‘يوغورطا’ المشاورات وشرف الجزائريات

حجم الخط
0

في مقال طويل للكاتب جيلالي خلاص بعنوان:( لماذا رفضت دعوة بن صالح) نشره بجريدة ليبرتي 23 جوان 2011 أوضح الكاتب أنه تلقى دعوة من السيد عبد القادر بن صالح رئيس لجنة الاصلاحات السياسية للمشاركة في المشاورات التي يجريها الرئيس بوتفليقة حول الاصلاح الدستوري والسياسي في الجزائر.

وأكد أنه رفض هذه الدعوة، وهو أمر يحق له ولغيره في أن يقبل مثل هذه الدعوة أو برفضها. ولكن ما أريد أن يتسع صدر الكاتب والروائي جيلالي خلاص لمناقشته هو سبب هذا الرفض وحججه في رفضه. وهي أن السلطات تغلق الحانات والمراقص وتضيق على العاهرات. وعلى فرض أن هذه صحيح وجاد، وبعيد عن الحملات العشوائية والانتقائية والمؤقتة. فإنه في رأي الكاتب تضييق على حرية المرأة والرجل معا، وإغلاق لمساحات من الحرية النوعية الموجودة في مثل هذه المراقص والحانات والمعاهر.

وهو يدعم رأيه هذا بموقف يوغرطا الثائر الجزائري على الاحتلال الروماني الذي انتهى به الأمر بخديعة من سهره بوخوس (ملك أشراف فاس المغرب حاليا) إلى أن يموت سجينا في روما، لأنه انخدع لسهره العميل للغزاة الروم وفاء لزوجته وحبا لها. وقد وعده بوخوس أن يعود بها، بعد أن كان أخذها منه. وانتهى الأمر بأن ألقى الرومان القبض على الثائر الجزائري يوغورطا في بيت سهره بعد أن أوهمه بأنه سيعيد له زوجته ويقاتل الغزاة الروم إلى جانبه. وسجن يوغرطا في روما في (الكولسيه) في كهف معروف إلى اليوم إلى أن مات.

كما يذكر زوجة الأمير عبد القادر، وكيف أنها آثرت أن تعيش معه في سجنه بفرنسا على البقاء في الجزائر. كما ذكر نساء أخريات خالدات في تاريخ الجزائر من مثل جميلة بو حيرد و حسيبة بن بوعلي ومليكة قايد وغيرهن وأشاد يتضحياتهن. وهن فخر للجزائر وشرف لها على مر التاريخ لا نختلف عليه. ولكن ما علاقة يوغرطا الذي مات دون عرضه ووطنه كما قدمنا وما علاقة الماجدات الجزائريات الشهيدات والمجاهدات ولماذا ذكرهن الكاتب في هذا السياق وهل تعلمن قيم التضحية والإستشهاد والكرامة من مساحات الحرية التي ذكرها الكاتب وامتنع عن المشاورات احتجاجا على التضييق عليها؟

؟ ؟ أعرف أن الروائي خلاص رجل وديع ووقور وأقدر فيه حسن العشرة والمعاملة. وأنا لا أتهمه شحصيا ولكني أتهم هذه الفكرة السائدة عند قطاع كبير من مثقفينا خاصة المتشبعين بالقيم الغربية وقد أصبح منهم معربون أيضا محسوبون على لغة الضاد يحملون فكرة الدفاع عن الحانات والمراقص والملاهي الليلية والنهاريه.

