نهاجر ربما لنحيا من جديد. أذكر ذلك اليوم جيداً.
استيقظت صباحاً لأجمع أمتعتي ونبضاتي، التي تبعثرت في مدينة حضنتني منذ الطفولة، رغم دخانها المتصاعد ليل نهار.
حملت حقيبتي المثقلة بدموع أمي. وكدت أقع عدة مرات، ولكني تحايلت على ريح الحنين وراقصتها من بعيد، آملة أن لا تصفعني بشدة فأسقط مرة واحدة على الأرض.
مشيت ببطء تحت مطر مشبع بالدفء وكانت أحلامي تتساقط أمامي. لم يبق منها شيء.
أفرغت ذاكرتي يومها. وأنا كالبهلوان أنظر من شباك قاعة الانتظار إلى طائرة تتحرك أمامي أجهد نفسي في الحفاظ على توازني وكأني أمشي على الحبل. ولكني لم أدهش أحداً من كل الركاب المنتظرين ولم يدهشني أحد.
كنت لا شيء. مجرد كائن مفرغ لا يعرف ما الذي ينتظره في الناحية الأخرى من العالم. ولكن مهما كانت الحياة في مدينة الضباب صعبة تظل أرحم من العيش في مدينة تمثل ساحة حرب ساخنة قد تندلع في أي وقت.
وصلت مثلي مثل الكثير من المهاجرين واللاجئين إلى البلد المنشود.
عشنا سنوات في حجر بارد قاسٍ يقرصنا يومياً بعيداً عن أهلنا وأصدقاء الطفولة وقصص حب قديمة ما زلت تنبض في الخفاء بين الأزقة الضيقة.
هكذا أصبح الحنين للماضي خبزنا اليومي وزادنا، الذي نقتات منه ما يعيننا على البقاء. وإن تناستنا الذكريات نخترعها، ونعيد إنتاجها دائماً من جديد.
عشت سنوات وقلبي لا يخفق إلا بأمر من شواطئ بيروت، وشوارعها، وأزقتها، وحاراتها. عشت مهاجرة دائمة مثلي مثل كثير من مواطنيّ، ولكني أحس قلبي منذ الوقت البعيد مفرغاً، تدق نبضاته في صرخة الروشة، حيث تنفر المياه. عشت هشة فلا طريق هنا تحفظ خطواتي، مثل التي أشبعتها ركضاً في طفولتي. تركت الإيمان خلفي ظلالاً ترافق ترانيم متصاعدة من قداديس الآحاد القديمة.
يا بيروت كفي الآن لك مبخرة أَحْرقيها، كما تشائين كي تلتفك رائحتي.
ليتني حزنك. وأنت الوفية الأمينة على أحزانك.
إنها الهجرة. حجر دائم لا ينتهي. ونزف مستمر لأوطاننا الطاردة للأرواح.
ليست بـ”رفاهية” الكورونا، التي تقعدنا بضعة أسابيع أو أشهرا في البيوت ونحن نتأفأف من الضجر.
هؤلاء المهاجرون ليسوا أبناء بلد واحد. وإنما هي اللعنة نفسها تطارد أغلب الدول العربية. لكن أولي أمرنا لا يفقهون كما يبدو!
قصتنا الأولى اليوم تداولتها معظم الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي.
قصة لاجئ سوري عاش في حجر دائم بعيداً عن رائحة أمه وأرغفتها البيضاء الشهية وعن إضاءة وجهها وأصوات إخوانه، وطاولة خشبية عتيقة لطالما لعب الورق عليها مع أترابه.
هرب من براميل بشار المتفجرة رعباً وموتاً، حيثما يدير ناظريه، ومن الحجر السجيل المتناثر كيفما اتفق ليل نهار فوق رؤوس الناس. لم يعد أمامه أي خيار آخر سوى أن يغامر بنفسه، مثل المئات مثله من السوريين، في البحار في مركب قد يغرق في أية لحظة ونجا بمعجزة من المافيات المترصدة له، كما لكل اللاجئين، في عدة بلدان أوروبية ليصل لندن وحيداً.
هنا درس وعمل بجهد إلى أن سقط فوق رأسه حجر آخر بفعل فيروس كورونا.
لكنه قرر أن يكسر قيده ويكون جندياً في الصفوف الأمامية يواجه المرض ويساعد نظام الصحة البريطاني في مواجهته.
بدأ يخرج كل يوم ويذهب إلى المستشفيات لينظفها، يمسح أرضها آملاً أن يكون هناك يوماً من يمسح دمع أمه التي تزايدت تجاعيد وجهها بفعل الشوق.
ومن لندن إلى نيويورك قصة لاجئ فلسطيني هرب من واقع مر فرضه جيش الاحتلال الإسرائيلي بعدما اغتصب بلاده، وشرد أهلها، وقتل النساء والأطفال.
سافر إلى المدينة الأمريكية ليؤسس بعد سنوات مطبخاً يضم عمالاً من اللاجئين. وحين بدأت أزمة الكورونا قرر أن يعمل بشكل متواصل ولساعات طويلة مع فريقه ليؤمن يومياً ألف وجبة طعام يقدمها للطواقم الطبية، التي تعمل على إنقاذ حياة المرضى من الفيروس اللعين.
كثيرون منا طردتهم بلدانهم، وأنكرتهم حقهم في الحياة الكريمة، فهاجروا من قلب الظلمة الحالكة ليضيئوا شموعهم في بلدان أخرى.
ولكن الغصة تبقى في سؤال عبثي واحد:
متى نعود لنشعل قناديل بلادنا؟
كاتبة لبنانيّة