شعراء التروبادور أدخلوا موضوعات الحب الدنيوي: صقلية بملامح أندلسية

عبدالواحد لؤلؤة
حجم الخط
2

الملامح الأندلسيّة، بمِهادِها العربي المشرقي، هي التي انتقلت إلى جزيرة صقلية في الجنوب الإيطالي، في بواكير القرن الثالث عشر. كان ذلك من نتائج “الحملة الألبيجية” التي قادها من باريس عام 1209 البابا إنوسنت الثالث، ولقبه “البريء” للقضاء على حضارة بروفونس في الجنوب الفرنسي “الوثني”. تثبت التواريخ اللاحقة أن بابا باريس لم يكن بريئاً تماماً، لأنه كان يطمع بثروات إقليم بروفونس في الجنوب الفرنسي المزدهر. وكان من بعض نتائج تلك الحملة هجرة الكثير من شعراء بروفونس، التروبادور الجوّالين بين القلاع وقصور النبلاء، ينشدون أشعارهم وأغانيهم، بمصاحبة العود الذي حَمَلَه إلى الأندلس المغنّي والموسيقي العراقي علي بن نافع: زرياب. ولأن أغاني التروبادور لم تكن تتغنّى بحب العذراء: وردة العالم، بل تتغنّى بحب امرأة دنيوية المنزع والمشارب، مما يألفه الإنسان الأوروبي في حياته اليومية، صارت أغاني الحب هذه “وثنيّة” في المفهوم الأوروبي القروسطي الذي تسلّطت عليه كنيسة الكاثوليك الروميّة على امتداد العصور الوسطى في أوروبا. راح التروبادور المهاجرون يبحثون عن ملاذات آمنة، برعاية ملوك وأمراء يحبّون الشِعر والغناء. ذهب بعضهم إلى الشمال الغربي من فرنسا، إقليم بريتاني، وتطوّر شِعرهم هناك باسم شعراء التروفير، لينتقلَ لاحقاً إلى بريطانيا برعاية إليانور الأكيتانية عام 1154وهي حفيدة التروبادور الأول كَيّوم التاسع. كما تفرّق شعراء آخرون إلى الشمال الشرقي، إلى جرمانيا والنمسا، حيث تطوّر شِعرهم هناك فصار يُدعى “مينيسنكَر”. وهكذا انتشرت فنون شِعر الحب والغزل التي تطوّرت في شِعر الأندلس الوليد باسم الموَشّح والزجل، وكلاهما ينظم للغناء.

لكن أغلب الشُعراء التروبادور هاجروا إلى جزيرة صقلية الإيطالية، حيث كان فريدريك الثاني (1194-1250) قد اتّخذ لنفسه لقب “الإمبراطور الرومي المقدّس” وبذلك وضع نفسه فوق منزلة بابا روما. كان هذا الملك الصقلّي شاعراً، يقيم “البلاط الكبير” بحاشية تضمّ حوالي ثلاثين شاعراً، ينظمون قصائدهم باللغة الأوكسيتانية، تقليداً لشُعراء بروفونس في الجنوب الفرنسي. لكن تلك اللغة بدأت بالتطوّر إذ كان الإمبراطور يتنقّل ببلاطه بين صقلية ومدن الجنوب الإيطالي بين حين وآخر، فدخل إلى لغة شُعَراء بلاطه الأوكسيتانية بعض المفردات الإيطالية بجذورها اللاتينية. كان من أبرز شعراء إيطاليا التروبادور من تلك الفترة سورديلّو من أهالي مانتوا، الذي كان على علاقاتٍ حميمة مع شعراء بروفونس الذين بدأوا يتدفّقون على صقلية وملاذات الجنوب الإيطالي. ازدهر شعر سورديلّو في حدود عام 1237 وخاصّة قصائده السياسية التي كانت تهاجم أغلب الملوك والأمراء في أوروبا الغربية، مما استرعى اهتمام دانتي آليكَييري (1265-1321) الذي كان مشغولاً وقتها بالخصومات السياسية في إيطاليا. تتميّز قصائد الحب عند سورديلّو بالنبرة العالية والقوافي المنضبطة التي تشبه الكثير من قصائد الغزل العربي في أمثلة الموشّح والزجل، التي تماهت معها أغاني التروبادور الأوائل. من أمثلة ذلك قصيدته رقم 2 التي تتكوّن من خمسة مقاطع ثٌمانية الأبيات، تلتزم قافية دقيقة النظام: أ-ب-ب-أ ج-ج-د-د، يتبعها أربعة أبيات تكرّر تقفية النصف الثاني من المقطع الأساس: ج-ج-د-د مع مقطع ختامي من بيتين إثنين.

