عساف حين «نط عن الحيط» وهيفاء وممثلات مصر وملك السويد في محطة بنزين

■ ونبدأ من حيث انتهى الزميل بسام البدارين في مقالته الأخيرة على هذه الزاوية مطلع الأسبوع، حيث أشار في قفلته إلى خلافي مع الفنانة أحلام، وهو خلاف من طرف واحد طبعا (وهو طرفي أنا)، فالزميل والصديق المناكف بطبعه وتركيبته قام كعادته التحليلية بتشريح الحالة «الأحلامية» على محطة «أم بي سي»، وتوصل إلى أن انتقاد أحلام المستمر يشكل تغذية مفيدة لعملية الإنتاج في المحطة، مما يجعل قيمة البرنامج تتناسب طرديا مع زيادة منسوب «الهبل والاستهبال» فيه.
ملاحظة الزميل الذكية حول النسبة والتناسب في صناعة الترفيه على الطريقة العربية قد تكون في محلها فعلا، وقد تكون تلك الاستراتيجية أوسع من برنامج ترفيهي قادر على جذب الملايين كل أسبوع من خلال ميكانيكية استغفال مبرمجة على مزاج المتلقي العربي ومكلفة بإعادة برمجة أعصابه بما يتلاءم مع احتياجات المنطقة والإقليم لخلق غيبوبة جماعية كافية لإعادة برمجة الجغرافيا برمتها.
مما يجعلني وبعد أن أتوغل أكثر في نظرية المؤامرة، أتساءل إن كان ابن غزة «محمد عساف» والذي يصفه أحد الأصدقاء بأنه الشخص الأكثر حظا من «كوكب فلسطين» ليس أكثر من إبرة مورفين طويلة الأثر في شرايينا العربية !
مشكلة الزميل البدارين أنه قادر على إشعال النار في أي غابة تساؤلات، ليغادر بعد الحريق مباشرة.. دون المساهمة ولو بسطل ماء.. نصف ممتلئ حتى!

محمد عساف وسباق قفز الحواجز

وفي الحديث عن محمد عساف، أتذكر في الموسم الماضي من برنامج «آراب أيدول» قبل تحوله فعليا إلى «أحلام أيدول»، أن حكاية تواترت عن الفتى الفلسطيني الوسيم عساف، مفادها أن الشاب القادم من غزة إلى القاهرة وقد عانى أشد الصعوبات ليصل المحروسة ويشارك في تجارب الأداء، اصطدم أول ما اصطدم بالجموع البشرية الضخمة التي سدت منافذ وأبواب مكان الاختبارات، مما جعله يشكو لوالدته في غزة عبر الهاتف صعوبة الدخول، فما كان من أمه – حسب الحكاية المتواترة حينها – أن قالت له بلهجتها الحانية (نط عن الحيط يمَّة) بمعنى أن يقفز عن السور ليدخل!
وكان ما كان بعد أن «نط» عساف عن الحيط.. ليبدأ سباق تتابع وقفز عن حواجز ويصبح نجما في سماء الأغنية العربية وقد ألهبها أول مرة حين قام بتعلية الكوفية و «لولح» بها.
الحكاية قريبة من القلب، وإن ثبتت صحتها فهذا ينفي تورط «عساف» في نظرية مؤامرة كونية إمبريالية صهيونية أنجلو سكسونية تستهدف الوعي العربي، ربما لسبب بسيط جدا، هو أنه لا حاجة لاستهداف ما هو مفقود أساسا.
قال وعي عربي قال؟

هيفاء وهبي وأبو الطيب المتنبي!

في برنامج اسمه «المتهم» على فضائية «أل بي سي»، أتحفتنا هيفاء وهبي وهي الوريث الشرعي والوحيد لأبي الطيب المتنبي، بحمل لقب «مالئة الدنيا وشاغلة الناس» بما تيسر لها من جواهر ودرر الحكم التي تكرمت بها علينا من معين وينبوع خبراتها في الحياة !
في سياق شلال الحكم رفضت هيفاء مقولة إنها تخيف الممثّلات المصريّات بالقول: «ليه بدي خوّفن، أكيد نوع تمثيلي مختلف، وفي ممثّلات في مصر مهمّين وأنا معجبة بهنّ»! انتهى الاقتباس!
مشكلتي مع السؤال نفسه.. وكيف استطاع التسلل إلى عقل المتلقي أن صاحبة الصون والعفاف هيفاء وهبي أصبحت أسطورة في التمثيل لدرجة تخيف الممثلات المصريات!
شخصيا، لم أشاهد ما يمكن وصفه بتمثيل هيفا وهبي، إلا في فيلم «دكان شحاتة»، وقد أقحمها فيه المخرج خالد يوسف ربما كإجراء ذكي لجذب الجماهير، وكل ما أستطيع قوله إن «مؤهلات» هيفاء كانت بحضورها البارز أكثر من أدائها التمثيلي المتواضع!
وهذا يعيدنا إلى فكــــرة «الجمهـــور عاوز كدة».. ويجعـــلنا نتوسع في سوريالية الواقع العــربي فنعتقد بأن المتلقي العربي وقد أدمن الشاشة، أصبح أيضا مدمنا على رؤية واقع خيباته التي تبثها نشرات الأخبار، ليجد فيها انعكاس رغباته المفصومة في كل شيء من حوله.
يا ترى، هل كانت داعش إفرازا طبيعيا لرغبات هذا المواطن العربي المحشور بين كنبة وشاشة؟ هل جمهور المتلقين عاوز كدة فعلا؟

الأوطان إذ أصبحت كسورا عشرية

وفي الحديث عن الحرب على داعش، فإن وزارة الدفاع الامريكية أعلنت أن تكلفة القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا بلغت حوالي 424 مليون دولار بمعدل 7.6 مليون دولار يوميا.
يا سيدي خليها 7 ملايين دولار يوميا! لن نختلف على فرق الفراطة والكسور العشرية في أوطان أصبحت كسورا بحد ذاتها!
وبعيدا عن حقيقة من سيدفع الفاتورة في المحصلة، ألم تكن 7 ملايين دولار يوميا، كافية لمشاريع تنمية في مناطق الأزمات؟ فترفع القهر عن المسحوقين وتضعهم في خانة الإنتاج التنموي بدلا من خانة الارتجاج الدماغي؟
هل كنا بحاجة إلى 7 ملايين دولار تكاليف قتل؟ وربما نصف المبلغ يوميا مع عدالة في التوزيع وتوظيف استثماري جيد قادرة على أن تكون تكاليف حياة؟
يبدو أن «المخرج» عاوز كدة.. وليس الجمهور وحده فقط.

صياغة الملوك والملكات في الاستوديوهات العربية

وفي سياق «نحن وهم»، تداولت وسائل التواصل الاجتماعي صورة لملك السويد كارل غوستاف، وهو يقف في محطة بنزين، ويملأ الوقود لسيارته بنفسه، وقد ارتدى ملابس عادية جدا، وينظر لكاميرا عامل المحطة بابتسامة لطيفة.
الصورة، ربما لن تجدها على صفحة أي سويدي أو أوروبي، فهي أقل من عادية بالنسبة إليه، لكنها وجدت شعبية كبيرة على صفحات الـ»فيسبوك» العربية.
في سياق التعليقات، كتبت سيدة ما تعليقا على الصورة مفاده (.. يا أخي بشر غير شكل).. فكان الرد على تعليقها بتعليق من الزميل الكبير خيري جانبك – والمقيم في باريس مستمتعا بتقاعده – بسيطا ولماحا حين قال (..بل هم مجرد بشر). وهي إشارة لافتة إلى أن أصول الأشياء تكثفت في تلك الصورة، وفعلا، من كثرة ما عشنا الاستثناء الاعوج صرنا نرى الطبيعي شاذا والمألوف مستهجنا.
بالنسبة للسويد وغيرها من سكان كوكب «دول الرفاه الاجتماعي» فإن ملك السويد مواطن عادي له وظيفته الدستورية لا أكثر ولا أقل، وهذا يذكرني بزيارة لكوبنهاغن عاصمة الدنمارك قبل سنوات، سألت فيها مضيفنا من وزارة الخارجية ونحن أمام منزل الملكة، ممازحا: وماذا تفعل الملكة الآن لو قرعت الباب عليها؟
فرد ببساطة وجدية: الوقت الآن متأخر، لكنها بلا شك ستفتح لك الباب بنفسها وتسألك عما تريده!
سألته عن الخدم والحشم فقال لي إنه يعتقد أن دوامهم انتهى وأن الملكة تنام مبكرا لأنها تعمل أيضا في دار ترجمة ونشر!
مما يجعلني أعود إلى ما بدأت به، ردا على الزميل بسام بدارين، وقد رأى أني أرى النصف الفارغ من الكأس، متسائلا عن النصف الملآن.. خصوصا في الحديث عن ملوك وملكات حقيقيين، لا ملكات تمت صياغتهم في ستوديوهات الفضاء العربي وإعلامه المعلب.

٭ إعلامي أردني يقيم في بروكسل

مالك العثامنة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية