لم تكن الأزمنة الحديثة مصدر إلهام للبشرية فقط؛ فبقدر ما كانت مصـــدر إزعاج لضميرها الحيّ بقـــدر ما كانت تتساقط هــــنا أو هناك مفاهـــيم أخلاقية عن السعادة، أو لعلها مفاهيـــم هاربة من السعادة نفسها، على الأقـــل منذ زمـــن ما بعــــد الحرب العالمية الثانـــية، واليوم أصبحت السعادة ثائرة على طالبيها، شبه مستحيلة في عالم تأتي فيه الفيروسات القاتلة من كل حدب وصوب، بلا جواز سفر، أو جنسيات، أو إعلان مسبق.
السعادة تساوي كمامة وعقارا ممكنا لعلاج هذه الفيروسات، كما هو الحال مع كوفيد-19 اليوم، ملايين بل مليارات تصرف من أجل دواء ممكن لإعادة سعادة الإنسان على مسير الأزمنة الحديثة، التي وعد بها الذكاء الاصطناعي اقتصاد التكنولوجيا.. إنها كارثة كبرى لأزمنة وصفت بأنها حديثة؛ فبعد تفكيك الأوطان وتدمير الطبيعة (البيئة) جاء دور تفكيك الإنسان، وهذه الأخيرة من الأولى.
أقول إنه تفكيك وليس موتا، كما أعلنت عنه فلسفات ما بعد الحداثة، خاصة منذ بداية البنيوية الفرنسية مع كلود ليفي ستورس.
من أجل فهم دقيق لما سبق لنعد قليلا إلى الوراء، قبل خمسة قرون تقريباً؛ فمنذ أن تفنن الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت في قوله الشائع «العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس» ونحن نعتقد جازمين بأن لنا إمكانية النجاة بعقولنا وحساباتها الرياضية فقط، لم نسأل أنفسنا هل يمكنُ التفكير خارج مربع العقل الأداتي الحديدي، كما فهمه بعض الدارسين من التصور الديكارتي، وهل يمكنُ الكفُّ عن النظر إلى الطبيعة بلغة المربعات والمثلثات؟ لقد كان كافياً في أزمنة سيطرة الكنيسة على عقول الناس، أن نشهر سلاح العقل في وجه كل محاولة يمكنُ أن تسلبه شرعيته التاريخية والإنسانية، منذ الفيلسوف اليوناني أرسطو على الأقل، الذي تعلمنا منه وممن كان في دائرته الفلسفية، أن الإنسان كائن ناطق، أي عاقل.
لكن ديكارت لم يقف عند هذا القول، بل زاد عليه قولا آخر، فتح الباب أمام تأويلات تستنزف خيرات الطبيعة، حين أكد بنبرة فيها من التسلط على الطبيعة ما يكفي، حيث قال «علينا أن نكون سادة على الطبيعة ومالكين لها». هذه هي مشكلتنا مع ديكارت؛ فنحن نريدُ أن نكون سادة على الطبيعة، وفي الآن نفسه نريد أن نكون ذلك الإنسان العاقل المفكر، الحر، الواعي، الشاك، الناقد. فكيف تلتقي السيادة مع العقلانية، أو التسلط مع الحرية؟
عندما يريد ديكارت أن يكون سيداً على الطبيعة، فهي عبودية جديدة، ربما تكشف لنا عن لاوعي الإنسان في بداية الأزمنة الحديثة، يمكنُ أن نصفه بلاوعي التسيّد، أو لاوعي الاستعباد، وكلاهما صالح اليوم لفهم ما يجري في العالم من انتشار واسع لفيروس كورونا، حتى أصبح جائحة عالمية تحرث «العقلانية المتصلبة» التي تشدق بها الإنسان منذ قرون، رُغم أنّه نُبِّه في العديد من المرات إلى المصير الذي سيلقاه على يد الطبيعة، ومنذ عشرات السنين لأن الفيروسات لها علاقة تاريخية مع الإنسان المدمر العنيف الجشع، فقد حصدت الملايين من الأرواح ومازالت مستمرة في دفاعاتها المتخفية، إنها تضربُ من دون أن نستشعر ساعة الصفر عندها، توقيتها خارج كل توقيت، واستراتيجتها في الهجوم على الإنسان لا يمكنُ التنبؤ بعدد ضحاياها أو المدة التي سينتهي فيها هذا الهجوم.
أما أصحاب الضمائر الاقتصادية، فلا حاجة إلى الإشارة إليها هنا، لأن ضمائرها لا تعيش إلاّ على منطق الربح والخسارة، ولا تصحو إلاّ لماماً، أو عندما تغرق البشرية في جائحة عالمية، كما يحدث اليوم مع جائحة عالمية مثل كوفيد-19، فأمريكا وحدها أَحصت 160 ألف إصابة إلى حدود مساء 30 مارس/آذار 2020؛ حيث تهرع تلك الضمائر الاقتصادية إلى إطفاء نــيران الجائحة وتغولها، على البشرية بضخ المليارات حتى تصبح مبالغ تفوق الخيال، وقد كان من الممكن تجنب هذا الوباء بترشيد الاقتصاد، والتوقف عن التجارب الخطرة التي تهدد حياة البشرية بحجة الدفاع عن النفس.
الجائحة الخفاشية أو الوطواطية (نسبة إلى الوطواط أو الخفاش المتهم في كونه مصدر الفيروس) هي أكبر منافس اليوم لتغول الروح البشرية النهمة، ولهؤلاء الآلاف الذين كانوا يعيشون حياة فوق البشرية، ولا يبالون بناقوس الخطر الذي يهدد البيئة أو الطبيعة التي منها أصلنا، وإليها مصيرنا، متمسكون بفرص الأزمنة الحديثة وتقنياتها المتقدمة، لكنهم غير مبالين متى الموعد… متى الموت الذي يُدق فيه الناقوس الأخير. فيروس كورونا أو كوفيد- 19 حوّل الإنسان بكل أسلحته النووية وتقنياته المتطورة إلى فتات كائن يسمى بلاغة: إنسانا متحضرا.
٭ أكاديمي مغربي