صلاح بوسريفلسنا استثناءً، فنحن جزء من قاعدةٍ، قد تختلف في بعض الجزئياتِ عن الوضع العام الذي تعيشه بعض الدول العربية، وما يحكم طبيعة النُّظُم السياسية لهذه الدول، أو طبيعة الأنظمة الحاكمة فيها.
ما كان يجري في أي مكان من العالم العربي، كُنَّا نعتبره يجري عندنا، وكُنَّا نَعْتَبِرُ، دائماً، أنَّ ما يجري من انقلابات أو ثوراتٍ أو تحوَّلاتٍ، كيفما كانت طبيعتُها، هي أمر يعنينا، وأنَّ هذه الريح التي هَبَّتْ على هذه الأرض أو تلك، لا بُدَّ أنْ نَجْنِي بعض ثِمَارِها.
نشترك في كثير من الأمور، واللغةُ، كانت دائماً، إحدى أقوى المؤثرات التي ربطت ثقافياً، بين شعوب هذه البلدان، وهو ما سيكون له تأثير واضح في بناء الأفكار، وفي صياغة الأسئلة التي كانت حافزاً على طرح القضايا الكبرى، التي كانت أسئلة ‘النهضة’ شرَعَت في فَتْحِها، باعتبارها إحدى مقدمات الوعي بما أصبح مِنْ مُمْكِنات ِ’النهضة’. لن نُنْكِرَ تأثيرَ الشرق فينا، ولن نُنْكِرَ أنَّ فقهاءَنا، وعدداً من علماء المغرب، في بدايات القرن الماضي، حملوا إلينا أفكارَ المشارقة، وسَعَوْا إلى صياغة الفكر السلفي، وفق رؤية المشارقة، مع فَرْقٍ في الدرجة لا في النوع، كما لن نُنْكِرَ أنَّ أحزابنا، أو بعض مشروعاتنا السياسية، كان للشرق فيها تأثير واضحٌ، وهو ما سيظهر في تَعَقُّبِنا لِمَا كان يظهر في المشرق العربي، في طُرُوحاتٍ وأفكار، في مختلف الأصعدة.
رغم جوارنا لأوروبا، فإنَّ أوروبا وصلتنا من خلال الشرق، ما جعلنا، فيما بعد، نذهب إلى أوروبا دون وساطة الشرق، ونعمل على قراءة هذا الجار الغربي بلغته، ونفهمه من خلال كتاباته وأفكاره، لا من خلال ترجماتٍ، اكتشفنا، فيما بعد، أنها لم تكن تفي بحقيقة النص.
في هذا المنعطف، حدثت بعض اختلافاتنا عن الشرق، وشرعنا في إعادة بناء الأسئلة، لا مجرد طرحها وفق صياغة تليق بطبيعة بعض مشكلاتنا، كما فعل السلفيون قبلنا. بَقِيَ التقليد والفكر السلفي، أحد أهم أسباب تَعَثُّرَاتنا، والدولة المغربية، عبر تاريخها، استفادت من هذا الفكر، لأنه خَدَمَ نِظَامَها، وسَهَّلَ عليها، بحكم ‘النَّسَب الشريف’، أن تضمن خدمة رجال الدين للدولة، وتبعيتهم لها، وهم من كانوا، في نفس الوقت، لسانَ الملوك، وأقلامَهُم، أي أنهم كانوا وُعَّاظ السلاطين.
اسْتَحْكَمَ الدين في الدولة، كما حَكَمَتِ الدولة بالدين، وأصبح الزواج بينهما، زواجاً كاثوليكياً، لا يزال إلى اليوم قائماً، لا يُسْمَحُ فيه بالطلاق، أو بأي نوع من المسافة التي قد تُفْضِي إلى الجَفَاءِ. ولعلَّ ما حدث في ما كان مُقْتَرَحاً، في التعديلات الدستورية الأخيرة، بصدد مَدَنِيَة الدولة لا دينيتها، وردود الفعل المُتَشَنِّجَة التي أبداها بعض رجال الدين، وبعض الأحزاب ‘الدينية’، المُتَخَفِّيَة وراء السياسة، وخروج الطريقة، أو الزاوية البودشيشية للشارع للتعبير عن قبولها للدستور، وإلزام، وزير الأوقاف، وهو أحد مريدي هذه الزاوية، أئمة المساجد بالدعوة للتصويت على الدستور، في خُطَب الجمعة، يكفي لفهم طبيعة، علاقة الدين بالدولة، وطبيعة الفكر السلفي الماضوي المُسْتَشْرِي في مجتمعنا. سيتخذ هذا الفكر السلفي الماضوي مظاهر جديدةً، اتَّسَمَت بالعُنْف، وباستعمال تأويلاتٍ جديدةٍ للدين تَسْعَى لفرض نظام الخلافة، أو ‘دولة الخلافة’، وهو ما جاءنا أيضاً، مما حدث في الشرق العربي، من دعوات لـ ‘الجهاد’ بهذا الـتأويل الجديد لمعنى ‘الجهاد’، في هذا المفهوم المُبْتَذَل للسلفية.
لم نكن استثناءً، في هذا السياق، بل إنَّ بعض المسؤولين السابقين في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، أطلق يَدَ هذه السلفية، وخصوصاً السلفية الوهابية، بما هو معروف عنها من تَشَدُّد، لِتُحْكِمَ قَبْضَتَها على الوعي الديني لدى الكثيرين ممن أصبحوا اليوم يميلون إلى هذا الفكر المُتَطَرِّف، الذي لم يكن داخلاً ضمن بنية الفكر الديني للمجتمع المغربي الذي اختار لنفسه منذ أمَدٍ المذهب المالكي، كإطار فقهي، اتَّسَمَ بالوسطية والاعتدال.
هل يمكن أن نكون استثناءً في مشاكلنا الاجتماعية والسياسية؟ هل نحن كُنَّا أكثر حريةً وديمقراطيةً من غيرنا، لأنَّ لنا أحزابا سياسية، ولنا دستور، وانتخابات بلدية وبرلمانيةٍ، ولنا معارضة؟
عشنا لحظاتٍ عسيرةً، كانت فيها المواجهات بين النظام واليسار، بمختلف مظاهره، عنيفةً، كما عرفنا محاولاتٍ عديدة لانقلاب الجيش على النظام، وعرفنا حالات الاستثناء، وحتى الدستور، ظَلَّت فيه سلُطات الملك فوق غيرها من السُّلَط، وكان الفصل التاسع عشر، العصا التي كان الملك يستعملها لِيُعَطِّلَ بها كل القوانين التي كانت تبدو أنها تُخَوِّلُ، ظاهرياً، بعض السلطات للجهاز التشريعي.
ليس ما سُمِّيَ بسنوات الرصاص، إلاَّ نوعاً من التعبيرعن طبيعة ما عِشْنَاه من هيمنةٍ للأمن، ومن استحكام قبضة البوليس، وما عرفه المغرب من اختطاف، ومن محاكمات صُورِيَةٍ، وسجون سِرِّيَّةٍ، ظلَّت الدولة تُنْكِرُها، وتنفي أي وُجودٍ لها.
سيبقى سجن تازمامرت، في قلعة مكونة، ودرب مولاي الشريف، في الحي المحمدي بالدار البيضاء، ودار المقري بنواحي مدينة الرباط، من المحطات التاريخية التي لا يمكن القفز عليها، رغم ما جرى من مصالحةٍ، ومن اعترافٍ بما اقترفته الدولةُ من شطط، ومن إفراطٍ في قمع وتعذيب وقتل المعارضين والمُنَاوِئِينَ لها.
تبقى قضية المُخْتَفِينَ، ممن لم يظهر لهم أثر إلى اليوم، وعلى رأسهم المناضل المهدي بنبركة، هي الأخرى من مفارقات ما نسميه بـ ‘الإنصاف والمصالحة’، أو الانتقال الديمقراطي، الذي هو تلك القفزة إلى الأمام، التي ما نزال نتهيأ للقيام بها.
فما يجري اليوم في أكثر من مكان في العالم العربي، من قَتْلٍ، ومن استعمالٍ مُفِرِطٍ للسلاح، وتَدَخُّل الجيش لقمع المتظاهرين، نعرفه جَيِّداً، مع اختلافٍ في الشكل وليس في الجوهر.
