لا يشعر قارئ رواية «ديوان الإسبرطي» للجزائري عبدالوهاب عيساوي، أنه يقرأ رواية تاريخية، مع أنها اتخذت من التاريخ فضاءً لها؛ للطريقة التي تناول فيها عيساوي الحدث، وأخرجه من ملل التاريخ وجفافه، إلى متعة الرواية وشعرية اللغة وحيوية الشخوص، وسينمائية المشاهد والأحداث. فاستوت الرواية على سوقها ناضجة مكتملة عميقة، مُمتلئة ومَليئة وُمملِئة؛ بما ترسله من رسائل، وتثيره من أسئلة، وتنبشه من قضايا ما زال بعضها حيًا حتى اللحظة.
رواية «ديوان الإسبرطي»، دار ميم، 2018، 386 صفحة، الفائزة بجائزة الرواية العربية- البوكر، ليست رواية شخوص، فهي لم تهتم بمصائرهم، وما جرى لهم، وليست رواية أحداث تاريخية، فالتاريخ سلسلة من الأحداث المتتابعة المتدافعة، التي لا تنتهي، وإنما هي رواية رؤية وتبصرة وتفكر، رواية وطن لا يتوقف عند شخص، ولا يزعزعه حدث، رواية هوية تاهت وما زالت تائهة، وإن كانت الرواية اتخذت من الجزائر فضاءً مكانيًا لها، فكل بلداننا العربية جزر وجزائر؛ كانت الجزائر البداية، ولم تسلم غيرها من المصير ذاته، وما زالت تعاني من الويلات وآثار ما حدث، فما حدث طفرة جينية، لن تزول إلا بطفرة جينية أقوى!
عبر خمسة أصوات (شخوص) وخمسة أقسام (جولات) تناولت الرواية نهايات الوجود العثماني في الجزائر، وبدايات الاستعمار الفرنسي، وبالذات في الفترة بين عامي 1816 و1833، وقد اختار عيساوي خمس شخصيات مختلفة، لينير ما حدث من جميع الجوانب، لئلا يكون القارئ أسير رؤية أحادية، وهذا يُسجل للكاتب الذي وظف تقنية تعدد الأصوات على رواية تتناول أحداثًا تاريخية، وفي هذا تأكيد على ضرورة قراءة التاريخ من مصادر مختلفة، وعدم الاقتصار على وجهة نظر واحدة، ومع كل ذلك تبقى هناك زوايا مظلمة، وقد تبقى مظلمة إلى الأبد.
وظفت الرواية ثلاث شخصيات جزائرية، ابن ميّار وحمّة السّلّاوي ودُوجة، وشخصيتين فرنسيتين هما ديبون وكافيار. وكل شخصية تمثل شريحة أو طبقة أو توجها أو فكرا؛ فابن ميّار شيخ كبير من المور أي من الحضر، ومن الأثرياء، ومقرب من الباشا العثماني، ولا يجد بأسًا في الحكم العثماني للجزائر، وعندما يحتل الفرنسيون الجزائر، لا يجد غضاضة أن يكون عضوًا في مجلس المدينة تحت سلطتهم، ويعتمد على الشكوى والعرائض والاحتجاج، فيطرد من المجلس، وعندما يرفع شكواه إلى باريس، تحضر لجنة لتقييم الأوضاع، وتستمع لابن ميّار، فيخرج من عندها مخذولًا يائسًا؛ إذ تبين له ـ بعد فوات الأوان- أن نهجه السلمي والاسترضائي لم يثمر، بل جعله سخرية، وأجهزوا عليه بالنفي، فخرج من المدينة خائبًا، ولم يودعه إلا صديقه الفرنسي ديبون.
الرواية، تنبش الماضي، وتقصد الحاضر، وتحذّر من المستقبل، وتوجه دعوة للقارئ، أن إقرأ ومحص تاريخك، لتفهم حاضرك، وما ينتظرك في مستقبلك، وتقول نعم إن التاريخ لا يعيد نفسه، لكننا نعيد حماقات من سبقنا.
حمّة السّلّاوي، كان شابًا متمردًا ثائرًا، عارض الأتراك، وعارض الفرنسيين وحاربهم، وحارب رموز الفساد مثل المزوار مسؤول المبغى، وقتله، واختلف مع صديقه ابن ميّار. السّلّاوي يمثل ضمير الشعب الجزائري وآماله، على الرغم من تجنب الآخرين له، وعدم تجاوبهم لما يقوله، ونعته بالجنون. كان السّلّاوي يعيش حياته كما يريد، حسب قناعاته وما يؤمن به، كان يعارض الأتراك، ويستخدم عرائس الدمى لفضحهم، ولكن لم يتردد في أن يحشد الناس للتصدي للجيش الفرنسي ومحاربته تحت قيادة الأتراك، ولم يجد بأسًا في التقرب من بغي وحمايتها وإيوائها، ومن ثم وعده بالزواج منها. وفي التحاقه بالمقاومة تحت لواء الأمير، تتجدد الآمال، وعدم موت الأمة وركونها إلى الهوان.
دُوجة، فتاة قروية، تمثل الشرائح الفقيرة المهمشة، فقدت أمها وأخاها وأباها على التوالي، ماتت أمها مريضة، وكذلك أخوها الطفل، ومات أبوها قهرًا بعد تعرضه للصفع من الفرنسي كافيار. لجأت إلى المحروسة، وعملت في بعض البيوت، قبل أن تلتحق بفرقة لالة مريم للأفراح، وعندما انتهت مهمتها، أسلمتها للمزوار ليضمها للمبغى، وبعد فترة أنقذها السّلّاوي وأودعها العجوز اليهودية لالة زهرة، ومن ثم بيت صديقه ابن ميّار وزوجته لالة سعدية، ومن ثم عادت إلى لالة زهرة انتظارًا لعودة السّلّاوي كما وعدها. كانت دُوجة جميلة، مطمعًا لكل الرجال، ولكنها رضيت بالسّلّاوي رفيقًا رغم غرابته وغيابه المتكرر وجرأته وتهوره.
ديبون، صحافي فرنسي، رافق الحملة الفرنسية لاحتلال الجزائر، وكان يظن أن هدف الحملة إنقاذ الجزائريين من الظلمة والظلام، وتنويرهم، وحمل رسالة الرب إليهم، وهناك صُدم بما رأى وشاهد. وعاد إلى الجزائر مرة أخرى ليتحقق من تجارة عظام الموتى واستخدامها في تبييض السكر الفرنسي. اعترض، احتج، كتب، بدون جدوى. كان ديبون نموذج الإنسانية والعدالة التي هُزمت أمام الشجع والحقد والانتقام وحب التملك والسيطرة. كان يمثل ظاهر الحملة وهدفها المعلن. تعرف إلى توماس الذي يبشر بدعوة جديدة إلى الإنسانية والإخاء؛ لتكتمل حلقة الأحلام والأوهام، التي تتكسر على صخرة الواقع الذي يمد لسانه ساخرًا. ديبون يمثل صوت الفئة الرافضة لجرائم الفرنسيين في الجزائر، ولكنه يبقى مجرد صوت لا أثر له على الأرض مهما ارتفع وعلا، فالكلمة العليا للقوة والتسلط التي يمثلها كافيار.
كافيار، جامع الشرور، ونافث الأحقاد، وحامل سيف الانتقام، والحقيقة البشعة للحملة الفرنسية، أحد جنود نابليون الذين هزموا في واترلو على يد الإنكليز، عمل صيادًا قبل أن يأسره القراصنة ويأخذوه عبدًا إلى المحروسة، وهناك سجن وشُغّل في الميناء والمقالع، وهرست قدمه من حجر سقط عليه. امتلأ قلبه بالحقد والبغض والكره للأتراك والجزائريين، وأقسم أن ينتقم، وأن يثأر لكل لحظة عاشها ذليلًا مهانًا، وأن يحقق حلم قائده نابليون باحتلال الجزائر. اعتمد على سجلات وخرائط سلفه «بوتان» جاسوس نابليون، الذي رصد فيها كل صغيرة وكبيرة في الجزائر، فأكمل عليها، وسجّل كل شيء عن القبائل والكتائب والقلاع والأسلحة، والأشجار والأعشاب ومنافعها، والمساجد والأحياء والمسافات، والخيول وكل ما يخطر ولا يخطر على البال، تمهيدًا لحلمه باحتلال الجزائر، ونجح في إقناع القيادة الفرنسية بذلك، فكان القائد الفعلي للحملة والموجه لكل حركاتها، وتحديد أماكنها، ونجحت خطته، وأصبح نافذ الكلمة في الجزائر، ينفذ ما عزم عليه من انتقام، فبطش ونكّل ونفى وأبعد، ولم يلتفت إلى أي اعتراض أو احتجاج، ولم يسلم منه رفيق دربه في السفينة ديبون، فطرده من مكتبه، ومنع دخوله ثانية.
أجاد عيساوي هندسة الرواية وبناءها بحرفية ومهارة، وأحكم سيطرته على أحداثها وشخوصها وأزمنتها وأمكنتها، وكان عادلًا في منح فرص متكافئة لجميع الشخوص، لتوضيح وجهة نظرهم، حتى إن اضطروا لتكرار بعض الأحداث، فقد يتكرر الحدث، لكن تختلف زاوية النظر، وهذا ما قصده الكاتب ابتداءً. ووظف اليوميات والمذكرات في نسيج روائي متين بديع. وتميزت لغة الرواية بالشاعرية في كثير من المواطن، والجمال والروعة في جميع أقسامها، ولم يستخدم غير الفصحى، حتى في حوار الشخوص، مع اختـــــلاف المستوى المعــــرفي والإدراكي بالطبع، وهذه ميزة تُسجل أيضًا للكاتب، أن طوع الفصحى، ولم يلجأ للعاميات كما يلجأ كثير من الروائيين بمبررات غير مقنعة، تخرج أعمالهم من حيز الإبداع، إلى فوضى الكتابة. وتميزت جمل الرواية بالســــبك المحكم، والرصانة، ويصلح كثير منها للاقتباس، كجمل مستقلة ذات دلالات وأفكار ورؤى، ولا تخلو من الحكمة.
حفلت الرواية بوجبة معرفية وتاريخية دسمة، تستفز القارئ للرجوع إلى المصادر للتوسع، خاصة أنها تناولت أسماء حقيقية، يمكن الرجوع إليها بسهولة، مثل الباشا حسين، والآغا إبراهيم والآغا يحيى والباي أحمد والقنصل دوفال وقائد الحملة بورمون والأميرال دوبيري والحكام الآخرين كلوزيل وروفيغو وفوارول. أما الشخصيات الأخرى، فإن لم توجد على الأرض بذواتها، فبعضها تمثل نماذج حقيقية يسهل تتبعها، والشخصيات الآخرى لضرورات فنية، ولكنها شخصيات لها وجودها بشكل أو بآخر.
نجحت رواية «ديوان الإسبرطي» في إثارة عاصفة من الأسئلة، ونبش كثير من القضايا، ومنها: قضية التجارة بعظام الموتى لتبييض السكر، القرصنة في المتوسط، الحكم العثماني للجزائر ما له وما عليه، الاستعمار الفرنسي، دور اليهود في الجزائر ودورهم في الحملة الفرنسية، دور الاستشراق في الحملة الفرنسية، العلاقة بين الجزائر وفرنسا قبل الاحتلال، المقاومة والجهاد ضد فرنسا، مواقف المثقفين الفرنسيين من الاحتلال، وغيرها، وكل واحدة من هذه القضايا تصلح فضاء واسعًا وثريًا لرواية منفصلة، حتى إن كتب فيها من قبل.
الرواية، تنبش الماضي، وتقصد الحاضر، وتحذّر من المستقبل، وتوجه دعوة للقارئ، أن إقرأ ومحص تاريخك، لتفهم حاضرك، وما ينتظرك في مستقبلك، وتقول نعم إن التاريخ لا يعيد نفسه، لكننا نعيد حماقات من سبقنا. وأن ظلم الغريب بشع، وأبشع منه ظلم ذوي القربى، وبطش الآخر متوقع، ولكن جبروت الذين من بيننا لا يحتمل ولا يبرر ولا يغفر. وأن الظالم غريب ومرفوض ومدان مهما كان جنسه أو دينه أو وطنه أو عرقه.
وبعد، فالحديث عن الرواية يطول، وحق لها، فهي الأميز والأفضل، والأكثر إبداعًا وإمتاعًا من روايات القائمة القصيرة للبوكر 2020 وأجدرها بالفوز بالجائزة، ولا غرابة، فكل رواية من روايات عيساوي الأربع السابقة فازت بجائزة، دلالة طول باعه، ونبوغ إبداعه، وتمكنه من فنه.
٭ كاتب أردني