبدتا استعدادا للخفض. فقد قالت تينا برو، وزيرة النفط والطاقة في النرويج، أمس أن أكبر منتج للنفط في غرب أوروبا سيعلن قريبا قراره بشأن ما إذا كان سيخفض إنتاج الخام، لكنها لم توضح الحجم الذي يمكن أن يكون عليه خفضها المحتمل.
وبلغ إنتاج النرويج من الخام 1.75 مليون برميل يوميا في فبراير/شباط، بارتفاع 26 في المئة عن نفس الفترة قبل عام. وبإضافة المكثفات وسوائل الغاز الطبيعي، يصل إنتاج السوائل النفطية إلى 2.1 مليون برميل يوميا، بما يوازي نحو اثنين في المئة من الإنتاج العالمي.
أما الولايات المتحدة، حيث يُصعّب قانون مكافحة الاحتكار لديها التنسيق مع اتحاد منتجين مثل «أوبك»، فقد قالت أن إنتاجها سينخفض تلقائيا بما يصل إلى مليوني برميل يوميا هذا العام بسبب انخفاض الأسعار.
وقال فيل فلين» المحلل لدى مجموعة «برايس فيوتشرز» للسمسرة بالعقود الآجلة «سنشهد تراجعا كبيرا في الإنتاج على أي حال من منتجين لا يمكنهم تحقيق عائدات مالية». وأضاف «من شأن الاتفاق أن يمنحنا وقاية كافية لاجتياز الأشهر القليلة المقبلة».
وقال تاكاشي تسوكيوكا، رئيس رابطة البترول اليابانية، في بيان أنه في حين يساهم اتفاق «أوبك+» في تثبيت سوق النفط العالمية «فقد فشلت الصفقة في الوصول إلى مستويات التخفيض التي تتوقعها الأسواق الأمر الذي سيبقي على ركود الأسعار». وأضاف «نأمل أن تواصل أوبك+ محادثاتها لتحقيق الاستقرار في أسواق النفط».
من ناحية أخرى، قال محللون أنه رغم أن الرقم الأساسي في الاتفاق يشير إلى خفض يقارب العشرة ملايين برميل يوميا، فإن منتجي الشرق الأوسط مثل السعودية والإمارات والكويت سيضطرون على الأرجح إلى خفض إنتاجهم بنسبة تتجاوز الخفض المتفق عليه البالغ 23 في المئة، إذ أنهم بدأوا رفع إنتاجهم في أبريل/نيسان وسط حرب أسعار وحصص سوقية بين السعودية وروسيا قبل إبرام الاتفاق.
وقال المحللون في بنك «غولدمان ساكس» الاستثماري الأمريكي أن «هذه الصفقة البالغة 9.7 مليون برميل يوميا تمثل خفضا مقداره 12.4 مليون برميل في اليوم من الإنتاج المعلن من جانب أوبك+ في أبريل/نيسان (في ضوء الزيادة في إنتاج السعودية والإمارات والكويت) لكنها تمثل خفضا بمقدار 7.2 مليون برميل يوميا من متوسط مستويات الإنتاج في الربع الأول من 2020». وقالوا أيضاً أن أسعار النفط ستواصل الهبوط في الأسابيع المقبلة لأن الاتفاق «التاريخي» غير كافٍ للتعويض عن تهاوي الطلب بسبب فيروس كورونا.
ورأوا أنه حتى في حالة التزام الاعضاء الرئيسيين في «أوبك» بالتخفيضات بالكامل، مع نسبة التزام 50 في المئة من جميع الدول الأخرى الأعضاء، فإن التخفيضات الطوعية سوف تترجم إلي خفض بمقدار 4.3 مليون برميل يوميا فقط عن مستويات الربع الأول. وتابعوا أن خفضا أكبر للإنتاج من دول «مجموعة العشرين» لن يساعد كثيرا.
وقالوا «في نهاية المطاف، هذا يعكس ببساطة أن أي تخفيضات طوعية ليست بالحجم الكافي لتعويض خسارة طلب بمقدار 19 مليون برميل يوميا في المتوسط في الفترة من أبريل/نيسان إلى مايو/أيار بسبب كورونا».

معضلة التخزين

ورفع بنك آخر في وول ستريت هو «مورغان ستانلي» توقعاته لأسعار النفط، قائلا أن اتفاق «أوبك+» لن يمنع بناء مخزونات ضخمة في الشهور المقبلة ولكنه سيقود لخفض المخزونات بداية من النصف الثاني من العام الجاري.
