تبدّل مسار المعركة لمصلحة السرّاج لن يُطوِّع حفتر وداعميه
في نيسان/إبريل 2019 كانت قوات المشير خليفة حفتر التي تُعرف بـ”الجيش الوطني الليبي” وتسيطر على الشرق الليبي تزحف نحو الغرب، في وهم القدرة على انتزاع العاصمة طرابلس من قوات حكومة الوفاق المعترف بها دولياً. يومها سقطت بيدها مدينتين استراتيجيتين على الساحل هما صبراتة وصرمان (75 كيلومتراً و60 كيلومتراً غرب طرابلس). في نيسان/إبريل 2020 استعادت قوات “حكومة الوفاق” التي يرأسها فايز السراج هاتين المدينتين. قبل سنة، اعتُبر التحوّل الميداني تطوراً في معادلة الصراع العسكري لمصلحة حفتر، واليوم يُعتبر هذا التحوّل تطوراً لمصلحة السرّاج.
هي لعبة كر وفر في الحروب المشتعلة، لكن المعضلة في الحرب الليبية أن ثمّة عوامل عدّة تتحكّم بها، وسط أفق يزداد انسداداً. انتصار حكومة الوفاق دفعها على الفور إلى إعلان رفض الجلوس مع المشير إلى طاولة المفاوضات السياسية، وسيفتح شهيتها لمواصلة التقدّم العسكري لاسترداد مدن جديدة من “الجيش الوطني الليبي”. خسارة حفتر حكمتها ردّة فعل من جانبه تمثلت بقصف عشوائي على مناطق وأحياء سكنية في العاصمة، ولن يستكين للهزيمة.
ليست ليبيا أمام نهايات حرب أضحت، منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حرباً أهلية بامتياز، وساحة تصفية حسابات إقليمية وتدخلات خارجية، وصراع مشاريع سياسية. ما يُفاقم من حراجة الوضع، انخراط أطراف النزاع في الحرب بدل تلقف الدعوات الأممية لوقف النار في المناطق الساخنة في العالم، أقله لمواجهة جائحة كورونا التي جعلت الإنسان يتوجّس خيفة حتى من التقاط أنفاسه. ويأتي هذا التخبّط، فيما يُسجّل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش عجزاً عن تعيين ممثل له إلى ليبيا خلفاً لغسان سلامة، بعدما جوبه اقتراح تعيين وزير الخارجية الجزائري السابق والدبلوماسي المخضرم رمضان العمامرة باعتراض متعدّد الأضلع (أمريكي – روسي – فرنسي) وبعدم حماسة جزائرية لتوليه هذا المنصب.
فوسط عجز المنظمة الدولية، يقف حفتر مدعوماً عربياً من قبل مصر والإمارات بعنوان محاربة الإسلام السياسي، ودولياً من قبل الروس والفرنسيين – من تحت الطاولة – مع ما يتوفر له من إمكانات مادية وعسكرية وبشرية، إضافة إلى ما يدور في خلده من أنه قادر على السيطرة على طرابلس، وبالتالي على كامل الأراضي الليبية، مع شغف غير محدود بالسلطة، بينما يقف على الضفة الأخرى السراج مدعوماً مباشرة من قطر وتركيا مُعززاً بمئات المقاتلين السوريين والمسيّرات والعتاد العسكري، ويحظى بدعم خجول من أمريكا المنكفئة أصلاً، متمسكاً بالدفاع عن شرعية حكومته المعترف بها دولياً، وتالياً عن وجوده.
في رأي المبعوث الأُممي الأسبق طارق متري، أنه ِ”حين يكون الصراع على السلطة بهذه الحدّة، والمتصارعون يملكون أدوات مواصلة الصراع، من السلاح والمال والرجال، لن تقف الحرب، إلا إذا جاءت قوّة خارجية رئيسية وكفّت تدخلات الآخرين، أو إذا حدث ضغط حقيقي من المجتمع الليبي على طرفي الصراع الليبيين لإيقاف القتال وقيام حوار وتسوية، فبما أن لا هذا حصل ولا ذاك حصل، فسيتقاتلون إلى ما شاء الله”.
فتلك القوة الخارجية المرجوّة هي عملياً الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها لا تُعير المسألة الليبية كبير اهتمام. ففي زمن باراك أوباما الذي تدخّل مع حلف الأطلسي للإطاحة بالقذافي، قفلت واشنطن عائدة بعد سقوط النظام القديم، ولم تُسهم في لعب الدور الفعّال لإرساء الاستقرار السياسي في البلاد، فيما دونالد ترامب يدير ظهره للمنطقة العربية، وفي حال انكفاء عن العالم. أما الضغط المجتمعي الداخلي، فلا يزال مفقوداً.
تقهقر مفهوم التسوية، يعزوه متري من خلال تجربته الدبلوماسية التي قادته إلى توثيقها في كتاب “مسالك وعرة – سنتان في ليبيا ومن أجلها” إلى بعدٍ ثقافي يعود إلى “منطق المغالبة” السائد في الحياة العامة الليبية غير المعتادة على منطق التسوية القائم على مبدأ التنازل، ربما لأنه مجتمع قبلي، وربما لأن هذا البلد لم يعرف السياسة أصلاً منذ 45 سنة، بل اعتاد على الاستئصال العنفي.
يتعقّد المشهد الليبي المفتوح على أطماع نفطية. البعض يُدرج ما يجري في ليبيا في خانة الصراع على النفط، لكن بعضاً آخر يرى تأثيره نسبياً، انطلاقاً من أن النفط مُتقاسَم، وكل من إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وأمريكا لديها حصصها، والحال اليوم كما كانت تقريباً أيام القذافي. على أن ثمة تبدلاً ليس بسيطاً، فإلى أنقرة وطموحها النفطي، هناك وجود لنفوذ جهوي ومناطقي في المعادلة الأصغر، حيث أن قوى محلية قادرة، ساعة تشاء، على أن تحتل منشأة لإيقاف ضخ النفط فيها، وحيث أن الخلاف حاضرٌ باستمرار على “المؤسسة الوطنية للنفط” الموجودة في طرابلس والخاضعة لحكومة السراج، التي تُدير عائدات النفط الواقعة آباره في الشرق الليبي. ذلك أن الخسائر المالية لإغلاق المنشآت منذ كانون الثاني/يناير الماضي فاقت الأربعة مليارات دولار وتُنذر بالأسوأ.
وقد أضحى قطع النفط والمياه والكهرباء عن العاصمة جزءاً من أوراق الضغط وليّ الذراع في النزاع. ورغم ذهاب رئيسة الأمم المتحدة بالوكالة إلى وصفه بـ”وسيلة العقاب الجماعي” فإن المواقف لا تتعدى عملياً الإدانات الكلامية وسط الانشغال العالمي بجائحة كورونا.
هذا الواقع، سيدفع إلى مواصلة قتال الليبيين إلى ما لا نهاية، ما دام لا رادع يوقف النزف المستمر، وما دام المال والسلاح والرجال والدعم الخارجي مُؤمّنين وشهوة السلطة هي الغالبة، ستزداد معالم الدولة الفاشلة في تلك الدولة الأفريقية بما لها من ارتدادات داخلية وخارجية. فلا انتصار السراج ولا خسارة حفتر يمكن البناء عليها راهناً، في هذا الوقت المستقطع من اهتمام اللاعبين الخارجيين. سنشهد جولة جديدة بعد حين في إطار الصراع على السلطة وعلى مَن سيحكم ليبيا إلى حين أن يتعب الجميع، ويأتون إلى طاولة المفاوضات من دون أوهام إلغاء الآخر.