يتردد السؤال حول موعد رفع قيود التباعد الاجتماعي في العديد من البلدان، فالناس حول العالم، الذين بدأت العزلة تنعكس عليهم بشكل سلبي، اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً، يتوقون للعودة لحياتهم الاعتيادية. إلا أن تعريف الحياة الاعتيادية، يبدو أكثر تعقيداً مما يظن كثيرون، وربما لن تعود الأمور لطبيعتها، بشكل أوتوماتيكي بمجرد تخفيف إجراءات الإغلاق والحظر والحجر. روبرت هابيك، رئيس حزب الخضر الألماني، الحائز درجة الدكتوراه في الفلسفة، نشر مقالاً يتساءل فيه عن أي اعتيادية نريد العودة؟ ما التفاصيل والممارسات التي كانت موجودة في حياتنا ويمكن اعتبارها وضعاً طبيعياً؟
ما يجب أن نعود إليه، بالنسبة لهابيك، هو مجتمع أكثر عدالة وتطوراً، وأكثر استدامة وعقلانية في استغلال الموارد الطبيعية. لا يمكن في المجتمع الاعتيادي المنشود أن ينال العاملون في القطاع الصحي مثلاً أجوراً متدنية، أو أن تكون التقنيات الرقمية متخلفة وعاجزة عن سد الاحتياجات الإدارية والإنتاجية، كما يجب الوصول إلى مجتمعات «محايدة مناخياً». باختصار سؤال العودة للحياة الاعتيادية يتطلب إعادة التفكير بالجانب الاجتماعي والإنتاجي والسياسي.
الركود الاقتصادي الكبير، وانقطاع كثير من النشاطات الاجتماعية، فضلاً عن عرقلة ممارسات سياسية شديدة الأهمية مثل الانتخابات، أجبر العالم على أخذ إجازة اضطرارية. ترميم الخسائر المترتبة عن هذا، يحتاج إلى رسم سياسات جديدة، ووضع «خطط إنقاذ»، وعلى المستوى الاجتماعي والفردي، سيُنظر إلى أغلبية العلاقات الاجتماعية القائمة بمنظور جديد. لا شيء على الأغلب سيكون طبيعياً في العودة المنتظرة للحياة الاعتيادية، بل سيتم إنشاء بناءات اجتماعية وسياسية محدثة، بدون أن يعني هذا بالضرورة التغيير بمعناه الثوري. ما يشغل السياسيين والمفكرين والاقتصاديين في أيامنا هو كيفية صياغة هذه البناءات، أو بعبارة أخرى، إعادة إنتاج الأطر التي نعيش داخلها حياتنا الاعتيادية. هذه العملية، السياسية – الحيوية والأيديولوجية في جوهرها، تطرح العديد من الأسئلة، لعل أهمها إعادة تعريف الجماعة: المفترض في مجتمعات قادرة على التعامل مع الأزمات الكبرى وجود نوع من الروح الجماعية، تجعل الأفراد مستعدين للالتزام بسياسات معينة، وتطبيقها بشكل مشترك استجابة لضرورة ما، سواء كانت التباعد أو التقارب الاجتماعي، فما شكل الجماعاتية الجديدة التي يمكن أن نصل إليها؟ وهل يمكن أن تكون قريبة من القيمة الاجتماعية- الأخلاقية الكلاسيكية للتضامن؟
إعادة الإنتاج
يطالب المفكر الإيطالي أنطونيو نيغري، في مقابلة إذاعية بُثت مؤخراً، بالكف عن الحديث عن الأزمة، بوصفها سيناريو متطرفا لكارثة أدت إليها الرأسمالية. اعتبار الأزمات نتيجةً لفساد أو شر النظام القائم، يُغفل المحرك الأساسي لعملية الإنتاج وإعادة الإنتاج الاجتماعي، وهو رغبة الجمهور وحيويته، ولذلك يجب ألا تُترك معالجة الأزمة للمخططين التقليديين في النيوليبرالية، بل إطلاق نضالات جمعية، تتسم بالتعدد والتنوع، تسعى لمزيد من الديمقراطية الاجتماعية، وتضع قضايا مثل، الرعاية الصحية الشاملة وإعادة توزيع الثرورة في مقدمة مطالبها.
أصبح الغطاء المالي والإداري الذي أمّنته السياسات النيوليبرالية عائقاً أمام التنمية الاجتماعية وإعادة إنتاج الحياة نفسها، حسب نيغري، ونحن الآن أمام أزمة تختلف جذرياً عن الأزمة المالية العالمية. في عام 2008 انخفضت الإنتاجية بشكل جزئي في بعض القطاعات، بسبب تعطّل الآليات المالية وحسب، في حين ظلت القدرة على الإنتاج نفسها، والطلب على السلع الاستهلاكية، ثابتين. اليوم نواجه وضعاً جديداً، الإنتاج في أدنى مستوياته، بسبب ظروف العزل والإغلاق، ولن تستطيع المصانع والمزارع تلبية الطلب الاجتماعي، ما يستلزم إعادة تصميم شاملة للإنتاجية، تهتم أساساً بتأمين ضرورات إعادة إنتاج الحياة. يشبّه نيغري توقف سير الإنتاج الحالي بالوضع الذي كانت تؤدي إليه أساليب المقاومة العمالية في الماضي، مثل الإضراب والتهرّب من العمل، وتحطيم الآلات، هذه الأساليب لم تكن تهدف فقط إلى التخريب وتعطيل الإنتاجية، بل تجبر أرباب العمل على إدخال تغييرات أساسية في أسلوب الإنتاج، تؤدي بالمحصلة إلى انطلاقة جديدة في التنمية الاجتماعية، وتحطم الأطر الضيقة التي تحشر فيها الرأسمالية رغبة الجمهور وقدرته على إنتاج عالمه. اليوم لم تعد هذه الصراعات تخاض على مستوى المصانع فقط، كما كان سائداً في عصر الإنتاج الفوردي- التايلري، بل على مستوى إنتاج الحياة وتكاثرها، بما فيها من منتجات لا مادية، مثل المعلومات والأفكار والعواطف.
يطالب المفكر الإيطالي أنطونيو نيغري، في مقابلة إذاعية بُثت مؤخراً، بالكف عن الحديث عن الأزمة، بوصفها سيناريو متطرفا لكارثة أدت إليها الرأسمالية.
مفهوم «الجماعية» يصبح بهذا المعنى فرض الرغبة بإعادة إنتاج الحياة على منظومة ضيقة وجامدة، وبذلك يختلف منظور نيغري كثيراً عن منظور مفكرين آخرين، يدعون للتواضع، ويذمّون «الجشع» الإنســـاني للنمـــو اللانهائي. مشكلة الرأسمالية ليس ميلها إلى النمو، بل في كبحها لرغبة البشر وقدرتهم على تحقيق نمو أشمل وأكثر توازناً. يعترف نيغري بأنه أصبح عجوزاً للغاية (87 عاماً)، لدرجة أنه لا يستطيع أن يفهم إمكانيات وسائل الاتصال الحديثة في تحقيق التواصل، ونقل العواطف والأفكار من الفرد إلى الجماعة، في زمنه كان البشر يلتقون معا، ليس فقط لتبادل التحية، بل لخوض النضالات بشكل مشترك. ولا يدري كيفية تحقيق النضالات الجمعية المطلوبة في ظل التباعد الاجتماعي المفروض. ولكن هل تقدم نيغري في السن هو السبب الوحيد لصعوبة فهم هذا الوضع؟
الحشد السلبي
مفكر إيطالي عجوز آخر، وهو جورجيو أغامبين، لا يملك تردد نيغري نفسه في تقييم كفاءة الوسائل الحديثة للاتصال. مصطلح «التباعد الاجتماعي» الذي برز مؤخراً، هو، حسب أغامبين، تعبير ملطّف عن ترسيم الحدود الاجتماعية بين البشر، وكل حالة طوارئ لا تقتصر آثارها على المدة الزمنية التي تُفرض بها، بل يمكن اعتبارها مختبراً اجتماعياً وسياسياً لتقنيات سلطوية ستستمر في ما بعد. ورغم قدرة وسائل الاتصال الحديثة على تأمين تواصل ما بين البشر، فإن مجتمعا قائما على «التباعد» لا يمكن أن يكون إنسانياً وقابلاً للحياة السياسية.
وعلى عكس كثيرين، لا يرى أغامبين في التباعد مؤشراً على ازدهار الفردانية، تبرز اليوم حشود اجتماعية جديدة ذات طابع سلبي، لا تشبه كثيراً التجمعات النضالية التي اعتادها نيغري ومناضلو زمنه، حين كان الخوف من ملامسة الآخر يزول في إطار الحشد الجماهيري. في الحشود الفاعلة «ذاك الذي يزاحمك هو أنت نفسك» حسب تعبير الأديب الألماني إلياس كانيتي. أما الحشد الذي ينشأ عن التباعد والذعر، فهو غير فاعل ومميّع وسلبي، غير قادر على التحرك بحرية ولا رأس له، يتكوّن من أفراد يجعلهم الخوف متماثلين ومتراصين في سعيهم للحفاظ على المسافة في ما بينهم. تتفكك ضمن هذه الحشد كل القناعات الاجتماعية والسياسية، ولا تبقى إلا القيمة المجردة للحفاظ على الحياة، وهذا هو الشرط الأمثل لتقوية الحكم الاستبدادي، وبروز شبح «الليفاتان» من جديد، ذلك الكائن الأسطوري المتوحش، الذي لطالما شبّه المفكرون السياسيون الدولة الشمولية به. الجماعية الجديدة التي يحذّر منها أغامبين، تبدو معاكسة كلياً لأي مفهوم ممكن للتضامن، وربما يكون تهديدها حاضراً أكثر من جماعية «إعادة الإنتاج» التي يبشّر بها نيغري.
اختبار إنسانيتنا
بالنسبة للرئيس الألماني فرانك شتاينماير، فنحن الآن لسنا في حالة حرب، بل أمام اختبار لإنسانيتنا، وهو رد شبه مباشر على تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي فاجأ مواطنيه بإعلان حالة الحرب في مواجهة الوباء. قد تكون إجراءات الدولة الألمانية أكثر ديمقراطية، وأشد كفاءة من الإجراءات الفرنسية، ولكن يبقى «الاختبار» الذي تحدث عنه شتاينماير غير واضح المعالم. إذا كان التضامن اليوم يتجسد أساساً بالالتزام بإجراءات التباعد الاجتماعي، لحماية الفئات الأضعف من خطر العدوى، وتخفيف العبء على القطاع الصحي والعاملين فيه، فما هي ممكنات هذا النمط من «التضامن» على المدى المتوسط والطويل، خاصة أثناء الفترة الانتقالية، التي قد تطول، للعودة للحياة «الاعتيادية»؟
سيكون من الصعب ربما على البشر، الذين تعودوا على اتخاذ مسافة من بعضهم بعضاً، والالتزام بتعليمات السلطة التنفيذية، المشاركة في إعادة إنتاج الأطر السياسية والاجتماعية والاقتصادية في فترة ما بعد الحظر والإغلاق. حكم الخبراء، الذي فرضته ضرورات الوباء، مرشح بقوة للاستمرار مستقبلاً، وقد يتم تعميمه ليس فقط على المستوى الصحي، بل على مستوى كل الأنظمة الاجتماعية. يصبح هنا «اختبار الإنسانية» أقرب لاختبار قدرة «الحشد السلبي» على الطاعة، والالتزام بالتوصيات التي يراها التكنوقراطيون مناسبة. رغم ذلك قد يكون رهان نيغري غير طوباوي بالكامل، فلا يمكن لأي سلطة فرض تباعد اجتماعي كامل وطويل الأمد، وقد يستطيع البشر كسر قيود التباعد، ليس باستخدام وسائل الاتصال الحديثة وحسب، بل أيضاً عن طريق أشكال متعددة من التمرد والعصيان وعدم الالتزام، خطوط الانفلات هذه، حسب تعبير الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، قد تنتج أشكالاً جديدة من التواصل الاجتماعي، وحشوداً اجتماعية فاعلة تعيد إنتاج حياتها الاعتيادية، بشكل أكثر توافقاً مع رغبتها ومصالحها.
٭ كاتب من سوريا