ورفع البنك توقعاته لسعر برنت في الربع الثالث إلى 30 دولارا من 25 دولارا للبرميل، وللخام الأمريكي إلى 27.50 دولار من 22.50 دولار، كما رفع التوقعات للربع الأخير بواقع خمسة دولارات أيضا للخامين ليصل برنت إلى 35 دولارا وخام غرب تكساس الوسيط إلى 32.50 دولار. غير أن هذه الزيادات التي توقعها لن تعود بالأسعار إلى المستويات المسجلة قبل انهيارها.
وتوقع البنك أن ينخفض الطلب في الربع الثاني بنحو 14 مليون برميل يوميا مقارنة به قبل عام.
أما محللو الطاقة لدى «إف.جي.إي» فيتوقعون نمو مخزونات النفط في الدول المتقدمة في الربع الثاني إلى مستويات لم تُسجل منذ 1982.
وسيكون التركيز الرئيسي القريب في الأسواق على مراقبة الأرقام التي ستعلنها وزارة الطاقة الأمريكية عن احتياطياتها النفطية الإستراتيجية.
وقال متعامل مخضرم في سوق النفط في سنغافورة، طلب عدم نشر اسمه بسبب سياسة الشركة التي يعمل فيها، أن زيادة المخزونات ستستمر وإن كان بوتيرة أبطأ بسبب الخفض الذي توصلت إليه «أوبك+».
وأضاف «أغلب سعات التخزين الاستراتيجي (في مختلف دول العالم) مليئة بالكامل تقريبا. ربما يكون لدى الصين مجال ما لكني أشك أن يكون لدى الآخرين قدرة كبيرة».
وقالت «ريشتاد إنرجي» الاستشارية النرويجية «إذا أضافت مجموعة العشرين عشرة ملايين برميل يوميا أخرى، فإن العالم سيتصدى بذلك كليا للخلل في الموازين اعتبارا من مايو.. ومع ذلك ستمتلئ طاقة التخزين بالكامل تقريبا في أبريل، لكن سيتحقق الاستقرار في السوق».
وسلط أنغوس تيلور، وزير الطاقة الأسترالي أمس الضوء على ندرة قدرات التخزين المتاحة وقال أن بلاده تعمل على التوصل إلى اتفاق لشراء النفط وتخزينه في المخزون الإستراتيجي الأمريكي.
ومع ذلك تظل الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، هي الطرف الذي لا يمكن حاليا تقدير كيفية استجابته لمسألة التخزين. فمن المنتظر أن تزيد مصافي التكرير فيها حجم عملياتها بنسبة عشرة في المئة هذا الشهر مقارنة بالشهر الماضي مع بدء تخلص البلاد من تداعيات وباء كورونا.
وقال مسؤول في شركة نفط حكومية في بكين مشترطا إخفاء هويته «من المستبعد أن تقدم الصين أي تعهد مؤكد خاصة أن المستهلكين في أقصى الشرق مازالوا يدفعون علاوة للإمدادات القادمة من الشرق الأوسط مقارنة بالمستهلكين الغربيين».
وأضاف في إشارة إلى إدارات الاحتياطيات التجارية في شركتي «سينوبك» و»بتروتشاينا» للتكرير الحكوميتين «بعيدا عن زيادة الاحتياطيات الحكومية التي تعتبر معلومات في غاية السرية لن ينظر مديرو الاحتياطيات التجارية بشركات النفط الوطنية إلا إلى العوامل الاقتصادية وسعة التخزين المتاحة عند البت في المشتريات».
وقال أيضاً أن مراكز الاحتياطيات التجارية في شركات الدولة الكبرى تعمل بشكل مستقل عن الاحتياطي الاستراتيجي لأنها تقوم في الغالب بدور المُوَرِّد المرن لمصافي التكرير التابعة للدولة من خلال إقراض المصافي بالخام بسعر أعلى وتحقيق ربح عندما تسترد مستحقاتها بأسعار أقل.
وقال المحلل تشوهان بشركة إنرجي آسبكتس «ربما كانت الصين تفيق (من أزمة كورونا) لكنها بحاجة إلى تصدير المنتج لموازنة (السوق) ومن ثم فإنها ستظل مقيدة في نهاية الأمر في ضوء أن الأمر يتعلق بالطلب لا بالعرض».
أما الهند، فقد قالت ثلاثة مصادر طلبت عدم نشر أسمائها بسبب سياسة الشركة التي يعملون بها إنها تعمل على تحويل 19 مليون برميل من نفط الشرق الأوسط من الشركات التابعة للدولة إلى المخزون الاستراتيجي لمساعدة مصافي التكرير على التخلص من الفائض النفطي لامتلاء وحدات التخزين لديها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية