«يعد الأدب وثيقة إضافية في تاريخ الفكر والفلسفة، فالتأريخ للأدب يبين لنا أنه كان ملازما للفكر في مسيرته التاريخية». (أي علاقة بين الفكر والفلسفة، مجلة «آفاق عربية» 1998).
ليس من الصعب علينا أن نبين العلاقة الوثيقة بين الأدب والفكر، فإذا كانت المدرسة الشكلانية الروسية، تصر على أن الأدب هو مجموع التقنيات الأسلوبية، فإن هناك الكثير من المدارس والمذاهب والنظريات النقدية التي أثبتت أن الأدب يتحقق من خلال الفن الأدبي الرفيع، والمضمون الإنساني العميق، الذي يقارب كل موضوعات الحياة الإنسانية التي يعالجها الفكر بمشرط اللغة، والأدوات الفنية العالية المتعددة لتحقيق التأثر الواضح في النفس الإنسانية.
سؤال هذه المقالة يبحث في تأثير الأدب في الفكر، وهذا السؤال يفترض ما يلي:
تأثير الأدب في الفكر الفلسفي.
تأثير الأدب في فكر القراء.
ولكن قبل أن يُحدث الأدب هذا التأثير المأمول، يجب أن نشير إلى قضية مهمة ولافتة، وهي قلب المقولة السابقة في تأثير الفكر في الأدب، وتأثير الحركات الفكرية والمدارس المعرفية في الأدب، لأنها هي التي تعطي الأدب العمق الفكري والإنساني، ومن الضروري جدا أن يؤثر الفكر في الأدب أولا، حتى يحقق الأثر في شرائح قراء الأدب الواسعة. فالأدب يستمد قوته التحليلية من الفكر.
لو توقفنا عند النقطة الأولى الأهم بالنسبة لي: تأثير الفلسفة في الأدب سنجد هنا أنه ليس خفيا أثر الفكر في الأدب، وأن الأعمال الأدبية العظيمة، تشكلت برؤى فكرية فلسفية، وكانت أصلا نتاجا للحركات الفكرية، لدرجة أنه من الصعب إحصاؤها، كما إنه من الصعب ذكرها كاملة. كل حركة فلسفية وفكرية ظهرت ظهر معها أدباء يتبعون هذه الحركة، ويعكسون أفكارها في أعمالهم. نحن على سبيل المثال لا نستطيع فصل أعمال نجيب محفوظ عن الواقعية التسجيلية أو النقدية أو الاشتراكية، ولا الوجودية عن أعمال كل من جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار.
في مقالة «أي علاقة بين الأدب والفكر؟»، لقد تم تصنيف أشهر أدباء أوروبا وفق ثلاثة أنماط: النمط الأول الذي يناظر المادة بالروح، شارحا العالم الروحي وفق معطيات العالم المادي. الثاني: النمط المثالي وهو الذي يرى الحقيقة الواقعية مجسدة محسوسة، بوصفها تعبيرا عن حقيقة وجدانية واقعية. أما النوع الثالث: المسمى بالحرية الثنائية، فيفصل المادة عن الروح ويفترض أن كلا منهما مستقل بذاته. لقد قام ديلتي بتقسيم بعض الأدباء وفق التصنيفات الثلاثة: «فبلزاك وستندال وضعيان، وغوته مثالي موضوعي، أما شيلر فيتبع النمط الثالث: مثالي موضوعي» (أي علاقة بين الأدب والفكر؟). ولا نستطيع فصل واسيني الأعرج عن المد القومي الواقعي، كما لا نستطيع أيضا فصل أعماله المتأخرة عن التاريخانية الجديدة. كان وما زال الأدب الحديث نتيجة لحركة التاريخ والفلسفة، مرتبطا بها وليس منفصلا عنها البتة.
