منذ عدة شهور كتبت رسالة إلى الأديبة السورية غادة السمان وأرسلتها عبر البريد إلى مكان إقامتها في باريس.
وردت على رسالتي بمكالمة هاتفية أزاحت بها عن صدري غيم ماض مازال يسكنني.
غادة السمان لم تكن تعرف أني عشت حجرين قاسيين كانت هي منقذتي الوحيدة فيهما.
وطبعاً لا أتكلم عن حجر كورونا، فهو مستجد. ولم يكن قد جاء بعد حين بعثت برسالتي لها، إنما هو الحجر الثالث في ترتيب حياتي.
أخبرتها عن حجر الحرب اللبنانية لطفلة صغيرة كبرت ليدخلها القدر من جديد في حجر آخر لا تتمناه لأحد. حجر لا شيء يعادل قسوته.
هكذا جاءت رسالتي: إلى غادة… أتعرفين كم مرة أمسكت يدي في صغري وانتشلتيني من ضباب الحرب لتفتحي لي بوابة «أليس» فأدخل مدن العجائب؟
هل تعرفين أنك يوماً رفعت جسراً من الفرح لطفلة خائفة.. وهناك، فقط هناك، قابلت قوس قزح صغيرا؟
هل تعرفين كم غيمة زرقاء هبطت فوق كتفيّ وأنت «تنهضينني من رمادي»، بعد كل انتكاسة لأردد معك:
«صباح الحب أيها الفرح..»
نسيت أن أعرّفك بنفسي،
أنا مريم يا غادة …
ومنذ قرأتك تفتحت كلماتك في عينيّ كالمرايا فوق المياه.
آه لو تعلمين كم دمعةً ذرفناها معاً وأنا أشكو لك خيباتي.
وكلما ذرفت دمعة كانت تتفتح فوق خدي الأيسر فلة بيضاء.
وفي كل مرة يشتد عليّ المساء كنا نغني معاً ونهلل معاً. حينها فقط كانت روحي التائهة تستريح وكان شلال مياه ينفر من جبيني.
حين خسرت أنطوني يا غادة… آه نسيت… لم أخبرك من هو أنطوني… وربما تتساءلين الآن ما علاقته بنا؟
لا بأس، سأخبرك… إنه إبني الصغير، الذي نهش السرطان جسده وتركه لي جثة هامدة على صدري.
انتظرت طويلاً… وما زلت أنتظر أن يفتح عينيه الصغيرتين من جديد ويناديني ماما… ولكنه مات… نعم طفلي الصغير مات.
وأنت من القلائل الذين انتحبت أمامهم وشاهدوا كل طقوس الجنون.
وها أنا أجلس منذ رحيله كل يوم على حافة المساء أراقب السماء، وهي تسقط نجومها نجمة نجمة لأهرول إليه، لأطالبه بالعودة، بالنهوض سريعاً، باستكمال مشوار لا يكتمل بغيابه.
لقد أضعفني يا غادة وما عدت قادرة على المسير… هكذا وبكل بساطة أعترف لك أنه كان قوتي، ولكنه رحل بها ورحل بكل جميل. وأكاد أجزم أني لا أعرف إن كان الليل يختبئ في قبره أو هو قبره، الذي يختبئ في الليل… ولكنه الوقت يا غادة… إنه يفقد ثوانيه ودقائقه وعقاربه ويفلت من قيود الزمن ليقع أسيره وحده.
أتعرفين أنك صديقة منذ دهر.ل طالما بكينا معاً وكتبنا الأشعار معاً في غرفة صغيرة في مستشفى «غريت أورمند ستريت»، حيث كان يستلقي صغيري متعباً لسنة ونصف. وكان لحننا حزيناً جداً. وكنت أرى الطيور من النافذة الصغيرة تنشده فوق الأشجار وفي الساحات وفي الطرقات الضيقة وفي الفضاء الشاسع وفوق البحيرات.
قد يكون الإنشاد الجماعي توحد في عبادة الله.. وأنا لم يكن لي معين سواه!
أتعرفين يا غادة أن أصداء كلماتك في نفسي كانت حينها ترانيم تنعش صدري المتألم؟
اكتبي لي يا غادة علّ تتشكل للأحداث ذاكرة زرقاء جديدة. اكتبي كي لا تغترب الطبيعة في ظلال أشجارها. فأنا مازلت أحتاج أن أردد معك كل صباح: «صباح الحب أيها الفرح».
غادة شجعتني على نشر الرسالة، ولكني أعترف أني خفت حينها.
وقررت أن اعتبرها سراً من أسراري الكثيرة، ولم أخبر عنها أحدا سوى بعض المقربين جداً إلى قلبي، ولم أرغب بنشرها في ذلك الوقت.
بعد شهرين أو أكثر التقيت بالروائي والإعلامي المغربي ياسين عدنان في لندن، ولا أعرف كيف جرنا الحديث وحدثته عن الرسالة. ربما كان الجو صادقاً وكنت في لحظات صفاء لا يمكن أن تكتمل سوى بالدموع. أو ربما كانت السماء قريبة منا يومها. لا أعرف ولكني قرأت له الرسالة.
وأخبرني يومها عن برنامجه «بيت ياسين». وكنت قد تابعت له عدة حلقات، بسبب الدفء الذي يوحيه المكان وصدق الأحاديث المتبادلة بينه وبين الضيوف.
إنه فعلاً بيت المثقفين، تدخله لتشدك حفاوة استقباله لهم، مما يجعل الضيف مرتاحاً مؤهلاً لأن يفيض بخفاياه. وكأنه ينسى أنه على الهواء وأمام الملايين من المشاهدين.
لم أكن أعرف أن هذا البيت سيكون ملجأي في حجري الثالث بفعل فيروس الكورونا. لقد ربطني بوجوه ثقافية أحبها، آخرها الشاعر العماني سيف الرحبي، الذي كان يحاكي أوجاعي من خلف الشاشة الصغيرة قائلاً: «تتسلل الحياة من يدي خلسة، بعد أن أمسكت بها. فأنثني على عقب مسائي نحو كأسي الأولى. أحتمي بنخيل الماضي، أتسلل إلى أحلام نائميه على السفوح المغمى عليها بالشمس والنسيم».
نعم ها أنا اليوم أتسلل بفضلك يا شاعر الحياة من خلف سياج الحجر عبر الأحلام لأعانق النسيم وأفتح صدري للشمس.
اليوم في حجر الكورونا العالمي أغلقت كل البيوت على أصحابها إلا «بيت ياسين». ما زال يفتح أبوابه لنا عبر التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي لنطل منه على أبرز المثقفين والفنانين والأكاديميين.
ياسين عدنان هو اليوم صديق مخلص يدخل بيوتنا ليربطنا بأهم الأسماء في الساحة الثقافية مخففاً علينا عبء الوحدة والضجر والموت.
وقد يكون أحد هؤلاء الأدباء الذين يستضيفهم «بيت ياسين» منقذًا لطفلة صغيرة خائفة أو لسيدة محجوزة في مستشفى تصارع الموت.
*كاتبة لبنانيّة