كانت الدولة المغربية أكثر جُرْأَةً، من غيرها، من الدول العربية الأخرى، في اعترافها بما اقْتَرَفَتْهُ من جرائم، وأكثر جُرْأَةً في عقد جلسات الإنصات لضحايا سنوات الرصاص، في الإعلام العمومي، رغم أنَّ الجلادين، تَمَّ التَّسَتُّرُ عنهم، وبَقَوْا في مَنْأًى عن أي عقابٍ، أو مُسَاءَلَة. هذه الجُرأة التي كانت مقدمةً لِمَا سَيُقْدِمُ عليه نظام الحُكْم في المغرب من خطواتٍ تاليةٍ، كان أبرزُها تعيين الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي المعارض، أحد أقوى أحزاب اليسار، آنذاك، وزيراً أوَّل، في إطار ما سُمِّيَ بـ ‘التناوب التوافقي’. تجربةٌ، عَقَدَ عليها الشعب المغربي، آمالاً كبيرةً، خصوصاً أنَّ الوزير الأول الجديد، ينتمي لحزب كانت له شعبيةً واسعةً، وكان هو أيضاً، أحد الأشخاص المعروفين بنزاهتهم، ما جعل من الجميع يبقى رَهينَ ‘قاعة الانتظار’، كما سمَّاها المفكر الراحل محمد عابد الجابري، وهو الانتظار الذي سَيُفْضِي، إلى إقصاء اليوسفي من الحكومة، رغم أن حزبه حَصَلَ على أغلبية المقاعد في الانتخابات البرلمانية، التي جرت في عهده، لِيَتِمَّ تعيين وزير أول من التقنوقراط، الذي لم يكن منتمياً لأي حزب سياسي.
كان هذا ‘الانقلاب’ على الأغلبية البرلمانية، وعلى أحد فصول الدستور، حافزاً للدعوةِ لِخُرُوج وزراء الاتحاد الاشتراكي من الحكومة التي يرأسها وزير غير مُنْتَخَب، لكن بعض المُتَنَفٍّذِين في الحزب، وبعض زعمائه، والمسؤولين في قيادته، نَقَضُوا ما كانوا صَرَّحُوا به من قبل، في رفضهم لِما جرى، واختاروا البقاء في السلطة، ما سيكون الضربة القاسمة للحزب، ولِما سيعرفه من انسحابـاتٍ، ومن تَفَكُّـكٍ، كانت نتيجته فقـدان الحـزب لأغلبيته، في انتخابات 2007، وما عرفته هذه الانتخابات من عُزوفٍ عِقَابِيٍّ، خصوصاً في صفوف القاعدة التي كانت تدعم اليسار باستمرار، وهي في أغلبها من النُّخَب السياسية والثقافية، ومن رجال التعليم، أو مَنْ ينتمون للطبقة الوسطى، وحتى بعض المنتسبين للحزب.
كان التناوب لحظةً حاسمةً في جُمْلَةٍ من الإخفاقات السياسية والاجتماعية والثقافية، وكانت من بين الأسباب التي أدَّت إلى العزوف، بشكل واسع، عن العمل السياسي، خصوصاً في صفوف الشباب. فصدمة التناوب أدَّت إلى فقدان الثقة في اليسار، وإلى اختلال التوازنات السياسية، بما في ذلك اختفاء المعارضة، أو الحزب المعارض، ما سيُفضي إلى خروج حزبٍ من كَنَفِ السلطة، بامتصاصه لأغلبية برلمانيةٍ، رغم حصوله على ثلاث مقاعد فقط، في هذه الانتخابات، ليصير حزباً معارضاً! أي كما لو أنَّ الدولةَ أدركت ما حدث من فراغ، فعملت على تعويضه بما سيكون خطاً فادحاً، أدَّى بشباب 20 فبراير، وقبلهم بعض الأحزاب، إلى التذمُّر من هيمنة هذا الحزب الطارىء على المشهد السياسي، ورفع شعاراتٍ ضدَّ قيادييه، والذهاب إلى حَدِّ المطالبة بحل هذا الحزب، الذي بَدأ في التّفَكُّك من داخله، بمجرد استقالة مُؤَسِّسِه، الذي هو رجل سلطة في الأصل، والمعروف بـ ‘صديق الملك’. ما كان أُعْلِنَ عنه من إصلاحات، خلال تولي محمدٍ السادس العرش، أو ما سُمِّيَ بـ ‘العهد الجديد’، لم يَكن بنفس انتظاراتٍ الشارع المغربي، بما في ذلك بعض ما رُفِع للملك من مذكراتٍ، تُطالب ببعض التعديلات في الدستور، من طرف بعض الأحزاب المشاركة في الحكومة، وعلى رأسها حزب الاتحاد الاشتراكي، كما أنَّ وتيرة الإضرابات القطاعية، في الوظيفة العمومية، ارْتَفَعَتْ، وازدادت اعتصامات الخِرِّجِين المُعَطَّلِين، من حاملي الشواهد العليا، أمام البرلمان، في السنوات الأخيرة، مع ما صاحَبَ ذلك من عُنْفٍ من قِبَل السلطة تُجاه هؤلاء. لم تَنْجُ الصحافة المستقلة، بشكل خاص، من مُدَاهَمَات السلطة لمقراتها، واعتقال بعض مسؤوليها، ومن اعتقال بعض الصحافيين، ومُحاكمتهم، أو رفع دعاوى قضائية ضدهم. لم نسمع عن جريدة حزبٍ، تعرَّضت لمثل ما تتعرض له الجرائد المستقلة، من مضايقاتٍ، كان آخرها اعتقال مدير جريدة ‘المساء’، ومحاكمته، وهو ما أصبح يثير بعض الأسئلة بصدد؛ أولاً، قيمة ما تنشره هذه الجرائد، وطبيعة الكتابات المنشورة فيها، وثانياً، لماذا هذا الضغط الذي تسعى جهاتٌ نافذة في السلطة لممارسته، بشتى الوسائل على الجرائد غير الحزبية، في الوقت الذي كانت فيه الجرائد الحزبية، وعلى رأسها جرائد حزب الاتحاد الاشتراكي، في سنوات الرصاص، أكثر عرضة للمنع والمُصَادَرة؟ هل هذا يؤكد فرضية تبعية هذه الأحزاب للسلطة، وعملها وفق برنامج الدولة ورؤيتها للأشياء؟
كثير من المفاهيم والشعارات التي ظهرت، في ما سُمِّيَ بـ ‘العهد الجديد’، أصبحت اليوم غير واردة في الإعلام، ولا حتى في الخطابات الرسمية، بما فيها شعار ‘العهد الجديد’ ذاته.
ما الذي يُسَوِّغُ ظهور مفاهيم، أو شعاراتٍ، ثُم اختفاؤها كُلِّيَةً، وفي غفلةٍ من الجميع، ربما؟ فهل معنى هذا أنَّ هذا النوع من الشعارات، هو استجابة لبعض ما يظهر من احتجاجات أو مطالب، بمجرد ما يَتِمُّ امْتِصَاصُها، أو الالتفاف عليها، تصبح غير ذات جدوى؟
هذا التأجيلُ المستمر لبعض المشاكل، ولِما يظهر من أزماتٍ، ومن تَوَتُّراتٍ، اجتماعية، في مختلف المجالات، هو ما سيُفْضِي إلى ما نعيشه اليوم من اضطرابٍ في جميع القطاعاتِ. فما معنى أن يُضْرِبَ كُتَّاب الضبط، وتُشَلُّ المحاكم، لأكثر من أربع أسابيع، ويَتِمُّ الاتفاق بين الوزارة وبين هذه الفئة من العاملين بقطاع العدل، على تنفيذ بعض مطالبهم، ويُقَرٍّر هؤلاء، بشكل طَوْعِيٍّ، تدارُكاً لتفاقُم القضايا، أن يعملوا أيام الآحاد، ليعودوا ثانية لِشَلِّ القطاع، والإضراب لأسابيع أخرى إضافية، قبل أن تتم الاستجابة لمطالبهم ثانيةً، وهو ما يحدث في جميع قطاعات الوظيفة العمومية، وبنفس المنهجية؟ أين يوجد الخلل إذن؟ ومن المسؤول عن الفشل في تدبير مثل هذه المشاكل، وفي تنفيذ القرارات أو تعطيلها؟
كل ما يعيشه المغرب اليوم من مشاكل، ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية، هو نتيجة هذا التأجيل المستمر لقضايا كان ينبغي حلُّها في حينها، أو وضعها في سياق برنامج قابل للتطبيق، وفق معايير و تواريخ محددة، مُتَوَافَق حولها، بين جميع الأطراف المعنية. فما وصل إليه التعليم، مثلاً، من مآزق، شملت كل بنياته، كان بسبب تجاهُل الدولة للتعليم العمومي، وما عرفته برامج الإصلاح، من فشلٍ أو تعثُّراتٍ، كان آخرها ما سُمِّيَ بالمخطط الاستعجالي، الذي أوشك على الانتهاء، دون جدوى. المدرسة اليوم، وهو نفس وضع الجامعة، تعيش على هامش المجتمع، والدولة، في ما تضعه من برامج، وما تعمل على صرفه من أموالٍ، أصبحت عاجزةً عن دفع الأمور إلى الأمام. فقطار التعليم متعثِّر، ومستوى البحث العلمي، يعرف تراجُعاً كبيراً، قياساً بما قطعته دول عربية أَوْلَتِ التعليمَ اهتماماً خاصاً، ولم تبق أسيرةَ شعاراتٍ، لم تَزِدِ الطينَ إلاَّ بَلَّةً.
كل مشاريع ‘الإصلاح’، وما أُدْخِلَ عليها من تعديلاتٍ، أو رُتوشاتٍ، لم تُفْضِ لشيءٍ، بقدر ما ساهمت في مضاعفة المشاكل، وتراكمها. لعلَّ في ما أقدم عليه المغرب من تحريرٍ لعدد من الأطر والكفاءات، عبر ما سُمِّيَ بـ ‘المغادرة الطوعية’، وذهاب عدد من هؤلاء للعمل في القطاع الخاص، ما أفضى إلى ما تعيشه بعض القطاعات العمومية من فراغ، ومن خَصاصٍ، ليس في الأطر، بل في الخبرات والتجارب.
ما الذي اسْتَفادَهُ المغرب من هذه المغادرة؟ وما مدى مردوديتها على اقتصاد الدولة، وعلى قطاع الوظيفة العمومية، وسوق الشغل عموماً؟
حين أعود إلى قطاع الثقافة، وإلى ‘مجتمع المعرفة’، الذي هو اليوم ضمن أولويات المجتمعات الحديثة، بما له من أهمية في نقل اقتصاديات هذه المجتمعات من الاعتماد على الصناعات الثقيلة، أو أنماط الإنتاج التقليدية، إلى ما أصبح يُعْرَف باقتصاد المعرفة، لن نجد أي شيء يمكنه أن يكون مقدمةً لهذا الانتقال، أو إرهاصاً، بما يمكنه أن يكون شُروعاً في هذا الانتقال.
إذا كانت المدرسة عندنا، وهي إحدى أهم دعائم هذا المجتمع، تعيش وضعاً حَرِجاً، وتفتقر لكثير من مقومات التكوين والتأهيل العلميين، فكيف يمكن الحديث عن مجتمِع المعرفةِ، في وضعٍ، كُل حَلٍّ فيه يُفْضِي إلى مشكلةٍ؟. في مخططات الدولة، وفي برامجها، وفي ما تضعه من سياسات عامة، لا تَرِدُ كلمة ثقافة، إلا باعتبارها أمراً ثانوياً، لا يرقى إلى ما تحظى به قطاعات أخرى، من دَعْمٍ واهتمامٍ، بدليل وجود ميزانية الثقافة، في آخر سُلَّم الميزانيات المُخَصَّصَة لكل قطاعٍ، وبدليل استعمال كلمة ثقافة في سياقات عامة، لا تُشير لخصوصية الشأن الثقافي، ولا لدور الثقافة في بناء ‘مجتمع المعرفة’، الذي جاء ذكره، عَرَضاً، في مشروع الدستور المُعَدَّل. فكثيراً ما يغيبُ عن الدولة، أنَّ بعض المجالات الاجتماعية الحيوية والهامة، هي من ‘حوامل’ الثقافة.
لم تكن وزارة الثقافة تعني شيئاً للمثقفين المغاربة، وكان مثقفو اليسار، أو مَنْ يتعاطفون معهم، يعملون في إطار جمعيات، ومؤسساتٍ ‘مستقلة’، كان على رأسها ‘اتحاد كتاب المغرب’، الذي حَظِيَ بدعم بعض الأحزاب، التي كانت حريصةً على استقطاب هذه النُّخبة من رجالات الفن والأدب والفكر، في مواجهة ‘النظام’ الذي عَمِلَ بدوره على جَرِّ الاتحاد إليه.
فبمجرد انتزاع الاتحاد من ‘حزب الاستقلال’، أصبح أمر الثقافة في يَدِ ‘الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية’، الحزب اليساري المعارض، الذي كان في مواجهة شرسةٍ مع نظام الحُكْم، بعكس ‘حزب الاستقلال’ الذي كان محسوباً على ‘اليمين’، ومُوَالِياً للنظام.
هذه التَّقاطُبات السياسية، أفْضَت إلى تراجع السؤال الثقافي، لصالح ما هو سياسي، وأصبح المثقف صَدًى للسياسي. هذا ما تُبَرِّرُه، أيضاً، الكتابات الفكرية والنقدية والإبداعية، التي كانت تتركُ الفكر والنقد والإبداع، لتنشغل بغيره، مما ليس فكراُ ولا نقداً ولا إبداعاً.
