تعز ـ «القدس العربي»: تأثرت كافة مناحي الحياة المعيشية في اليمن خلال فترة الحرب الراهنة التي تمتد لأكثر من خمس سنوات، إلا عملية بيع وريقات القات التي يتناولها اليمنيون بشكل يومي كمنشط ذهني وجسمي لمزاولة أعمالهم الروتينية أو لقضاء وقت جميل بعد الظهيرة.
وذكر اقتصاديون ومزارعون لـ«القدس العربي» أن عمليات بيع القات لم تتأثر قط بالتدهور المعيشي والركود الاقتصادي الذي شهده اليمن خلال فترة الخمس سنوات الماضية من الحرب اليمنية، بل وأكدوا أن النشاط الاقتصادي لعملية بيع القات تضاعفت خلال فترة الحرب، نظراً لأن المقاتلين في كافة جبهات القتال والمواجهات المسلحة في الجانبين الحوثي والحكومي لا يستطيعون القتال والصمود في جبهات القتال إلا بتعاطي القات الذي يعطيهم طاقة مضاعفة في تحمل المتاعب والأعباء الشاقة في الجبهات.
وأوضحوا أن الميزانية الأكبر في تمويل جبهات القتال في الجانبين المتحاربين تذهب لشراء القات الطازج ودعم المقاتلين به بشكل يومي، والذي قد يطغى على توفير الطعام والمواد الأساسية الأخرى.
وقال قاسم عبد العليم، وهو سائق سيارات تسويق القات، لـ«القدس العربي» إنه يجتاز بسيارته كل الطرق المحظور مرورها من قبل بقية السيارات الأخرى، حيث «يعد سائق سيارة القات أشبه برسول السلام بين الجانبين، ينتقل من مناطق سيطرة القوات الحكومية الى مناطق سيطرة الحوثيين بكل سهولة ويسر والعكس كذلك».
وذكر أن المقاتلين الحوثيين يتعاطون القات الذي يصلهم من مناطق سيطرة الحكومة وكذلك القوات الحكومية تحصل على القات من بعض المناطق التي تسيطر عليها ميليشيا جماعة الحوثي، وأنه لمجرد وصول سيارات القات إلى أي نقطة تفتيش عسكرية للحوثيين أو للقوات الحكومية تمر بسلام وبسرعة، دون تفتيش أو تدقيق، فسائقوها معروفون لدى نقاط التفتيش ويحصلون على تسهيلات خاصة من الجنود أو المسلحين المرابطين في نقاط التفتيش مقابل منحهم بعض الرزم من أوراق القات.
يعبر كافة الطرقات المحظورة دون رقيب
أغلب أسواق المواد الغذائية والتموينية جفت مواردها وانخفضت الكثير من المواد الغذائية فيها، وارتفعت أسعارها لدرجة أصبحت أغلى من الإمكانيات والقدرات الشرائية للموظفين العاديين، نظراً لأن أغلب اليمنيين أصبحوا في حكم الفقراء والمعدمين نتيجة فقدانهم وظائفهم أو عدم تسلّم رواتبهم منذ أكثر من سنة، غير أن القات مازال يهيمن على الأسواق العامة بيعاً وتسويقاً، في كل المدن اليمنية من خلال تواجده في تلك الأسواق بحضوره الكبير، حيث تكتظ أسواق القات في وقت الظهيرة بالمتسوقين والمشترين له رغم كل المخاطر جراء انتشار جائحة كورونا المستجد والإجراءات الصحية المعلنة للحد من الازدحام في الأسواق والتقليل من التجمعات في الأماكن العامة.
وتقول الدراسات والإحصائيات الرسمية إن أكثر من 90 في المئة من اليمنيين الذكور يتعاطون القات إما بشكل يومي أو على الأقل مرة واحدة في الأسبوع، فيما تجاوز عدد المتناولين له من الإناث خلال فترة الحرب عتبة 40 في المئة، بعد أن كان تناوله من قبل الإناث محصوراً بكبار السن وبعض السيدات وزوجات المسؤولين اللواتي يتخذن من مجالس القات فرصة للتجمع اليومي في الديوانيات أو (مقايل) القات، كما يطلقون عليها في اليمن.
ويعمل في زراعة القات وتسويقه أكثر من نصف مليون يمني، وبالتالي أصبح مورداً اقتصادياً رئيساً لسكان القرى والأرياف في اليمن والذي يحسب له حسنة وحيدة في هذا الجانب، وهو «التدوير المالي» وانسيابية الأموال من المدن إلى الأرياف، حيث يعد مزارعو القات في الأرياف من الأثرياء نظراً للدخل العالي الذي يحصلون عليه من زراعة القات.
واتجه أغلب المزارعين اليمنيين في كافة المحافظات اليمنية إلى زراعة القات نظراً لعائداته المالية المرتفعة بأقل جهد ممكن وبإروائه بالماء مرة واحدة فقط، ولأنه يمكن أن ينتج ثلاث محاصيل في العام الواحد عبر رشه بمواد محفّزة وبعضها سامة من أجل تحفيزه على ذلك.
ونتيجة لهذه المواد السامة التي يتم رشها على شجرة القات قبل قطف المحصول، يصاب الكثير من المتعاطين للقات بأمراض سرطانية في الفم والحنجرة والمعدة، خاصة أولئك الذين لا يحرصون على تنظيف القات أو غسله قبل تناوله.
ولا تخلو عائلة في اليمن من حصول وفيات بين أبنائها بمرض السرطان بسبب تعاطيهم القات بشكل دائم، وهو ما أدى إلى أن تكتظ بهم المستشفيات في الأردن ومصر، نظراً لمحدودية مراكز معالجة الأمراض السرطانية في اليمن.
ويظل القات سيد الموقف في اليمن، الذي يتنافس على تناوله الغالبية العظمى من اليمنيين، فقيرهم قبل غنيهم، من مختلف الفئات في المجتمع، حيث يعد الحاضر الأهم في مجالس المسؤولين، الذي لا يمكن أن تنعقد الجلسات إلا به، كما تعد جلسات القات روتيناً يومياً في كافة البيوت اليمنية، سواء في حالة السلم أو الحرب، في الأفراح والأتراح، والمناسبة العامة والخاصة. ولا تكتمل الحياة اليمنية إلا به، وفقاً لكثير من المتعاطين للقات.