لشر كاه (افغانستان) ـ من يوسف عظيمي:
يرنو المزارع الافغاني عبد الغني الي حقله الذي تكسوه نباتات قصيرة خضراء وهو يوقن أن هذا المحصول سوف يمد أسرته بالغذاء.
الحقل مزروع بنبات الخشخاش الذي يستخدم في صناعة الافيون. وهو لا يزال مجرد أوراق لنبات يبلغ ارتفاعه نحو 10 سنتيمترات ولم تزهر بعد.
ويشرح عبد الغني منطقه البسيط الذي يجعله مشاركا في صناعة غير مشروعة تقول الحكومة انها تمول الارهاب وتهدد بتدمير البلاد.
وقال عبد الغني البالغ من العمر 50 عاما وله لحية يعلوها الشيب ويرتدي عمامة اننا شعب فقير جدا. نزرع الخشخاش لنطعم أسرنا.
وكان طفلاه وأحدهما يبلغ من العمر 12 عاما والاخر 11 عاما يقفان بالقرب منه ويأخذان قسطا من الراحة خلال عملية تنقية الزراعات من الاعشاب الضارة.
وقال عبد الغني انه يزرع القمح والخضراوات مثل البندورة (الطماطم) غير أنه يحصل علي عائد زهيد من تلك المحاصيل مقارنة بالافيون الذي يبيعه للمهربين الذين يظهرون علي الدراجات البخارية أو في شاحنات خلال موسم الحصاد.
وقال لا يمكننا أن نسد رمق أسرنا بما نحصل عليه من القمح الذي نزرعه ولكن يمكننا ذلك بالدخل الذي نحصل عليه من الخشخاش.
ويأتي حقل عبد الغني في بؤرة أزمة المخدرات التي تعاني منها أفغانستان في وادي نهر هلمند باقليم هلمند في جنوب البلاد.
وعلي مدي مئات السنين كانت شبكات القنوات تأتي بالمياه الي الحقول والبساتين وهو ما كان يؤدي الي انتاج محاصيل مربحة غير أن نظام الري قد انهار علي مدي سنوات من الصراع.
الافيون فقط هو ما بات يدر ثروة الان.
ويقول مسؤولون ان متمردي حركة طالبان يشجعون علي زراعة الافيون ويجوبون الجبال التي ترتفع من عند الوادي في الشمال وعبر مناطق شاسعة من الصحراء التي ينعدم بها القانون والتي تمتد جنوبا الي الحدود الباكستانية.
وضمان الامن حتي يمكن لجهود مكافحة المخدرات أن تمضي قدما في الاقليم الذي ينتج ربع ما تنتجه أفغانستان من الافيون سيكون مهمة رئيسية لنحو 3300 جندي بريطاني سيتخذون من الاقليم قاعدة قريبا.
وسيكون هناك ما قد يعرقل عملهم.
وقال الحاكم الاقليمي محمد داود لمجموعة صغيرة من الصحافيين هذا الاسبوع وعدت طالبان المزارعين بحماية حقول الخشخاش التي يزرعونها… لقد أكدوا للمزارعين بأنهم لن يسمحوا لقوات الحكومة بازالتها.
أولا يجب أن يتم احلال الامن.. يجب ألا يكون هناك عناصر من طالبان.. عندئذ ستبدأ حملة الازالة.
وتعد افغانستان أكبر منتج للافيون في العالم. والهيروين الذي يتم الحصول عليه منه ينتشر في شوارع المدن بأنحاء العالم.
وتزايد الانتاج منذ الاطاحة في عام 2001 بحركة طالبان من السلطة. وكانت الحركة حظرت الافيون في نهاية حكمها.
واستغلت عصابات المخدرات حالة انعدام الامن وضعف الشرطة أو عدم وجودها بالاساس والفساد المتفشي بجانب الاحجام عن تعقب شخصيات بارزة متورطة في تجارة المخدرات غير أنها تدعم الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد طالبان.
وبعد ضغوط دولية متصاعدة للتعامل مع مشكلة المخدرات بدأت مبكرا هذا الموسم جهود ازالة الصناعة التي تدر نحو 2.8 مليار دولار سنويا لاتاحة الوقت أمام المزارعين لاعادة زرع حقولهم بمحاصيل غير محظورة. ويقول خبراء ان فرق الازالة تقوم بحرث حقول الخشخاش غير أن قسما ضئيلا فقط من تلك الحقول لا يتجاوز في أغلبه 10 في المئة في أنحاء البلاد هو ما يمكن تدميره.
كما تضغط الولايات المتحدة وبريطانيا اللتان تمولان وتشرفان علي جهود مكافحة المخدرات مع الحكومة من أجل اتخاذ موقف صارم مع المهربين وتزويد المزارعين ببدائل.
وهما تتفقان الي الان علي الاقل مع الرئيس حامد كرزاي الذي استبعد القيام بعملية رش حقول الخشخاش بمبيدات للاعشاب.
وكان للنهج الاكثر كياسة من جانب كرزاي ثماره. فقد انخفضت زراعة الخشخاش بنحو الخمس العام الماضي بسبب جهوده في تصوير زارعيه كمصدر للعار ومناشداته لهم بالتوقف عن زراعته بالاضافة الي التهديدات والمخاوف من ازالة الحقول.
غير أن مكتب مكافحة المخدرات التابع للامم المتحدة يقول ان الانتاج ارتفع مرة أخري هذا الموسم في نحو نصف الاقاليم بما فيها هلمند.
ويتذكر السفير الامريكي رونالد نيومان زيارته الي هلمند في الستينات من القرن الماضي عندما كان والده سفيرا هناك حيث ساعدت الولايات المتحدة في اعادة تأهيل شبكة الري التي حولت الوادي الي اللون الاخضر.
والان عاد نيومان الي هلمند وتقوم الولايات المتحدة مرة أخري بجهود طويلة الاجل لمكافحة الارهاب وحركة طالبان.
وقال نيومان للصحافيين خلال زيارة له الي لشكار كاه عاصمة هلمند هذا الاسبوع هناك صلة أكبر هنا في هلمند بين تجارة المخدرات وحركة طالبان والارهاب منها في أي مكان اخر في أفغانستان.
وعلي المدي الطويل كان حل مشكلة المخدرات هو ايجاد وسائل رزق بديلة وهو ما يعني استعادة الاقتصاد الريفي والقنوات والطرق والكهرباء.
وقال نيومان ان ازالة حقول المخدرات والتحرك ضد المتورطين فيها يجب أن تقنع المزارعين بالمخاطر.
وأضاف يجب أن تثير مدي خطورة وتكلفة زراعة الخشخاش حتي في الوقت الذي تقدم فيه بدائل.
ولا يخاطر المزراع عبد الغني بالكثير فهو لن يخسر سوي المال الذي أنفقه علي الحقل والوقت الذي ضاع في ذلك اذا دمرته السلطات.
وقال انه سيتوقف عن زراعة الخشخاش اذا حصل علي المساعدة. وقال هذا شيء لا يمكننا تناوله كما أننا لسنا من مدمني الافيون. اذا ساعدتنا الحكومة.. فلن نزرعه.4