فكما ظلت الدولة تنظر إلى الثقافة بازدراء، فالحزب، كان أيضاً، ينظر إلى المثقف بازدراء، لأنه كان يعتبره سنداً لـ ‘مشروعه السياسي’، وورقةً لدعم قاعدته الجماهيرية في مواجهة الدولة، لم يكن المثقف مستقلاً، أو حُرّاً في قراراته، فهو كان رهينةً في يَدِ الحزب. انتقل الصراع إلى الجامعة، كما انتقل إلى الجمعيات والنقابات المهنية، لأن الحزب، آنذاك، كان في حاجة لسلاح الثقافة، أو بعض النُّخَب، ليدعم به حضوره، ويعمل من خلاله على تنفيذ مشروعه السياسي.
لم يكن الحزب ينظر إلى الثقافة، في مَنْأًى عن السياسة، بقدر ما كان يعتبرها حَطباً للسياسة، وأداةً للمواجهة.
وفق هذا المعنى، ظلَّ السؤال الثقافي هو الآخر مؤجَّلاً، أو مُتَأَرْجِحاً، بين ازدراء الدولة، والاستقطاب السياسي. [في بعض الدول ما زال يُنْظَرُ لوزراة الثقافة باعتبارها Minist’re de la blague ]لم تتم المصالحة بين وزارة الثقافة، والمثقفين ‘اليساريين’، أو المحسوبين على اليسار، بشكل كُلِّيٍّ، ومُفْرِطٍ، ربما، وأعني بشكل خاص ‘اتحاد كتاب المغرب’، إلاَّ مع حكومة التناوب، التي أُسْنِدَت فيها وزارة الثقافة لرئيس سابق لاتحاد كتاب المغرب، وهو عضو بالمكتب السياسي للحزب.
كما أنَّ المُصَالَحَة لم تحدُث في إطارِ تعاقُداتٍ أو اتِّفاقياتٍ، مكتوبةٍ بين الوزارة وبين المؤسسات الثقافية، وفق برامج بعيدة المدى، وقابلة للِتَّحْيين والتجديد، بما تفرضه المتغيرات الثقافية والفنية، وأيضاً، وفق سياسة ثقافية، أو استراتجية ثقافية، تكون بمثابة خارطة الطريق التي في ضوئها يَتِمُّ تفعيل هذه الاتفاقيات، وحفظ مصالح الطرفين، وضمان استقلالية كل طرفٍ عن الآخر. إنَّ ما حدث كان عمَلاً مع شخص الوزير، أو مساندةً غير مشروطة، للسياق السياسي لحكومة ‘التناوُب’. كان الأمر نوعاً من الامتيازات التي حظيت بها أطراف مختلفة، إما لها علاقة مباشرة بشخص الوزير، أو علاقة ولاء سياسي للحزب، الذي كان يرأس حكومة التناوب، ولم يَتِم في إطار مُؤَسَّسِي. فأهمية الثقافة، كما يرى فانسون دوبوا، تكمن في مَاْسَسَتِها،[ لا في تسييسها ]، أي في الحرص على دمقرطة الحقل الثقافي. حدث هذا في مجال النشر، كما حدث في دعم أنشطة اتحاد كتاب المغرب وبيت الشعر، وفي التعامُل مع بعض الفنانين والفرق المسرحية، ومع جمعية الائتلاف، التي كان وراء وُجُودها وزير الثقافة نفسه، كما حدث في ما كانت توجهه الوزارة من دعوات للكُتَّاب والشعراء، والمشاركة في ندوات ولقاءات المعرض الدولي للكتاب، وما يجري خارج المغرب من لقاءات ومهرجانات، وغيرها مما أصبح، في هذه الفترة، بالذات، نوعاً من الريع الثقافي، الذي كان فيه نصيب الأسد للمقربين لوزير الثقافة، أو المُوَالين له، والمنتسبين لحزبه.
كل ما حـدث من اتفاقياتٍ، وما أقامته الوزارة من شراكاتٍ، لم تكن مبنيةً على سياسة ثقافية تخصُّ الوزارة، أو المؤسسة الوزارية، ما دفع وزيـراً من نفس حـزب الوزيـر السابـق، يُلْغِـي كل الاتفاقيـات، أو يُعَطِّلُها، ويعمل وفق منظور خاص، على استحداث أفكار، أدَّت إلى وضع الوزارة في مواجهة المثقفين، خصوصاً من وجدوا نفسهم خارج الريع الثقافي الذي كان أحد أسباب الهُدنة التي حدثت من قبل، بين الوزارة وبين هذه الشريحة من المثقفين.
