المجتمع في المنزل: صناعة إنسان العزلة

يفترض كثيرون أن ظروف العزل والإغلاق التي يعيشها عدد كبير من الناس حول العالم ستؤدي إلى انتعاش الخصوصية والحميمية، وبصرف النظر عن جدل الفردانية أو الجماعاتية، اللتين يمكن أن يؤدي إليهما انتشار فيروس كورونا، فإن انسحاب البشر إلى بيوتهم، حسب هذا المنظور، قد يساهم في إعادة اكتشافهم لذواتهم وشركائهم، ويدفعهم إلى ترتيب شؤون عالمهم الخاص، والنظر لعلاقاتهم الاجتماعية والمهنية بصورة مغايرة. هذه «الوقفة مع الذات» قد تبدو مفيدة لاكتساب وعي أو تطوير مهارات ما، وفرصة لانطلاقة جديدة.
إلا أن مفهومي «البيت» و«الذات» لا يبدوان بهذه البساطة، خاصة في الشرط السياسي والثقافي المعاصر. داخل المنزل، حيث يُفترض أن يعيش الإنسان خصوصيته، يتقاطع عدد كبير من التدخلات الاجتماعية والسياسية: إرشادات صحية وتربوية، نصائح لتزجية الوقت وتطوير الخبرات، خدمات تدّعي كونها مجانية. التصميم العمراني للمنازل، في حد ذاته، يعكس سياسات اجتماعية معينة، تلعب دوراً كبيراً في تحديد نمط حياة الأفراد وفضاءات تفاعلهم، فضلاً عن خضوع المنزل الفردي للإجراءات القانونية والضرورات الاقتصادية.
باختصار أصبحت هنالك تعيينات اجتماعية كثيرة للسلوك الاعتيادي والسليم في الحيز الخاص، ولم يعد «تدبير المنزل» منفصلاً، ولو بشكل نظري، عن الشؤون السياسية والاقتصادية العامة، كما نجد في فلسفة أرسطو السياسية مثلاً، بل أصبح المجتمع بأكمله حاضراً في منازلنا، ولذلك انعكاساته الأيديولوجية على تكوين الذات الفردية نفسها. عزلة كورونا تُظهر هذا بشكل شديد الوضوح، من الصعب اكتشاف مجال «الخصوصية» في بقاء الفرد في مكان معين، لفترات تحددها السلطة السياسية، ملتزماً بإرشادات وتعليمات تعممها مؤسسات عامة مختصة، ويتلقى يومياً سيلاً من الأفكار والصور، عن طريق وسائل الإعلام ومواقع التواصل. حالة كورونا معاكسة تماماً للخصوصية، بل هي تكثيف للسياسي والأيديولوجي في أصغر وحدة اجتماعية ممكنة وهي المنزل.
السؤال الأنسب قد لا يكون عن كيفية استعادة الخصوصية، في مثل هذا الظرف، فحضور ما هو عام في كل تفاصيلنا الفردية جانب من سياقنا التاريخي، الذي لا يمكن تجاوزه، ولا معنى للحكم عليه سلباً بشكل مسبق، الأجدى التساؤل عن نوعية السياسي والأيديولوجي والاجتماعي، الذي يخترق منازلنا، هل يساهم في تمكيننا من السيطرة على مفرادت العالم الذي ننتجه؟ أم يخصعنا لنوع من التحكّم لا قبل لنا بمواجهته؟ وما انعكاسات صناعة إنسان العزلة، التي نشهدها حالياً، على السياسة في الحيز العام؟

بروز المجتمع

بالنسبة لحنة أرندت، فإن التقابل بين الحيزين العام والخاص، كما عُرفا في العصر الإغريقي والروماني، اختلف بشدة مع بروز الاجتماعي، خاصة في العصر الحديث. في ما مضى اعتبر الإغريق والرومان تدبير شؤون المنزل والعائلة منفصلاً عن إدارة المدينة وسياستها، واحتقروا الفئات المحرومة من المشاركة في الحياة العامة، مثل العبيد والنساء، وكذلك البرابرة، الذين لم يتوصلوا إلى إنتاج حيز سياسي. الحيز العام كان مجالاً للتنافس والصراع بين أنداد يتمتعون بحقوق سياسية ومدنية، وميداناً لإظهار الفرادة والتفوق واكتساب المجد، في حين ظل المجال الخاص والحميمي أقرب للطبيعة، يهدف إلى تلبية الحاجات الأساسية للعائلة ضمن هرمية معينة، على رأسها الأب رب العائلة، بمعزل عما هو عام.
المجتمع، بمعناه الحديث، أخرج الحميمية والخصوصية من المجال العائلي، وعممها بشكل واسع، فصار المجتمع بأكمله عائلة بلا رأس، تفرض على أفرادها معايير معينة للسلوك الحسن والتصرفات المقبولة اجتماعياً. ليس المهم في المجال الاجتماعي، حسب أرندت، أن يكون الأفراد متساوين أو غير متساوين، بل أن يمتثلوا لما هو سائد من آراء وسلوكيات قويمة. انعكس هذا على الحيز العام أيضاً، فبعد أن كان مجالاً لـ«الفعل» عبر الصراع السياسي، صار بدوره خاضعاً لضرورات السلوك الاجتماعي.
المنزل إذن لم يعد موطناً للخصوصية، بل هو خاضع لعمومية اجتماعية معينة، وبقاء الناس في منازلها لا يعني بالضرورة استراحة من القضايا العامة، بل هو، كما في حالة «التباعد الاجتماعي» الحالية، خضوع لضرورات السلوك الاجتماعي، المبرر بالوعي الصحي هذه المرة. وإذا كان كثير من البنى البطرياركية التقليدية، قد تفككت في عصرنا، فإن الإنسان المعزول قد لا يكون متمسكاً بخصوصيته وفردانيته، بقدر امتثاله لبطرياركية بلا رأس. إلا أن تفكك الهرمية القديمة، تجعل البشر قادرين على تحدي وتغيير وإعادة إنتاج معايير السلوك، وهذا ما يجعل الاجتماعي، ليس فقط مجالاً للطاعة والامتثال، بل للتمرد ومواجهة السلطة. ما يتطلب الحد الأدنى من القدرة على التواصل في حيز عام حر.

عزلة كورونا لم تبدأ هذا المسار التصاعدي في إلغاء الفعل، ولكن ربما كانت فصله الأكبر. أصبحت السياسة زائدة عن الحاجة، والتحكّم التكنوقراطي صار بديلاً عنها في حالة الاستثناء التي نعيشها، والتي يبدو أنها ستلازمنا لفترة طويلة.

إلغاء الفعل السياسي

إذا كان الحيز العام قد خضع بدوره لمقتضيات السلوك الاجتماعي، فإنه ظلّ محافظاً على جانب من قابليته لـ«الفعل». الصراع الطبقي المحتدم، والواعي لذاته، طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين، أنتج على المستويين السياسي والأيديولوجي وقائع لا تقلّ ملحمية عمّا ساد في ديمقراطيات العصر القديم، التي كان التمثّل بها واستلهامها حاضراً في أذهان كثير من الفاعلين السياسيين. ساهم هذا في إحداث تغييرات جذرية في نمط حياة البشر ووعيهم لذاتهم وعالمهم، بما في ذلك تثوير أنماط السلوك المقبولة اجتماعياً. محاولة إلغاء الصراع السياسي، والحديث عن مجتمع أو أمة واحدة، بدون طبقات ومصالح ومواقف سياسية متناقضة، يسودها نوع من التناغم أو الوحدة، ارتبط غالباً بالدعوات الفاشية، التي حاولت تركيب رأس للسيطرة الاجتماعية، تجسّد غالباً بالدولة أو الزعامة الكارزمية.
ليست الفاشية وحدها من حاولت إلغاء الفعل السياسي بمعناه التصارعي، نشهد منذ عقود، سعياً لنزع السياسة من المجتمع، وخصخصة الحيز العام، لحساب مفاهيم مشتقة من عالم الإدارة: سيطرة الخبراء، الكفاءة المالية، التقشف، إلخ. وقد يكون هذا جوهر الأيديولوجيا النيوليبرالية. يتم إقصاء الخلاف السياسي والأيديولوجي بوصفه شذوذاً أو تطرفاً، ويعتبر دليلاً على غياب الوعي، أو الجهل، أو حتى العنصرية. على المستوى الثقافي وصل الأمر لمحاولة التحكّم الفوقي باللغة العادية، وهي الوسيلة الأساسية للتواصل في الحيز العام، عن طريق فرض أحكام «الصوابية السياسية»، وربما كانت هذه المحاولة الأكثر شمولية لجعل السلوك بديلاً عن الفعل، فتغيير اللغة وتقييدها سيفرض، حسب هذا المنظور، اللباقة السلوكية الصحيحة، حتى على خيال البشر وتصورهم لعالمهم.
عزلة كورونا لم تبدأ هذا المسار التصاعدي في إلغاء الفعل، ولكن ربما كانت فصله الأكبر. أصبحت السياسة زائدة عن الحاجة، والتحكّم التكنوقراطي صار بديلاً عنها في حالة الاستثناء التي نعيشها، والتي يبدو أنها ستلازمنا لفترة طويلة. ورغم بعض التفاصيل المبشّرة، مثل اعتبار المحكمة العليا الألمانية حق التظاهر من الحقوق الأساسية للمواطنين، حتى في ظروف العزل والتباعد الاجتماعي، إلا أن كل ممارسة ممكنة للسياسة في الحيز العام، ومنها الانتخابات والتجمعات السياسية والمسيرات الاحتجاجية، لا ينظر إليها الآن إلا بوصفها احتمالاً لالتقاط العدوى، والإصرار عليها لا يعدو كونه تعبيراً عن الجهل والعناد. ليس من التشاؤم المبالغ فيه، أن نتوقع أن يمتدّ ذلك في المستقبل إلى كل حالات الطوارئ الممكنة: البيئة والاقتصادية والسياسية.

سوء سلوك

رغم تعطيل الفعل السياسي في الظرف الحالي فإن أشكالاً أخرى من الفعالية مازالت مستمرة، ربما لأن إلغاءها غير ممكن. مازال إنتاج السلع الأساسية قائماً، رغم الانكماش الاقتصادي الذي بدأ العالم يعاني منه، ومئات آلاف العمال يزاولون أعمالهم في ظروف يصعب فيها مراعاة «التباعد الاجتماعي» بشكل مرضٍ. ومع أن الأضرار الاقتصادية الناتجة عن الوباء، وسياسات التصدي له، عابرة للطبقات، وتصيب بشكل كبير أفراداً من الفئة الوسطى، إلا أن الطبقة الأساسية، التي تتمتع بكل الحماية التي يوفرها التباعد، هي البورجوازية الأكثر استقراراً، والحائزة قدرا آمنا من الملكية، ما يجعلها أقدر على تحمّل الخسائر. وقد تكون إعادة اكتشاف الذات، وإمكانية انتهاج السلوك الصحي السليم في زمن العزلة، حكراً عليها.
المعايير السلوكية الاجتماعية السليمة، والصوابية بكل أشكالها، تحددها ضمن الهيمنة الطبقية الحالية فئات محدودة، السلوك المقبول في العالم البورجوازي يصبح أكثر أحادية، بعد فقدان الطبقات الدنيا قدرتها على تمثيل نفسها. هذا الاختلال يبدو اليوم في أوضح صوره في ظل عزلة كورونا: نموذج المنزل الصالح لحياة إنسان العزلة، الأقرب لمراعاة القواعد الصحية، الذي يتجنّب سكّانه طوعاً الفعل السياسي، هو نموذج أيديولوجي طبقي بامتياز. تغيب عن الصورة بشكل كبير المنازل الأخرى، الأكثر ضيقاً وتكدساً، والتي يعتبر الانعزال الجبري فيها كارثة لقاطنيها.
لا يمكن التنبؤ بالمآلات السياسية لوضعنا الحالي، إلا أنه من الصعب جداً العثور على أي إيجابيات في الانكماش الكبير للحيز العام، وعدم وجود أي بدائل سياسية يمكن الاختيار بينها. ولهذا قد يكون نقد المعايير السلوكية الحالية، وأي طرح تكنوقراطي أحادي، أمراً شديد الأهمية.

٭ كاتب من سوريا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية