رأي القدس تجد السلطة الفلسطينية في رام الله نفسها في مأزق سياسي ربما يكون الاخطر في السنوات الماضية، فقد باتت على وشك خسارة حلفائها الغربيين الذين دعموا صفوفها وامدوها بالمال واسباب البقاء، دون ان تكسب الشعب الفلسطيني في معظمه، في الوطن او الشتات لصالحها.
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يتمسك بقراره الذهاب الى الجمعية العامة للامم المتحدة لاستصدار قرار بالاعتراف بقيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران (يونيو) عام 1967 وعاصمتها القدس، بينما تعارض الولايات المتحدة الامريكية وبالطبع حليفتها اسرائيل، مثل هذه الخطوة، وتطالب بالعودة الى مائدة المفاوضات مجددا وفق الشروط الاسرائيلية، اي استبعاد القدس من المفاوضات وعدم الاعتراض على سياسة اسرائيل في بناء المستوطنات في القدس المحتلة والضفة الغربية.
الضغوط المتعاظمة على الرئيس عباس تأتي من عدة جهات، الاولى الولايات المتحدة والدول الغربية، وهي الضغوط التي تتخذ اشكالا مالية، حيث جمدت السلطات الاسرائيلية الافراج عن اموال الضرائب العائدة للسلطة، بينما اوعزت الولايات المتحدة للدول المانحة والعربية منها بالذات، بالتلكؤ في دفع حصصها المقررة للسلطة مما جعل الاخيرة عاجزة تماما عن دفع رواتب موظفيها (150 الفا) بالكامل.
ولعل الضغوط الاخطر التي يواجهها الرئيس عباس تلك القادمة من مجموعة من المسؤولين ‘الواقعيين’ الذين يلتفون حوله، ويحتلون مناصب رفيعة في سلطته، وابرزهم الدكتور صائب عريقات، الذي يفضل ايجاد ‘صيغة ما’ مع الولايات المتحدة الامريكية تحول دون حدوث صدام معها، وبما يؤدي الى استئناف المساعدات المالية، والعودة الى مائدة المفاوضات مجددا، وقد سافر الدكتور عريقات الى واشنطن من اجل البحث عن هذه الصيغة ولكنه عاد بخفي حنين، لان ادارة اوباما تصر على رفض الذهاب الى الجمعية العامة للحصول على الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، رضوخا للضغوط الاسرائيلية.
المؤسف ان الرئيس اوباما الذي وعد في خطابه الذي ادلى به امام الجمعية العامة للامم المتحدة في دورتها السابقة بوجود مندوب عن دولة فلسطين بين المندوبين الآخرين في الاجتماع المقبل يتراجع بشكل مخجل عن هذا الوعد. ويعارض الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بل ويحرض دولا اخرى، خاصة في العالم الغربي للتصويت ضدها في حال تمسك الجانب الفلسطيني بخطوته هذه.
ولا بد ان الدكتور سلام فياض رئيس الوزراء الفلسطيني الذي بلع الطعم الامريكي وعكف طوال العامين الماضين على التركيز على كيفية بناء البنى التحتية للدولة الفلسطينية العتيدة سيشعر بالحرج وهو يرى الادارة الامريكية تتخلى عنه ومخططاته، وترمي بجهوده في سلة المهملات.
التركيز على وهم بناء مؤسسات الدولة مقابل تجميد اي فعاليات فلسطينية اخرى مقاومة للاحتلال جعل الشعب الفلسطيني يلهث خلف سراب، وافقد القضية الفلسطينية الكثير من زخمها، والتأييد العالمي لها، بحيث باتت قضية منسية تماما، خاصة في زمن انفجار الثورات العربية المطالبة بالتغيير الديمقراطي والتأسيس لعدالة اجتماعية واصلاحات سياسية جذرية.
الرئيس محمود عباس يجب ان لا يخضع للضغوط التي تطالبه بالتراجع عن خطوته في الذهاب الى الجمعية العامة رغم ايماننا بعدم جدواها في نهاية المطاف، فهناك حوالى 125 اعترافا دوليا بالدولة الفلسطينية التي اعلنها المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988 فماذا افاد مثل هذا الاعتراف؟
المضي في هذه الخطوة ضروري ليس لانها مجدية وانما لانها تشكل تحديا لامريكا واسرائيل فقط، ولمقاومة الضغوط الامريكية وضغوط ‘الواقعيين’ في سلطته الذين يقدمون امتيازاتهم ومواقعهم على الكثير من الاعتبارات الوطنية الاستراتيجية، فمن العيب ان تثور شعوب عربية على الظلم وغياب العدالة بينما يصمت الشعب الفلسطيني بسبب عبودية الراتب الشهري وهيمنة ‘الواقعيين’ على القرار في سلطته العتيدة.