بيروت-“القدس العربي”:رغمَ الظروفِ الصعبة التي يعيشُها اللاجئ الفِلَسطيني في لبنان، ما زالَ يجدُ للإبداعِ مكاناً، ويطالبُ في يومهِ بتمكينهِ لمزيدٍ من الإبداعِ وتحسينِ ظروفهِ الحياتية.
إنها حقيقة جلية أرساها الكثير من المبدعين والمفكرين الفلسطينيين في لبنان. فعندما تضيق الآفاق، وتغلق الأبواب، وتخلو الحياة من الألوان وتقتصر على الأبيض والأسود، ينقلنا المبدعون بأدائهم إلى رحاب هذا الوطن الغالي.
لهذا، لم يتوانَ اللاجئون الفلسطينيون في لبنان عن القيام وبوسائلهم البدائية، في العمل على إحياء مهاراتهم وتراثهم الغني المليء بجمالياته وإبداعاته، برغم العوائق الكثيرة التي تحاصر محاولات عدة بدأها هؤلاء المبدعون في المخيمات، وفي مجالات متنوعة، والتي لا تغادر الهدف الواحد: فلسطين وتراثها وهويتها.
وفي مخيم نهر البارد شمال لبنان، لا يتوقف نبض الشباب والشابات في مختبرات وميادين الإبداع الفني، يفكرون ويبادرون، ويعرضون مشاريعهم الإنتاجية بأجمل الصور والأشكال. وفي المخيم الذي خيم عليه الحزن ليس بسبب مأساة القضية فحسب، بل لما شهده من تدمير ومعارك ضارية عام 2007 كادت تقتل الحياة داخله، فشردت أهله وشتتت العائلات ووقع المخيم ضحية معارك دامية أدت إلى تدميره، ورغم ذلك عاد إلى المخيم من عاد، ليعود نبض الحياة والإبداع ما استطاع سكانه إليه سبيلا.
يقع مخيم نهر البارد على مسافة 16 كيلومترا من طرابلس بالقرب من الطريق الساحلي في شمال لبنان، وتم تأسيسه في الأصل من قبل عصبة جمعيات الصليب الأحمر في عام 1949 لإيواء اللاجئين من منطقة بحيرة الحولة شمال فلسطين. وبدأت الأونروا بتقديم خدماتها للاجئين عام 1950.
وحسب إحصائيات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” فإن نصف لاجئي فلسطين تقريبا في لبنان وفي نهر البارد، هم من الشباب والشابات، والكثير منهم يعانون من نقص مزمن في فرص المعيشة والفقر، ويعيشون في بيئة تتسم بالكثير من انعدام الأمن، ما جعل سبل تمتع اللاجئين بحقوق الإنسان الأساسية محدودة في لبنان، وخاصة ما يتعلق بالحق في العمل، فهم ممنوعون من ممارسة 39 مهنة، بما في ذلك العمل كأطباء أو مهندسين أو محامين وصيادلة ومحاسبين. وعملت الظروف الاقتصادية المتردية على زيادة محنة اللاجئين الذين يعانون أصلا من معدلات متزايدة من الفقر والصعوبات الاجتماعية الاقتصادية.
ورغم المعاناة، إلا أن حالات القلق والاحباط لم تمنع حركة الإبداع والإنتاج الفكري والثقافي للشباب في مخيمات لبنان.
وشكل مشروع “بلاتفيرن” الذي تشرف عليه وكالة الأونروا في مخيم نهر البارد، ظاهرة إبداع خلاقة وذلك بتحويل أثاث المنازل القديمة والمهملة إلى قطع أنيقة، وكجزء من استراتيجية الأونروا للشباب، وتماشيا مع برنامج جيل القادة الرياديين التابع لليونيسف في أرجاء البلاد، قامت وحدة الشباب في الأونروا بتأسيس مختبرين للابتكار في سبلين شمال مدينة صيدا وفي مخيم نهر البارد، وذلك بهدف الحد من الإحباط ونقص الفرص التي يعاني منها لاجئو فلسطين الشباب في لبنان.
وتؤكد الأونروا أن هدف برنامج مخابر الابتكار، رفع مهارة الشباب في استخدام تكنولوجيات جديدة وبناء قدرتهم على التفكير بشكل ناقد حيال احتياجات السوق واتجاهاته. وأشارت إلى أنها تواصل التركيز على زيادة سبل وصول الشباب إلى خدمات التعليم الرسمي وغير الرسمي، وتعزيز بناء المهارات وفرص المعيشة من خلال مبادرات استحداث فرص العمل وتمكين الشباب من خلال مشاركة مدنية أكبر.
ومنذ تأسيسه في 2017 استفاد 1856 شابا من أنشطة مختبر الابتكار، بمن فيهم لاجئو فلسطين من لبنان، والنازحون الفلسطينيون من سوريا وطلبة آخرون (غالبيتهم من المواطنين اللبنانيين).
ودأبت الأونروا على تشغيل مختبرات الابتكار في لبنان، في مخيمات سبلين ونهر البارد على التوالي، وعملت على تدريب 1140 لاجئا من فلسطين من لبنان إلى جانب 50 لاجئا من فلسطين من سوريا علاوة على 139 طالبا آخر غالبيتهم من المواطنين اللبنانيين. وحسب تقارير المشروع فإن 57 في المئة من المشاركين هم من الإناث.
وأوضحت سارة شومان رئيسة وحدة الشباب في الأونروا في لبنان أن مختبرات الابتكار توفر دورات تدريبية حول الاستعداد المهني وقابلية التوظيف. وهي منصة لنقل التكنولوجيات الرقمية والتصميم للشباب. وأضافت، يمكن للشباب في هذا البرنامج أن يأتوا بأفكار جديدة ومبتكرة وأن يحولوها إلى مشروع حقيقي لتوليد الدخل. وتابعت القول، إن المبررات وراء هذا البرنامج هي توفير المزيد من الفرص للشباب للهروب من مصيدة فقرهم من خلال المهارات التكنولوجية الجديدة واكتساب المعرفة في تحويل أفكار جيدة إلى فرص تجارية، والتوظيف الذاتي يمكن الشباب من التغلب على العوائق القانونية التي يواجهونها في قطاعات سوق العمل التقليدية بلبنان.
رشا ياسين، وهي إحدى المنتفعات من تدريب ريادة الأعمال المجتمعي في مختبر الابتكار، تقوم بعرض صور قبلية وبعدية لقطع أثاث مهملة قامت بتحويلها إلى قطع أنيقة مجددة مرضية وذلك كجزء من مشروعها التجاري الصغير الذي قامت بتأسيسه تحت اسم “بلاتفيرن”. ورشا، لاجئة شابة من فلسطين في شمال لبنان، تستخدم العديد من التقنيات الفريدة من أجل تحويل قطع الخشب المهترئة والمقطعة إلى أشكال غير متوقعة، وتمزج فيها بين الألوان الجريئة مع الأقمشة في الوقت الذي تحافظ فيه على شكلها التقليدي. وتصف مشروع “بلاتفيرن” بأنه حلم قد تحقق بالقول: “درست التصميم الغرافيكي في الجامعة اللبنانية الدولية، ولكوني لاجئة من فلسطين فإننا نواجه تحديا كبيرا في محاولة البحث عن أعمال في لبنان. إن غياب الآفاق المستقبلية، وتحديدا بالنسبة للشباب، غالبا ما ينتج عنه فقدان الأمل”.
وكانت نقطة التحول الكبيرة عندما حضرت رشا دورة تدريب ريادة الأعمال المجتمعي التي عقدت في مختبر الأونروا الرائد للابتكار. “كنت أفكر دوما في كيفية التغلب على تحدي التوظيف. لقد عمل مختبر الأونروا للابتكار في مخيم نهر البارد للاجئي فلسطين ومشروع جيل القادة الرياديين، على تمكيني من تحويل فكرتي من مشروع إلى عمل تجاري أسميته (بلاتفيرن)”. وبعد الترويج لفكرتها المبتكرة، حصلت رشا على أموال ابتدائية تصل إلى 2.000 دولار من أجل إطلاق فكرة مشروعها التجاري الصغير. “إن التدريب الذي تلقيته زودني بمهارات مهمة، اشتملت على التعامل مع الحرفيين والعاملين في الدهان إضافة إلى التركيز على إنتاج قطع فريدة وفنية” وتضيف “ما أزال في البدايات، إلا أن عملي أتاح لي أن أكسب بعض الدخل. أشعر أنني مستقلة وبدأت بالمساعدة في إعالة أسرتي. من خلال هذا العمل، أصبح من الأسهل أن أحصل على التعريف التام لما أنا عليه. إن هذا يمنحني الإحساس بالاستقرار والثقة والتفاعل الاجتماعي والسعادة بكوني مستقلة”.
إن صور مشروع “بلاتفيرن” القبلية والبعدية لقطع الأثاث المهملة التي تم تحويلها إلى قطع أنيقة مجددة مرضية للغاية تبين تحولت قطع الخشب المهترئة والمقطعة إلى أثاث جميل وملون مزخرف بظلال كلاسيكية وأقمشة تقليدية.
للأسف، يفتقد الفلسطينيون في لبنان لمؤسسات تطوير رسمية، وتقتصر مراكز الإبداع على مبادرات أفراد وجمعيات غير مدعومة من سلطة أو جهات دولية إلا ما ندر، وأمام هذه الظواهر الإبداعية أصبح من الضروري إنشاء منظومة اجتماعية وحكومية تدرك أهمية هذه الإبداعات الفنية ودورها في بناء المجتمع، وضرورة دعمها وتطويرها من أجل مستقبل أفضل.