(1)
أثار الضيف الثقيل غير المرئي الذي حَل على العالم مؤخرًا عاصفةً من ردود الفعل، على المستويات جميعها. تمظهرت، على المستوى الثقافي، في مئات المقالات، والشهادات، واليوميات، والدراسات، والبحوث، والقصائد، والرسوم، والأغنيات، والطرائف، والنكات، حول العالم. وهي في مستويات متفاوتة، تتراوح بين السقوط في درك رد الفعل السريع، في معظم الأحيان، والارتقاء منه إلى الفعل الإبداعي، في بعضها. وتزامنت هذه الحركة مع استعادة توقعات علمية، وتنبؤات دينية، وقراءات روائية محددة. وطفت على السطح مجددًا روايات «الطاعون» لألبير كامو، و«مئة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» لغابرييل غارسيا ماركيز، وغيرها.
(2)
أما على المستوى الاجتماعي، فإن الظاهرة الأبرز التي ترتبت على زيارة الضيف الثقيل الطويلة، على ما يبدو، هي ظاهرة الحجر المنزلي، تحت طائلة أن يكون المُضيف هو الضيافة، في حال عدم التزامه، بأوامر الضيف الخفي ونواهيه. وهذه الظاهرة تعيد الاعتبار، مرةً أخرى، للمنزل، وموقعيته في حياة الأفراد والمجتمعات. وهي موقعية تختلف من شعب إلى آخر، وتتعدد تمظهراتها الفردية، ضمن الشعب الواحد. فقد يكون المنزل هو الواحة التي يفيء إليها الفرد مضطرا، بعد طول ضربٍ في صحراء الحياة. وقد يكون هو السجن الذي يلازمه حتف أنفه، ويتوق إلى التحرر منه بفارغ الصبر، وقد يكون في منزلةٍ بين المنزلتين.
(3)
في كتابه «لأن الإنسان فانٍ»، الصادر مُعَربًا في سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية، يذكر الطبيب والكاتب الأمريكي المتحدر من أصول هندية أتول غواندي، ما كان قد قرأه عن هاري ترومان، الثمانيني الأمريكي، الذي رفض في مارس/آذار 1980 أن يتزحزح من بيته، في سفح جبل سانت هيلينز، قرب أولمبيا، في ولاية واشنطن الأمريكية، حين بدأ بركانٌ يدمدم في المحيط. وفي مواجهة الضغوط الكثيرة التي مورست عليه صونًا لحياته، قال للضاغطين: «إذا كان البيت سيزول، فدعوني أزُلْ معه، لأنني إذا فقدت هذا المكان فسأموت في غضون أسبوعٍ، على أي حال». وبالفعل، «انفجر البركان عند الساعة 8:40، من صباح يوم 18 مايو/أيار، عام 1980، بقوة تشابه قوة القنبلة الذرية»، ما أدى إلى اختفاء المنزل وصاحبه تحت الحمم البركانية، وتحويل ترومان إلى رمز، وإقامة نصب تذكاري له عند مدخل بلدته، وتمثيل فيلم سينمائي عن قصته. وهكذا، يُصبح البيت، في هذه الحكاية، جزءًا من حياة صاحبه، وتُصبح مغادرته مغادرة للحياة.

(4)
في المقابل، يشكو الشاعر العربي أبو الفتح محمد سبط ابن التعاويذي، في القرن السادس الهجري، الذي لا بركان يتهدده، حَبْسَهُ في قَرارة منزله، ومُقامَهُ المظلم فيه، ويشبه نفسه بِمَيْتٍ لا ضريح له، ما يجعل حالته أصعب من الموت، بقوله:
أَظل حبيسًا في قَرارةِ منزلٍ رهينَ أسًى أُمسي عليهِ وأُصْبِحُ
مُقاميَ فيهِ مُظلمُ الجو قاتمٌ ومُسْعايَ ضَنْكٌ وهْوَ فَيْحان أفْيَحُ
كأنيَ مَيْتٌ لا ضَريحَ لِجنبِهِ وما كل مَيْتٍ، لا أبا لَكَ، يُضْرَحُ
وهكذا، يكون البيت، في هذه الأبيات معادلاً للقبر، ويكون الخروج منه معادلاً للحياة. وعلى الرغم من أننا إزاء حالتين فرديتين مختلفتين، تعكس الأولى التشبث بالبيت حتى الموت معه، وتعكس الثانية الضيق به حتى الرحيل عنه، فإن هاتين الحالتين تُمثلان الحدين، الأقصى والأدنى، في علاقة المقيم ببيته. وبين هذين الحدين، تتموضع علاقات سائر المقيمين في منازلهم.
(5)
في تراثنا العربي، الشعري، على الأقل، ما يعكس طبيعة العلاقة بين البيت وأهله. وهي علاقة تتفاوت في قوتها بين شاعرٍ وآخر. ولعل ظاهرة الوقوف على الأطلال التي عرفها العصر الجاهلي، وبقيت تُطِل برأسها في عصورٍ أدبيةٍ أخرى، هي نوعٌ من أنواع التعلق بالمكان الأول/ المنزل، حتى إذا ما زال، يستعر الحنين إليه، ويزدهر الوقوف على أطلاله. على أن هذه الظاهرة، برأيي، تتجاوز المكان المادي، بما هو منزلٌ أو خيمة، إلى المعنوي، بما هو الإنسان المقيم فيه، وتفاعله معه، وما يترتب على هذا التفاعل من وقائع وذكريات.
وفي نظرة بانورامية سريعة على تمظهرات المنزل في الشعر العربي، نشير إلى تراوح هذه التمظهرات بين إلقاء التحية عليه، في الحد الأدنى، والتعلق به حتى بعد الموت، في الحد الأقصى، مرورًا بالحنين والصبابة والشوق والحزن وسواها من المشاعر الإنسانية النبيلة.
(6)
في العصر الجاهلي، يلقي الشاعر تميم بن مقبل (554 ـ 657) التحية على المنازل متحسرًا على ما تبقى منها، بالقول:
حَيِّ المنازلَ بينَ السفحِ والرحَبِ لم يبقَ غيرَ رسومِ النارِ والحطب
ويحن الحارث بن عباد (…. ـ 570)، وهو حكيمٌ وشاعر وسيدٌ، إلى المنازل، بالقول:
أَحِن إلى تلكَ المنازلِ كلما غدا طائرٌ في أيْكَةٍ يَتَرَنمُ
(7)
في العصر الأموي، يدعو قيس بن الملوح (645 ـ 688) للمنازل ذات الطبيعة الغنّاء، بالقول:
تلكَ المنازلُ والملا عبُ لا أراها اللهُ مَحْلا
حيثُ التفَت رأيْتَ ما ءً سابحًا وسَكَنْتَ ظلا
ويقف الأخطل (640 ـ 710) على أطلال المنازل، فتهيج عليه استعبارا، ويهوله إقفارها بعد رحيل أهلها، فالمنازل بسكانها:
وإذا وَقَفْتَ على المنازلِ باللوى هاجَتْ عليكَ رسومُها استعبارا
حيِّ المنازلَ والمنازلُ أصبحَتْ بعدَ الأنيسِ منَ الأنيسِ قِفارا
ويكرر جرير (653 ـ 728) المعنى الذي ذهب إليه صاحبه الأخطل من تهييج العَبَرات، وإقفار العَرَصات، مُضيفًا إليه استعجام المنازل وعيِّها جوابًا:
إن المنازلَ هيجَتْ أطرابي واستعجمَتْ آياتها بجوابي
قفرًا تلوحُ بذي اللجينِ كأنها أنضاءُ رسمٍ أو سطورُ كتابِ
لما وقفْتُ بها القَلوصَ تبادرَتْ مني الدموعُ لفرقةِ الأحبابِ
ولا يبتعد ذو الرمة (696 ـ 735) كثيرًا عن مُعاصِرَيْهِ، مازجًا شوقَهُ إلى المنازل بحزنه وبكائه عليها:
طربْتَ وهاجَتْكَ المنازلُ منْ جفنِ ألا ربما يعتادُكَ الشوقُ بالحزنِ
مررْتَ على أطلالِ زينبَ بعدَها فأعولْتَها لو كانَ إعوالُها يُغْني
ويبلغ الوليد بن يزيد (706 ـ 744) شأوًا متقدمًا في التعبير عن تعلقه بالمنازل، فهو بعد الدعاء لأطلالها، يلازمه الحنين إليها حتى بعد موته، فلو مرّ عليها مَيْتًا لصاح الصدى بحاملَيْهِ أن ينزلا بجنازته فيها، ولعله لم يُسْبَقْ إلى هذا المعنى:
سقى اللهُ أطلالاً بناحيةِ الحِمى وإنْ كانَ قدْ أبدى للناسِ ما بِيا
منازلُ لو مرتْ عليها جنازتي لقالَ الصدى يا حامليّ انزلا بِيا
(8)
في العصر العباسي، يَحصُرُ أبو تمام (803 ـ 845) كلامه بالمنزل الأول، ويَقرِنُ بينه وبين الحبيب الأول؛ يخص الأول بالحنين، ويخص الثاني بالحب، ولعل العاطفتين تتفقان في أنهما تنبعان من الينبوع نفسه، وتختلفان في المصب، فالحنين يقع على المكان ومتعلقاته غالبًا، بينما ينصب الحب على الإنسان:
نقّلْ فؤادَكَ حيثُ شِئْتَ منَ الهوى ما الحب إلا للحبيبِ الأولِ
كمْ منزلٍ في الأرضِ يألفُهُ الفتى وحنينُهُ أبدًا لأولِ منزلِ
ويقيم المتنبي (915 ـ 965) للمنازل منازل في القلوب وهي لا تعلم بذلك، وفي هذه الحالة، تصبح القلوب التي تعلم أولى بالبكاء، فهو حين يبكي المنازل إنما يبكي نفسه، في نهاية المطاف. وبذلك، يأتي بهذا المعنى الجميل الذي يُماهي بين المكان والإنسان في الحياة، وفي المآل الأخير، حيث كل منهما آيلٌ إلى الإقفار، عاجلاً أو آجلاً:
لكِ يا منازلُ في القلوبِ منازلُ أقفرْتِ أنتِ وهن منكِ أواهلُ
يَعْلَمْنَ ذاكَ وما عَلِمْتِ وإنما أَوْلاكُما أن يُبْكى عليْهِ العاقلُ
ولا يبتعد البحتري (820 ـ 897) كثيرًا عن سابقيه في الكلام على المنازل، غير أنه يفترق عن جرير في أنه لا يحول عن الصبابة، حين تستعجم المنازل وتأبى الإجابة عن مُسائلِها، ويختلف عن ذي الرمة في إيمانه بأن الإعوال يُغْني، وأن الدمع ينثال على المنازل طلا ووابلا، فَيُحْييها من جديد:
تأبى المنازلُ أن تُجيبَ مُسائلاً حالَتْ ولسْتُ عنِ الصبابةِ حائلا
خَلَفَتْ مدامعُنا الندى في ربعِها فتناثرَتْ طَلا عليْهِ وَوابِلا
(9)
في العصر الأندلسي، يُحَيي لسان الدين ابن الخطيب (1313 ـ 1374) المنازل بعد معرفتها، ويشتاقها، ويبكيها:
عرفْتُ منازلاً بشعابِ سَرْجٍ فَحَييْتُ المنازلَ والشعابا
منازلُ هيجَتْ للقلبِ شوقًا وللعينَيْنِ دمعًا واكتئابا
على أن اللافت للنظر في الشواهد المذكورة أعلاه أن عشرةً منها استخدمت المفردة بصيغة الجمع (المنازل)، بينما وردت بصيغة المفرد (المنزل) في شاهد واحد، ولعل ذلك يعود إلى تقييدها بالنعت (الأول). وهذا يدفعنا إلى الاستنتاج، أن الشاعر لم يكن ليقيم في منزلٍ واحد، وأن ضرورات الحياة كانت تدفع به إلى التنقل بين المنازل، ما جعله يوزع حنينه عليها، ويقف على أطلالها جميعًا.
(10)
مما لا شك فيه أن شعراء آخرين كتبوا في المنازل، في العصور الأدبية المختلفة، وأن هذه المقاربة لا تدعي الإحاطة بجميع ما كتب، فالمقام لا يتسع، والطاقة لا تساعد. لذلك، نكتفي بما ورد أعلاه لإضاءة الموقع الذي شغله المنزل في حياة العربي، على مرّ العصور، من خلال تفاعل الشعراء مع هذا المكون الأساسي من مكونات الحياة. وهل هناك من هو أكثر تفاعلاً من الشعراء؟ ولعل المثل الصارخ على تعلق العربي بمنزله هو أن المسألة الفلسطينية، التي يُشكل الاستيلاء على المنازل والأرض وتشريد أهلها تحت كل سماء، محورها ما تزال حية، مذ أطلق بلفور وعده المشؤوم، أي منذ قرنٍ ونيف من الزمان، وستبقى إلى أن يعود الحق إلى أصحابه.
ولعل الترجمة الأصدق تعبيرًا عن هذا المثل هو أن لاجئين فلسطينيين ما زالوا يحتفظون بمفاتيح منازلهم منذ عام 1948 حتى اليوم.
(11)
وبعد، هو الحجر المنزلي، جعلنا نتوقف عند موقعية المنزل في حياتنا وشعرنا، وهذه إيجابيةٌ أخرى تُضاف إلى إيجابياته الكثيرة، وتجعلنا ندرك أهمية المنزل وضرورة الاهتمام به والدفاع عنه في السراء والضراء.
٭ شاعر لبناني