لم يسبق لهذه الشريحة من المثقفين أن فتحت نقاشاً حول ‘السياسة الثقافية’ للوزارة، أو فكرت في اقتراح استراتيجية ثقافية تكون أرضاً للعمل الثقافي، الذي يمكن أن تتبناه الدولة، أو تعمل على إدراجه ضمن جدول أعمالها. كما لم يسبق لهؤلاء، أو للمؤسسات التي ينتسبون إليها، أن عملوا على تحديد موقفهم من ‘التناوب’، أو صيغة الشراكة الثقافية الممكنة في ضوء هذا المعطى الجديد، وهو ما يحدث عادةً في المؤتمرات أو الجموع العامة لهذه المؤسسات. لا شيء من هذا حدث، والنتيجة كانت هي هذا الارتجال الفادح، الذي أفضى باتحاد كتاب المغرب إلى ما هو عليه من تَفَتُّتٍ وارتباك، ومن فوضى، في كل شيء، وهو ما ينطبق على وزارة الثقافة، في وضعها الراهن.
ما ظهر، في الآونة الأخيرة، من مبادرات فردية، من بعض المثقفين المستقلين، بالدعوة، إما إلى عقد لقاءات وطنية، حول الشأن الثقافي، تكون خارج غطاء المؤسسات، كيفما كانت، لأجل وضع ‘مشروع ثقافي جديد، بلغة، وبقيم ثقافية جديدة’ تساير ما جرى من تحوُّلات، ووفق منظور مُتَحَرِّر من إكراهات السياسة، أو التبعية للدولة، مع الحق في الاختلاف، وفي حرية الرأي والتفكير، كما في النداء الذي توجَّهْتُ به للمثقفين المغاربة، أو ما جاء في الدعوة لـ ‘ميثاق وطني حول الثقافة’ الذي وَقَّعَه الشاعر عبد اللطيف اللعبي باسمه الشخصي، أو ما عُقِدَ من لقاءاتٍ، في المكتبة الوطنية، دعت إليها أطراف أخرى، بعد مقاطعة المعرض الدولي للكتاب، كلها كانت تعبيراً عن المأزق الحقيقي الذي تعيشه الثقافة اليوم في بلادنا، والإهمال المُتَعَمَّد والمقصود من قبل الدولة، ومن قبل الأحزاب التي ظهر أنها كانت تفتقد لمشروع ثقافي واضح، وأن الثقافة، لم تكن بالنسبة لها، سوى تزكية لخطابها السياسي.
فأن يمر من وزارة الثقافة وزيران، من نفس الحزب، وهما عضوان في اتحاد كتاب المغرب، ومثقفان، دون أن يكون لهما تصوُّر واضح للشأن الثقافي، أو دون أن يتركا وراءَهُما أثراً لمشروع وطني، أو لسياسة تَخُصُّ الثقافة، أو يعملان على وضع الثقافة ضمن السياسة العامة للدولة، أو ضمن البرنامج العام للحكومة، فهذا يعني؛ أولاً، أنَّ الحزب الذي وضعهما في هذا المكان ليس له تصور ثقافي، أو أنَّ الثقافة لا تعني له شيئاً، قياساً بغيرها من الاهتمامات الأخرى، وثانياً، أنَّ اتحاد كتاب المغرب، الذي جاء منه الوزيران، هو الآخر، لا يملك هذا التصور، وليست له أفكار محددة، يمكن أن تكون أرضاً لهذا المشروع، وثالثاً، أن الوزيرين، باعتبارهما مثقفين، يفتقدان لوضوح الرؤية بشأن الثقافة، واكتفيا بتنفيذ برامج، ليس لها أفق ثقافي مشترك، كما لو أنَّ الوزارة هي جمعية مثل باقي الجمعيات من حيث طبيعة البرامج والأنشطة التي تقوم بتنفيذها، ليس أقل.
أي دور كان للأحزاب، في ما اقترحته من إضافات أو تعديلاتٍ على الدستور، فيما يتعلق بالشأن الثقافي؟ وهو ما يسري على المنظمات الثقافية، المعنية، قبل غيرها بكل ما له علاقة بالثقافة؟ ما الذي أضفاه الدستور الجديد على الثقافة من أهمية؟ وهل للثقافة مكان محدد في هذا الدستور، فحين يشير الدستور إلى ‘سياسة لغوية وثقافية فاعلة ومنسجمة’ وإلى ‘مجتمع المعرفة’، وفق أي منظور، ووفق أي آلياتٍ للعمل؟ فالإشارة إلى ‘إحداث مجلس وطني [وليس أعلى] للغات والثقافة المغربية’، فيه كثير من الالتباس، ولا يعفي طبيعة هذا المجلس من الاختلال في عمله، وفي التأويلاتِ، التي يمكن أن تفضي بالمجلس إلى العمل في وفق إطار عام، مُلْتَبِس وغير واضح.’ البيان الديمقراطي’، لم يكن بيانَ حزبٍ أو بيان مؤسسةٍ سياسيةٍ، في تسميته ما يُشير إلى أنه بيان سياسي، لكن الموقعين عليه، هم مثقفون، أو بعض المثقفين، ممن يعملون في مجالات الفكر والنقد والإبداع، للسوسيولوجيين والأنثربولوجيين مكانهم في البيان. جاء البيان، في سياق ما تقترحه هذه الفئة من المثقفين، دون غيرهم، من أفكار، حول التعديلات الدستورية الأخيرة. البيان جاء متأخِّراً، وهذا في حد ذاته يشي بكثير من الأسئلة، وعلامات الاستفهام، رغم أن المؤسسات الثقافية المعنية بالشأن الثقافي قدمت مقترحاتها، بطلب من اللجنة المكلفة بتعديل الدستور، كما أن البيان كان استعادةً لمجمل ما كان مُتداولاً في النقاش العام، وفي ما اقترحته بعض الأحزاب والمنظمات، ثم أن البيان، ظلَّ قريباً من السياسة، بعيداً عن الثقافة، وعن انشغالات المثقفين، ما يعني، مرةً أخرى تأجيل السؤال الثقافي، لصالح ما هو سياسي. لغة البيان، هي نفسُها اللغة التي كُنَّا نسمعها في البيانات الختامية لمؤتمرات اتحاد كتاب المغرب. ماضٍ يَسْتَعيد نفسه من خلال حاضرٍ، لم يعد يقبل التكرار، أو البقاء في نفس المربع، ليست شروط أواخر القرن الماضي، هي نفس شروط بدايات الألفية الثالثة، بأسئلتها، وطبيعتها المعرفية والثقافية.
بدل أن يكون البيان، كما انتقدناه في مقال سابق، خطوةً إلى الأمام، عاد خطواتٍ إلى الوراء، وعمل على تكريس الفُرْقَة والإقصاء والتشردم، في صفوف المثقفين، ولم يكن ذا فائدةٍ، في ما جاء في مشروع الدستور، لأنّ البيان صدر بعد انتهاء الأجل الذي المحدد لتقديم الاقتراحات، وهذا في حد ذاته يدل على جدية، واهتمام الموقعين على البيان، وحرصهم على مواكبة ما يجري! ليست الثقافة، قيمةً مضافةً، وليست ورقةً تُسْتَعْمَل عند الحاجة. فالثقافة طريقٌ، أو هي الماء الذي يُضْفِي الحياة على باقي قطاعات الحياة اليومية، وهي الدّمُ الذي بدونه يفقد المجتمع حيويته، ويصبح بلا معنى، أعني بلا حياة. في الفكر، في الإبداع، في الصورة، وفي تعبيرات الجسد، وغيرها من التعبيرات الجمالية المختلفة، يمكن أن نُعَبِّرَ عن فرادتنا، وعن رؤيتنا للواقع، وعن اختلافاتنا. لكن حين يتعلق الأمر بالشأن العام، وبتعاملنا مع الدولة، أو مع بعض مؤسساتها، أو ما يخص السياسة العامة للبلاد، أو التفكير في أرضيةٍ، أو أفقٍ لمشروع ثقافي، هنا علينا أن نترك الحسابات الصغيرة جانباً، لننظر إلى المستقبل، إلى ما يمكن أن نتركه لمن سيأتي بعدنا من قِيَمٍ، ومن تشييداتٍ، بدونها سنبقى رهيني حاضر لا مستقبل له. هذا يسري على السياسة، كما يسري على حسابات المسؤولين في القطاعات الحيوية، ومَنْ يضعون الخُطَط والبرامج، والمنتخبين ممن أَمَّنَهُم الشعب على خبزه ومائه.