والواقع أنه رغم النوايا الحسنة التى لا أشك فيها عند خلاص خاصة فإن الأمر إرهاب من نوع آخر بل هذا هو الارهاب الحقيقي الذي تقع فيه الحرب على قيم الشعب الجزائري من أبناء يوغرطا وطارق بن زياد وأحفادهما الذين تعرضوا لغزوالرومان فحاربهم يوغرطا 17 سنة حتى مات دون عرضه ووطنه. ولم يحقق حلمه في الكرامة والانسانية والشرف إلا الإسلام الذي تقبله أبناء يوغرطا والكاهنة للأبد فليس هناك جزائر بدون إسلام أبدا وهو أي الإسلام المكون الأساسي لهوية الشعب الجزائري. وما أشبه اليوم بالبارحة فعدو اليوم هو عدو الأمس فالجزائر كلها تتعرض لغزو روماني جديد ذي شقين التعهير والتنصير وجزائريو الأمس هم جزائريو اليوم ولهذا خرجوا في معاقل يوغرطا بجاية وتيزو وزو وانتفضوا ضد التعهير والتنصير معافكيف يشترط الكاتب جيلالي خلاص فتح الحانات والمعاهر والمراقص كشرط ليحضر المشاورات؟

؟ ؟ كنا نتوقع نحن قراء الكاتب وأصدفاؤه أن يقترح في هذه المشاورات الدفاع عن قيم المجتمع وعن حقوق المرأة والرجل أو أن يمتنع عن المشاركة احتجاجا على التقصير الحاصل في هذه الحقوق. ولكنه قاطع هذه المشاورات احتجاجا منه على عدم تأمين الجو للعاهرات و تعكير صفو المراقص والحانات وهي مساحات الحرية الحقيقية وأجواءها التي تترعرع فيه كما يزعم الكاتب.

يقول خلاص:( لقد كتبت كثيرا في هذه الأشهر الأخيرة عن الغلق العشوائي للمراقص والحانات والطرد الجماعي للعاهرات من طرف رجال الدرك والشرطة… وأنا أشك في نوايا السلطة التى تشجع عصابات من الأوغاد على مهاجمة مساحات الحرية) ويعتقد أنه بفعله هذا يدافع عن حرية المعتقد وحرية التعبير وعن أماكنها فيقول: (أنا أدافع عن حرية المعتقد وحرية التعبير وأفضل مكان لهذه الحرية هو الحانة) والواقع أن الشعب بكافة فئاته قد خرج منتفضا ضد هذا الوضع المشين ليس في منطقة القبائل فقط ولكن في كافة مدن الوطن وهذه المظاهر المشينة التى أصبحت تمارس جهارا نهارا في تحد صارخ لقيم الشعب الجزائري وهو التعدي ذاته على حرية الجزائيين والجزائريات. ليس أحد وصيا على أحد لا في نواياه ولا في أفعاله. ولكن تكريس الانحراف والشذوذ بشكل علني مفروض كما يحصل في مناطق عدة من الوطن وكما يدافع عنه خلاص هو الإعتداء الصارخ على الحريات والمعتقدات فليستتر من ابتلاه الله ولا يحاول أن يكرس هذه الفعال التى تصدم وجدان الجزائريين والجزائريات وعقولهم وتتنافي مع قيم دينهم ويجعلها قانونا ثابتا للحرية يحرم المساس به. إن الشعب الحزائري يعرف أماكن الحرية الحقيقية ومساحات الإعتقاد والحب في الله ويدفع النفس والنفيس لإعلائها.

وقد حدثني موظف سام بوزارة الشؤون الدينية بذهول وانبهار عن إقبال الجزائرين على بناء المساجد واعترف لي بان الدولة لم تستطع حتى مواكبة بناء هذه المساجد بالتأطير اللازم. بينما خرج هذا الشعب الذي يعطي بلا حساب لبناء بيوت الله ومساحات الدفاع عن قيم هذا الشعب واستقراره وتوازنه في مظاهرات واحتجاجات ضد العهر والخمر وأماكن تواجدهما السرية والعلنية المرخصة والعشوائية في بجاية وتيزي وزو والعاصمة وسيدي بلعباس والجلفة وغرداية وغيرها من المدن. ولم تعد الحجة الواهية للدفاع عن الفساد وأماكنه بربطها بالإرهاب تنطلي على أحد فالإرهاب الحقيقي الذي يتهدد الشعب الجزائري اليوم كما الأمس هو محاربة قيم الإسلام باسم العولمة والحرية ومساحاتهما الموبوءة المشبوهة.

موسى بن جدو – الجزائر العاصمة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية