المتغير الوحيد وصول كورونا واستمرار الفصام بين الشرق والغرب
في الظروف العادية كان على جنرال سابق يحظى بدعم أمريكي وروسي ومن دول أوروبية ومسلح بعتاد تشتريه له قوى إقليمية، أن ينتصر في حربه ضد منافسيه الذين لا يملكون دعما إلا من دول قليلة. ولكن ليس هذا هو حال الجنرال خليفة حفتر قائد ما يعرف بالجيش الوطني الليبي عندما قرر قبل عام الهجوم على العاصمة الليبية طرابلس. وظن في حينه أن هجومه المفاجئ يعني سقوط حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا. وكان هجومه صاعقا ومفاجئا، ليس لأنه جاء في وقت كان فيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غويترش يحضر لمؤتمر مصالحة، بل لأن أمريكا وبدعم من حلفاء حفتر في المنطقة، مصر والإمارات أعطته “ضوءا أصفر” لهجومه، لا أخضر ولا أحمر. كما أخبرنا الصحافي الأمريكي ديفيد كيركباتريك في تحقيق بصحيفة “نيويورك تايمز” (14/4/2020) حيث فصل محاولات كل من مصر والإمارات العربية تسويق الجنرال حفتر للإدارة الأمريكية، ووجد مسؤولو البلدين أذنا صاغية لدى مستشار الأمن القومي في حينه جون بولتون واتصال الرئيس دونالد ترامب بحفتر حيث ناقش معه الحرب على الإرهاب.
وفي هذا لعبت الولايات المتحدة لعبة مزدوجة، فهي تؤيد حكومة الوفاق الوطني بزعامة فائز السراج من جهة وتدعم الجنرال المتمرد، حفتر من جهة أخرى. والنتيجة كما يقول كيركباتريك أن الولايات المتحدة خسرت الساحة وتركتها لروسيا التي تبنت حفتر أولا ونقلته إلى بارجة حربية غادرت سوريا في طريقها إلى روسيا لكي يجتمع في مكالمة بالفيديو مع وزير الدفاع الروسي. مع أن روبرت فيسك أخبرنا في مقاله بصحيفة “إندبندنت” (16/4/2020) وبلغته المراوغة، أن حفتر لم يحصل من روسيا إلا على مرتزقة، وأن ولاء بوتين لا يزال مع الأسد لا مع الجنرال السابق وصديق “سي آي إيه” فالرئيس الروسي لم يقرر وضع قواته في رمال ليبيا بعد.
انتصار سريع
عندما قرر حفتر الهجوم في 4 نيسان/إبريل على العاصمة طرابلس كان ضامنا أنه بعربات حليفته الإمارات والمال الخليجي والإسناد المصري الانتصار وسريعا على حكومة السراج، كان واهما فقد علق لعام أو أكثر في رمال العاصمة لا يتقدم أو يتأخر. وأمطرها بالقصف الجوي والبري وقتل الآلاف وشرد مئات الآلاف جراء مقامرته. وفي الأيام الأخيرة خسرت قواته التي هي مزيج من القبائل التي اشترى ولاءها بالمال ومن عناصر موالية للقذافي التي شجعت على العودة بدعم روسي عددا من المواقع والبلدات في غرب ليبيا.
وكشف كيرباتريك أن موسكو دعمت حفتر إعلاميا وعسكريا من خلال قوات المرتزقة التابعة لشركة فاغنر للتعهدات الأمنية المعروفة بنشاطاتها في أوكرانيا وسوريا وعدد من الدول الافريقية. كانت روسيا الطامحة بتعزيز مكانتها في ليبيا واستعادة ما خسرته بعد الإطاحة بنظام القذافي، تعرف عبثية هجوم حفتر وأنه فاشل لا محالة، فقد أظهرت وثائق اطلعت عليها “نيويورك تايمز” كتبها عملاء للكرملين في طرابلس، قالوا فيها إن جيش حفتر الضعيف والقليل العدد سينهزم بالتأكيد لو حاول غزو العاصمة. ولكن العملاء أوصوا موسكو الاستفادة من ضعفه وزيادة نفوذها عليه لو أرسلت مرتزقة لدعم جيشه. وقال العملاء “ستحصل روسيا على حليف قوي وموال في بنية الجيش الوطني الليبي”. ولعبت روسيا مثل أمريكا لعبة مزدوجة، حيث دعمت بالإضافة لحفتر نجل العقيد القذافي، سيف الإسلام الهارب وحصلت على حصة في شبكة تلفزيونية موالية للقذافي وقدم عملاؤها نصائح للشبكة الموالية لحفتر أيضا. وعمل الجيش الروسي من خلف الستار وأحاط حفتر بعدد من شركاء روسيا القدامى الذين عملوا في قوات القذافي الأمنية، فيما شجعت شلة القذافي على العودة من الخارج. وفي المحصلة وجدت أمريكا نفسها على الأرضية نفسها التي تقف عليها روسيا.
تناقض الحرب على الإسلاميين
جرى التسويق لحفتر الذي أعلن عام 2014 أنه طهر طرابلس من الإسلاميين قبل دخول ترامب البيت الأبيض، وتبنى قضيته ولي العهد في أبو ظبي، محمد زايد في اجتماع مع فريق السياسة الخارجية التابع لترامب في لقاء سري عقد بنيويورك في كانون الأول/ديسمبر 2016. كما حمل عبد الفتاح السيسي، الرئيس المصري الذي وصفه ترامب بـ “ديكتاتوري المفضل” قضية حفتر معه إلى البيت الأبيض عندما التقى مع ترامب. وكانت ثيمة الرجلين هي أن حفتر سيمنع وصول الإسلاميين للحكم وأن سيطرته على طرابلس تعني وقف الدومينو الإسلامي. ولكن الزعيم الذي يريد تطهير ليبيا من الإسلاميين وسحقهم أقام تحالفا سريا مع حركة المدخليين التي تتبع أفكار المتشدد السعودي ربيع بن هادي المدخلي. ولكن السيسي وبن زايد تجاهلا علاقة حفتر مع هؤلاء. قيل في الوقت الذي أعلن فيه حفتر عمليته أنه قام بتوحيد كل القوى المعادية له، وجاءت كلها للدفاع عن حكومة السراج التي اتسم أداؤها بالضعف ولكنها لم تكن راغبة بسيطرة حفتر وحلفائه على العاصمة طرابلس ولهذا قاتلت بشدة، بحيث دخلت الحرب وضعا مسدودا، حاول فيه المرتزقة الروس وغيرهم من السودان كسره بدون نجاح. والسبب هو أن الرسائل الأمريكية المشوشة تركت الساحة الليبية مفتوحا للاعبين الإقليميين.
تركيا تعيد التوازن
ومن هنا دخلت تركيا الطامحة في تأمين مصالحها بمنطقة شرق المتوسط ومنع المحور المصري-الإسرائيلي-القبرصي من السيطرة على مناطق الغاز الطبيعي في البحر المتوسط، ولهذا أعلنت عن دعمها وتدخلها إلى جانب السراج مقابل التوقيع على معاهدة لترسيم الحدود البحرية لليبيا ما منح أنقرة الحق بالتنقيب على الغاز، ولعب الدعم التركي والمرتزقة الذين جلبتهم من سوريا دورا في حرف مسار الحرب لصالح حكومة الوفاق التي حصلت على طائرات بدون طيار مصنعة في تركيا. وبات هذا واضحا في الخسائر الأخيرة التي تكبدها جيش حفتر وسيطرة حكومة الوفاق على مدينة صبراتة ومحاصرتها قاعدة الوطية الجوية. ولو انسحبت قواته منها فستكون أكبر خسارة له منذ إعلانه عن الهجوم على طرابلس. ونقل موقع “بلومبيرغ” (17/4/2020) عن مصدر تركي قوله إن التدخل التركي أدى لتحقيق توازن في المعركة وعزز من موقف الحكومة، لكن حلفاء حفتر لن يتنازلوا وسيعزز المصريون والإماراتيون من الدعم لقواته، وهذا يعني إطالة أمد الحرب على المدنيين الذين عاقبهم حفتر بالقصف الجوي ونار القناصة ومحاصرة الموانئ النفطية بشكل خفض من تصدير النفط الليبي.
وصل كورونا
وفي بلد يخشى من وصول فيروس كورونا الذي يعيث فسادا في أنحاء العالم حرمه حفتر من الماء النقي والغاز الطبيعي. ونقلت صحيفة “فايننشال تايمز” (12/4/2020) عن مسؤولين في مجال الإغاثة الإنسانية عن مخاطر حقيقية على السكان الذين باتوا يواجهون وضعا “قياميا” وسط تسجيل 49 حالة إصابة بفيروس كورونا ووفاة واحدة. ويواجه النظام الصحي الليبي مصاعب بسبب الحرب ولا يستطيع الكشف المبكر عن حالات كوفيد-19 التي قد تكون أعلى من المسجلة حاليا. واندلاع وباء وسط الحرب سيكون كارثة نظرا لتعرض المستشفيات للقصف كان آخرها مستشفى الخضراء في العاصمة الأسبوع الماضي. وكانت المخاوف من انتشار واسع للفيروس هي التي دعت الأمين العام للأمم المتحدة الأطراف المتحاربة إلى وقف إطلاق النار والتفرغ لمعالجة الأزمات الصحية والاقتصادية التي يتركها الفيروس. وتساءلت بداية الشهر مجلة “فورين بوليسي” (7/4/2020) عن إمكانية حدوث تعاون بين الأطراف المتحاربة لمحاربة الفيروس. وقالت إن وصول الفيروس إلى جبهات القتال يعني فتح المدنيين العزل على مواجهة بدون سلاح أو قدرة لهم على مواجهتها. وبعد فشل التدخلات الخارجية في حسم المعركة لصالح طرف بات من المحتوم على المتنازعين وضع سلاحهم والتفرغ لمواجهة عدو مشترك وهو فيروس كورونا. والمشكلة هي أن الداعمين الخارجين لطرفي النزاع معنيون باستمرار الحرب طالما لم يحقق أي منها النصر الحاسم. وبالتأكيد فتقدم قوات حكومة الوفاق يعني استمرارا للدعم من الإمارات ومصر لقوات الجنرال. وبالضرورة استمرار دوامة الحرب بدون نهاية أسوة بما يجري في اليمن وسوريا اللتان تعيشان حروبا متعددة وتدخلات أجنبية منذ 2011. ويجب ألا يفوتنا أن مصالح الدول الخارجية باتت تتفوق على مصالح الليبيين الذين باتوا مثل السوريين واليمنيين متفرجين على حروب لا ناقة لهم فيها ولا بعير. وترى مجلة “فورين بوليسي” أن الحرب ضد فيروس كورونا قد يؤدي إلى بناء تعاون بين حكومتي البلد المتحاربتين من خلال المركز الوطني للسيطرة على الأمراض ومنعها والذي سيكون بمثابة رابطة تمر من خلالها المساعدات الإنسانية إلى الشرق والغرب من البلاد وتوفير المعدات والفحوص لكل الليبيين وبرعاية من الأمم المتحدة. وسيطلب بناء على هذا الموقف من حكومة الوفاق وحكومة طبرق تقديم لفتات حسن نية لدعم الحرب على كورونا، وعلى شكل زيادة كميات النفط التي تصل إلى العاصمة وأموال عبر المصرف المركزي توزع عبر المركز الوطني على منطقة الشرق. وهذا مقترح تفرضه أزمة كوفيد-19 لكن المتحاربين الواهمين بالنصر القادم لا يهتمون بخيار كهذا، فالحرب بالنسبة لهم كفيروس كورونا مسألة حياة أو موت. بل على العكس كان التصعيد الأخير في المعارك بين الطرفين مدفوعا بفكرة أن العالم المنشغل بمحاربة الفيروس لن يشجب الصراع المتجدد. وكما قالت صحيفة “واشنطن بوست” (13/4/2020) إن كل طرف في الحرب يحاول زيادة الضغط وسط غياب أفق التسوية السياسية. ولم يتبق لكل منهما سوى أوراقه للضغط على الطرف الآخر للاستسلام أو زيادة أوراق نفوذه على الأرض. وفي النهاية سيظل الانقسام قائما فالشرق هو الشرق والغرب هو الغرب ولن يلتقيا، هذا إن استعرنا عبارة الشاعر الإنكليزي ردويارد كيلينغ. فحفتر سيظل متمسكا بطموحاته رغم فشله في السيطرة على العاصمة ولن يتقدم نحوها في المدى القريب أو أي مدينة كبرى في الغرب، أما السراج الذي انحرف ميزان الحرب لصالحه فقد استبعد في خطابه المتشدد أي تسوية مع حفتر الذي يعتقد أنه خانه أكثر من مرة. وفي النهاية سيظل خيار الحرب أو الانفصام بين الشرق والغرب في ليبيا قائما.