يعد الشاعر الإنكليزي كولردج بالإضافة إلى كونه شاعرا، فهو أيضا فيلسوف، وهو أول من دعا لاستضافة الفلسفة الألمانية في الشعر الإنكليزي، كما اعتنق شيلر المذهب الكانتي بكل وضوح. أما عند البحث عن تأثير الأدب في الفكر الفلسفي، وفي العلوم الإنسانية، سنجد أن الأدب ألهم الفكر الفلسفي الكثير من الرؤى الفلسفية الخلاقة، وفي أحيان كثيرة قام بخطوة استباقية للفلسفة، بطرحه الكثير من الرؤى العميقة للمجتمع، التي سبق بها المحللين والمنظرين النقديين. وفي ما يلي عرض لأهم الأمثلة التي تؤكد تأثير الأدب في الفلسفة.
لم تكن الفلسفة الغربية قبل فرويد وماركس ونيتشة هي ذاتها الفلسفة بعدهما، فقد أحدثوا نقلة نوعية في الفكر الغربي. لقد قرأ فرويد الكثير من كتب الأدب والملاحم والروايات، التي ساهمت في تشكيل نظرياته واسعة التأثير في العلوم الإنسانية، التي تدرس في علم النفس، والفلسفة، والعلوم السياسية. فقراءته لملحمة «أوديب ملكا»، ومسرحية «هاملت» لشكسبير، وقصة حياة كل من دافنشي وديستوفسكي، ساعدته في أن يحدد بعض مظاهر نظريته في: «الكبت» و»القهر»، و»القمع»، والعقدة الأوديبية التي تحمل اسم أوديب.
أما تأثير كافكا وكوتزي، وجوزيف كونراد، في نظريات «ما بعد الحداثة» فهو ملحوظ بشكل كبير. من يقرأ أعمال كافكا، سيجدها أثرت في نظريات الحداثة وما بعد الحداثة في حد السواء، بإمكاننا قراءة أعمال كافكا في ضوء العقدة الأوديبية الفرودية، كما بإمكاننا قراءة كافكا من منظور ما بعد الحداثة. (هناك آلاف القراءات التي قدمت عن أدب كافكا، الذي شغل كبار الفلاسفة الغربيين مثل جيل دولوز وأدورنو).
حرية التمثيل في الأدب، والمساحة البيضاء المتروكة لأعمال المخيلة تجعل من الأدب فضاء للبوح، وكشف المستور بطريقة لا تستطيع الدراسات العلمية، الحديث عنها وتوضيحها لنقص بعض الأدلة لتوثيق بعض الحالات الإنسانية، للشروط الصارمة المطلوبة في البحث العلمي.
قدم الروائي الفرنسي بلزاك، في العديد من أعماله رؤى إنسانية كثيرة متعددة الاتجاهات، ألهمت وفتحت المجال أمام الكثير من الحركات الفكرية، لقد اهتمت نظريات التحليل النفسي بتحليل بلزاك للنفس الإنسانية، مثلما يؤكد إيريك فروم، على أن قراءة بلزاك: «تقودنا إلى فهم التحليل النفسي أكثر من قراءة الدراسات السيكولوجية؛ وقراءة بلزاك (تُمَرِّنُ المرء) على فهم العوالم الخفية للإنسان أكثر من كل القوى التحليلية الأخرى في العالم» (أزمة التحليل النفسي)، ما يعني أن الأدب: قوةٌ مهمةٌ في تقديم الحالات السيكولوجية المعقدة، بوسيطٍ مؤثرٍ تأثيراً كبيراً. تتكئ أكثر من كتب التحليل النفسي على الدراسات والإحصائيات والبيانات المعقدة؛ بينما الأدب بتجسيده الشخصيات الإنسانية قادر على كشف المعضلات السيكولوجية وتحليلها، وتبين أثرها من خلال تفاعل الشخصيات مع بعضها.
من جانب آخر، سبقت رؤية بلزاك الواقعية المقدمة في عدد من رواياته، ومنها رواية «الفلاحون» النقاد الماركسيين في رصد الخراب الحاصل للمجتمع الرأسمالي، قبل ظهور الثورة الاشتراكية في روسيا، كما يبين الناقد الماركسي جورج لوكاتش في دراساته المتعددة عن بلزاك. أما تولستوي صاحب رائعة «الحرب والسلم» فلم ينظر إليه من قبل النقاد الذين عاصروه كروائي، بل إن نصه الروائي كان يبشر، وفق وجهة نظر هؤلاء مضمونا فلسفيا عميقا. كما لاحظنا من العرض السابق، أن الأدب فضاء رحب للعديد من التأملات الإنسانية التي تلهم وتشكل عددا من النظريات والطروحات الإنسانية.
ونحن نعرض لهذا التداخل الكبير بين الأدب والفلسفة لا بد لنا من أن نلتفت إلى ميزة مهمة من مميزات الأدب على غيره من المجالات المعرفية الأخرى وهي، أنه بإمكانه أن يكون وسيطا هادفا لنقل الأفكار الفلسفية والإنسانية العميقة، لعدد من السمات الأدبية المميزة للأدب، التي تتيح إمكانية نقل الأفكار بكل سلاسة. مثلما يقول ديلتي: «إن كثيرا من الأفكار الفلسفية لم يكن ليحظى بالرواج، لو لم يتعهده الأدب بطريقة أو أخرى». على سبيل المثال نجد أن غراي ولورنس شتيرن، قد ساهما بإيصال أفكار المفكر الإنكليزي جون لوك. لقد لاحظ لافجوي في كتابه «سلسلة الوجود العظمى» عندما كان يميز بين تاريخ الفلسفة وتاريخ الفكر، أن تاريخ الفلسفة يشمل فلاسفة كبارا، بينما تاريخ الفكر: «يشمل الشعراء والكتّاب وأيضا المفكرين والفلاسفة، الذين فاضت قريحتهم، في وقت من الأوقات، فكتبوا أشياء تستأهل الانضمام إلى خزانة الأدب».
وهذا يدفعنا لتأمل سمات الأدب التي تجعله قادرا على التوصيل والتأثير.
سمات الأدب:
أولا: الأدب بإمكانه توثـــيق تفاصيل معاناة الحالات الإنسانية غير الموثقة حقوقيا مثل، قضايا المهمشين مثل قضايا النساء والملونين والأكراد والبدون. مثل كل هذه الحالات التي لم تحظ باعتراف رسمـــي وتشريعي قانوني، سيكون الأدب شعرا وسردا مجالا خصبا لبث أوجـــه معاناتها، والأثر النفسي الواقع عليها بأسلوب أدبي وجداني وبتحليل نفسي عميق لدواخل الشخصية الإنسانية، يؤثر في الوعي الاجتماعي بطريقة مختلفة، تهيئ الأرضية الخصبة لتقبل هذه الأفكار الإنسانية.
ثانيا: حرية التمثيل في الأدب، والمساحة البيضاء المتروكة لأعمال المخيلة تجعل من الأدب فضاء للبوح، وكشف المستور بطريقة لا تستطيع الدراسات العلمية، الحديث عنها وتوضيحها لنقص بعض الأدلة لتوثيق بعض الحالات الإنسانية، للشروط الصارمة المطلوبة في البحث العلمي. خير مثال على ذلك ما توضحه نظرية الصدمة في كثير من طروحاتها.
ثالثًا: من الممكن التسلل إلى عالم المعرفة من خلال بوابة المتعة الأدبية. تختلف طبيعة النص الأدبي عن النصوص الكتابية الأخرى، التصوير والمجاز والتخييل، والمتعة المتحققة من خلالهما، تجعلنا نفضل قراءة الأعمال الأدبية، وتلقي الأفكار بطريقة أكثر سلاسة وسهولة من الكتابات الفلسفية المتعالية أحيانا بلغتها وأسلوبها الصعب.
رابعًا: يقوم الأدب بتجسيد الأفكار الفلسفية المجردة، من خلال تبني الشخوص الأدبية المتنوعة في النص الأدبي، لن نفهم أفكار ماركس عن الفكر وعلاقته بالوجود، لولا وجود أعمال أدبية رائعة وخالدة، وضّحت لنا إشكالية صراع الطبقات الكادحة مع النظام الرأسمالي، مثل ما حققته روايات بلزاك، وإميل زولا، وغيرها من الأعمال الخالدة التي تنسب إلى المدرسة الواقعية.
ختاما، لقد كان الأدب وما زال خير مرآة عاكسة للنفس الإنسانية وخير راصد لتحولات المجتمعات البشرية نهضة وانحدارًا، يؤثــر ويتأثر بحركة العلوم والفلسفة.
٭ كاتبة من الكويت