والسؤال الذي لا يُمكن تجاوزه هنا هو: من أين جاء هذا النظام الدقيق في التقفية إن لم يكُن من الشعراء التروبادور من إقليم بروفونس في الجنوب الفرنسي المتاخم لبلاد الأندلس وشُعرائها؟

هذا جزء من قصيدة سورديلّو رقم 2 يبيّن النبرة في مفهوم الحب غير المسبوقة في التراث الأوروبي منذ الإغريق والرومان امتداداً إلى القرون الوسطى، لا يُمكن تفسيره إلاّ بالرجوع إلى تراث الشِعر الأندلسي، مشرقي الجذور، وإلى مفهوم الحب كما يعرضه ابن حزم الأندلسي في كتابه “طَوق الحمامة في الأُلفةِ والأُلاّف”1028: على قَدرِ ما يحيا المرء في فَرَحٍ فهو يحيا/وأن يعيش دون ذلك، فما تلك حياة/ من أجل هذا أجتهدُ أن أعيشَ وأقيمَ/ في فرحٍ من أجل أن أخدم بحماسة أكبر/ تلك التي أهواها؛ فمن يعيش في حُزنٍ/ لا قَلبَ لديه لبديع الأعمال أو جميلها؛/لذا تكون رَحمةً لو أن الأكثر فضلاً/تجعلني أعيشُ فَرِحاً، لأن غير ذلك لا أحسبه حياة.

نظام القوافي هنا، كما سبق القول هو: أ-ب-ب-أ ، ج-ج-د-د. ثانيةً نسأل : من أين جاء هذا النظام؟

في شِعر سورديلّو مَسرَبٌ تطوّر إلى شِعر حبّ “بالأسلوب العذب الجديد” الذي تلقّفه شعراء صقلية وأورثوه إلى دانتي وبوكاجيو وبتراركا ومن تبعهم، فأرسوا دعائمَ شعر الحب الجديد، الذي تطوّر عن شِعر التروبادور، بعد أن كان شعراء صقلية يكتبون باللغة الأوكسيتانية قبل أن تتطوّر عامية اللاتينية لتصبح اللغة الإيطالية ويكتب دانتي بها “الكوميديا الإلهية” أهم قصيدة في أوروبا القروسطية.

وكلمة “كوميديا” في الإيطالية القديمة كانت تعني “قصة ذات مغزى خطير بلغة شعبية عامية”. وقبل الكوميديا كتب دانتي خمسة وعشرين قصيدة حب بعنوان “الحياة الجديدة” باللغة العامية الجديدة نفسها: اللاتينية العامية: الإيطالية. وإلى جانب موضوعات الحب الدنيوي والموقف من المرأة وموقع المحب من المحبوبة، مما أوجده الشعراء التروبادور للمرّة الأولى في تاريخ الحضارة الأوروبية، وتطوّر على أيدي شعراء صقلية والجنوب الإيطالي في القرن الثالث عشر، نجد تشابهاً عجيباً بين تطوّر اللغة العربية في الأندلس، كما تمثّلها الموشّحات والأزجال بصورة أكبر، وبين تطوّر لغة بروفونس الأوكسيتانية على أيدي الشعراء التروبادور، وأولهم كَيّوم التاسع (1071-1127) الذي لم يستعمل لهجة “بواتييه” مما قد يدعى “فصيحة الأوكسيتانية” بل استعمل لهجات أخرى من عاميّات الأوكسيتانية، وتبعه بذلك اللاحقون إلى مشارف القرن الرابع عشر. وقد جرّ تطوّر عربية الأندلس في الموشّحات والأزجال إلى استعمال لغات أجنبية أو لهجات، خصوصاً في خرجة الموشّح مما كان يدعى بلغة الرومانث أو “لَطينية الأندلس”. مثل هذا ظهر في شعر التروبادور اللاحق وفي موشّحات التروبادور في صقلية وفي جزيرة سردينيا المجاورة، التي كان يحكمها آنزيو إبن فريدريك الثاني ملك صقلية والإمبراطور الرومي المقدّس.

يخبرنا دانتي أن الشعر الإيطالي بدأ في صقلية، وذلك في أشعار سورديلّو الإيطالي المولد، الأوكسيتاني الثقافة، وفي شعر آرنو دانيال الذي استحوذ على إعجاب دانتي فدعاه باسم “الصانع الأمهر” مما أغراه بنظم مقاطع في الكوميديا بلغة دانيال الأوكسيتانية، حيّرت الباحثين زمناً قبل الاهتداء إلى أنها بلغة غير لغة الكوميديا الإيطالية. ومن شعراء المدرسة الصقلّية لدينا جياكومو دا لينتيني زعيم شعراء صقلية الذين أنتجوا حوالي 300 قصيدة من “الشعر البلاطي” الدنيوي.

ويجب أن لا ننسى ذلك التشابه العجيب بين شخصيّة التروبادور الأول وشخصيّة فريدريك الثاني. فالأول كان على خلافٍ دائم مع البابا، الذي أرسل إليه اثنين من الكرادلة، فألقاهما في السجن؛ ونجد الثاني يتحدّى البابا ويتّخذ لنفسه لقب الإمبراطور الرومي المقدّس. وفي الحالين هذه إشارة إلى تفضيل الشعر البلاطي الدنيوي على الشعر الذي تريده الكنيسة.

وفي الموقف نحو الحب والمرأة، نجد في شِعر الإمبراطور الرومي، كما في شِعر التروبادور الأول، موقفاً يُشبه ما نجده في شِعر الغزل التراثي الأندلسي، وريث المثال العربي. فنجد التروبادور جفري روديل يتغزّل بامرأة لم يَرَها قط، هي “كونتيسّة طرابلس” كما نجد ملك صقلية كذلك يتغزّل بامرأةٍ لم يَرَها قط، هي “زهرة سوريا”:

“ايّتها الأغنية البهيجة / إذهبي إلى زهرة سوريا / إلى تلك التي أطبقت السجن على قلبي…” وهي قصيدة طويلة متقنة التقفية. و”زهرة سوريا” بعيدة عن إمبراطور صقلية مثل بُعد “كونتيسّة طرابلس” عن بروفونس روديل أو ماركبرو. ألا يذكِّرنا هذا بما نظم العباس بن الأحنف على لسان الخليفة هارون الرشيد:

ملَكَ الثلاثُ الآنسات عِناني    وحَلَلن من قلبي بكلِّ مكان

مالي تُطاوعني البريّةُ كُلُّها   وأطيعُهُنّ وهُنّ في عصياني

ما ذاكَ إلاّ أن سُلطانَ الهوى   وبهِ قَوينَ أعزّ من سُلطاني

إمبراطور رومي مُقَدَّس، وقبله دوق آكيتانيا التي كانت أقوى وأغنى من مملكة فرنسا نفسها، وخليفة عباسي إمبراطور عالم إسلامي كانت تخشاه أوروبا القروسطية، جميعهم أذِلاّء أمام المرأة التي يُحبّون، ويُقدِّسون الحب الدنيوي. كيف تسلّل هذا إلى عالمٍ قروسطي مسيحي؟

من أبرز شُعراء المدرسة الصقلّية جياكومو دا لينتيني الذي يُعزى إليه “اختراع” الغنائيّة، قصيدة الحب ذات الأربعة عشَرَ بيتاً، متقنة الوزن والقافية، تصوِّر مشاعر الحب والموقف من المرأة، مما نجده في كتاب إبن حزم الأندلسي بعنوان “طوق الحمامة” هو ما نقله دا لينتيني وعنه نقل بتراركا وبوكاجيو وقبلهما دانتي الذي تعلّم شعر الحب والموقف من المرأة بتوسّط شعراء صقلية أتباع التروبادور، الذين تعلّموا شعر الحب الدنيوي من شعراء الأندلس، في الموشّح والزجل، بالمِهاد العربي المشرقي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية