انتخابات تونس خطوة مهمة نحو الاستقرار

حجم الخط
1

يسألني عديدون من القراء والأصدقاء، لماذا التركيز في ما أكتب من مقالات، على القضية الفلسطينية، وما يدور في الداخل الإسرائيلي وانعاكساته على الصراع؟ ولماذا لا أتناول القضايا العربية والدولية عموما؟ واقع الأمر أنهم محقون في جزء مما يقولونه وليس كله.
صحيح، أن معظم مقالاتي أكتبها عن الموضوعين المعنيين، لكنني أتناول قضـــايا أمتنا، وأهم القضايا الدولية (من وجهة نظري بالطبع) ولو بشكل أقل. أيضا فإن زحمة الأحداث وتسارعها، لا تكفي تغطيتها وتحليلها، مقالة يومية للكاتب نفسه. التقصير ليس ناتجا عن عدم اهتمام بقضايا أمتنا الواحدة من المحيط إلى الخليج.. وإنما عن كثرة الأحداث ومحدودية المقالات المتفق عليها مع الصحف التي أنشر فيها. منذ تسلل الوعي إلى ذهني نشأت على التربية الوطنية القومية الديمقراطـــية التقدمية الأمميــة الإنسانية الجوهر، لذا فالعروبة عنوان رئيسي في مفاهيمي، وأرجو أن أكون قد أوضحت لأولئك الاصدقاء، حقيقة الأمر.
من ابرز الأحداث العربية خلال المرحلة الحالية هي: الانتخابات التونسية، نظرا لأنها تشكل خطوة مهمة، وشوطا يختصر مسافات، نحو تحقيق الاستقرار في هذا البلد العربي، خاصة أن مجموع القوى السياسية التونسية تجاوزت، وإن بمعاناة وضحايا غير قليلة، مخاطر عديدة ومحنا كثيرة مرّت بها وما تزال، بلدان ما اصطلح على تسميته بـ»الربيع العربي»، ولولا وعي الاحزاب التونسية لكان من الصعب تجاوز تلك المخاطر.
ما يلفت النظر في تونس تعدد الاطياف السياسية وتنوعها الفكري الايديولوجي، والسياسي وكثرتها العددية، خاصة بعد الثورة في عام 2011. قبل الثورة، ووفقا لمتابعاتي للوضع التونسي… فإن الأحزاب التونسية تراوحت بين السبعة والثمانية، أما الحزب المهيمن فهو «التجمع الوطني الدستوري». مرحلة ما قبل الثورة شهدت نشاطات واسعة «للاتحاد العام التونسي للشغل» باعتباره المركز النقابي الأساسي، والمركزي في تونس. هذا الاتحاد عريق في تاريخه ونضالاته، لم يؤثر عليه خروج البعض منه، وانشاء ثلاثة اتحادات أخرى تحت مسميات شبيهة. مرحلة ما بعد الثورة شهدت تدفقا واسعا وتوجها لانشاء الأحزاب، فاق عددها المئة، لكنها تتمحور في الاتجاهات التالية: الإسلامية، الوطنية القومية العربية، اليسارية، الليبرالية والبيئية.
بعد الثورة جرى تشكيل ائتلاف الترويكا الحاكمة من حركة النهضة، المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات. شهدت أطراف الترويكا تجاذبات عديدة في ما بينها من جهة، وبينها وبين احزاب وقوى المعارضة من جهة أخرى، التي أصرّت على إيصال مهدي جمعة إلى رئاسة الوزراء، خاصة بعد اغتيال المناضلين المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وتنظيم المعارضة لتظاهرات عارمة في تونس والمدن الأخرى. قبول الترويكا (والنهضة تحديدا – كونها الطرف المؤثر ولها 90 نائبا في المجلس الوطني التأسيسي) بمطلب المعارضة، إيمانا أو تكتيكا لمنع الوضع من المضي قدما نحو التغيير الراديكالي، أزاح فتيل أزمة كبيرة، كان من الممكن أن تسير بتونس إلى مزالق عديدة.
ما يسترعي الانتباه في الانتخابات التونسية أيضا، كثرة عدد المرشحين، فحتى كتابة سطور هذه المقالة بلغ عدد المرشحين 10. من بينهم الباجي قائد السبسي رئيس حزب «نداء تونس»، أحمد نجيب الشابي رئيس الهيئة السياسية للحزب الجمهوري. من المرشحين المستقلين الكاتب والصحافي، الصافي سعيد. كما ترشح للانتخابات ستة مسؤولين سابقين في عهد بن علي، أغلبهم وزراء سابقون، منهم: مصطفى كمال النابلي وزير التخطيط والمحافظ الأسبق للبنك المركزي. كمال مرجان وزير الدفاع ومن ثم الخارجية، الذي كان قد تقدم باعتذار عام 2011 للثورة.. احتمالات كبيرة بان يترشح للانتخابات كل من، حمة الهمامي أحد قيادات الجبهة الشعبية، سليم الرياحي رئيس حزب «الاتحاد الوطني الحر». كما أنه من المؤكد أن الرئيس المؤقت الحالي المنصف المرزوقي سيترشح للانتخابات، من قبل حزب المؤتمر. رئيس الحكومة المؤقتة الحالية المهدي جمعة نفى إمكانية ترشحه للانتخابات. الانتخابات الرئاسية ستجرى في يوم 23 نوفمبر/تشرين الثاني القادم، أما الانتخابات التشريعية فستجرى يوم 26 أكتوبر/تشرين الاول الحالي.
المعارضة التونسية سبق لها ان قامت بتشكيل جبهة الإنقاذ الوطني، وهي تتألف من الجبهة الشعبية المكونة من مجموعة من القوى القومية واليسارية، وعدد من الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية واليسارية، إضافة إلى 16 منظمة مدنية وحقوقية. وجبهة الإنقاذ لها دور نضالي بارز في الحياة السياسية التونسية، وصوتها مسموع ليس على الصعيد المحلي فحسب، وإنما أيضا على الصعيد الخارجي. القضية الفلسطينية قضية مركزية لها، كما للغالبية من الاحزاب التونسية، وعموم الشعب التونسي بلا استثناء، وهذا ما لمسته بأم عيني في تونس في العهد الجديد، في أبريل/نيسان عام 2011، في المظاهرة ـ المسيرة ـ التي امتدت بضعة كيلومترات، وقد زرت تونس حينها وكانت آخر مرة، بدعوة من الهيئة الوطنية للمحامين، والرابطة التونسية لحقوق الإنسان، للمشاركة بمحاضرة عن يوم الأرض في الاحتفاء بالذكرى السابعة والثلاثين له، الذي تم في العاصمة التونسية بتنظيم من الطرفين.
مسيرة تونس في يوم الأرض الفلسطينية الخالد ذلك العام، للتضامن مع الشعب الفلسطيني، كانت حاشدة وأكثر من رائعة، جاءت بعد انتهاء أعمال المنتدى العالمي الذي جرى انعقاده في تونس، والذي دعى إلى القيام بالمسيرة، على امتداد شارع الحبيب بورقيبة وعلى مسافة ما يزيد عن أربعة كيلومترات، كنت ترى جماعات مختلفة من كافة البلدان على صعيد القارّات الخمس، يهتفون لفلسطين ويحملون أعلامها، وعلى صدورهم شاراتها. كانت فلسطين ذلك اليوم قبسا من نور، ظل يرتفع حتى اخترق عنان السماء. ما أجمل أن ترى كل الناس من الإخوة العرب وعلى الصعيد الدولي، يهتفون لقضية شعبنا الفلسطيني، مؤكدين على انتصاره وهزيمة أعدائه من الصهاينة والإمبرياليين وأعوانهم.
مجمل القول إن كثرة الاحزاب التونسية وتنوعها كما عدد المرشحين، دليل صحة وعافية في الوضع التونسي. هي تثبيت للديمقراطية الحقيقية، شريطة الالتزام بالنزاهة في إجرائها. كما انه يمكن القـــول، ان حــــركة النهضة بزعامة رئيسها راشد الغنوشي استفادت من تجربة الإخوان المسلمين في مصر ولم تكررأخطاءهم، فلا مجــــال في عصرنا الراهن سوى للتوافق الوطني وتعميق الديمقــــراطية شكلا ومضمونا ونهجا، والابتعاد عن سياسة الاحتكار السياسي للسلطة من طرف ما، حتى لو حاز تأييدا كاسحا من غالبــية الشعب، خاصة بعد فترة الحراكات الشعبية العربية. الإرهاب بكافة فصائله في تونس وامام التوافق الوطني، لا بد أن ينهزم مهما بدا قويا.
نتمنى لتونس العروبة كل الاستقرار والتقدم، وإجراء انتخابات ناجحة تشكل درسا عربيا في الديمقراطية بامتياز. تظل صناديق الانتخاب هي الحكـــم، والفصل بين الامتداد الجماهيري لكافة ألوان الطيف السياسي في الشــارع التونسي.

٭ كاتب فلسطيني

د. فايز رشيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية