إسطنبول ـ «القدس العربي»: مر اليوم الأول من شهر رمضان على مدينة إسطنبول بشكل باهت وغريب لم تعتد عليه مدينة المآذن التي يقطنها قرابة 20 مليون نسمة من السكان الأتراك واللاجئين والمقيمين العرب والتي تميزت لعقود بأجوائها الرمضانية الساحرة وحركتها وحيوتها التي جمدها قرار حظر التجول ضمن الإجراءات الاحترازية لمنع انتشار فيروس كورونا على غرار ما فعل الفيروس من وقف لكافة الأنشطة والتجمعات حول العالم.
وفي أولى ليالي رمضان، ولأول مرة منذ عقود طويلة، لم تقم صلاة التراويح في مساجد تركيا البالغ عددها أكثر من 90 ألف مسجد والتي اعتادت كل عام أن تستقبل ملايين المصلين في صلاة التراويح حيث يتم تزيين هذه المساجد وكتابة عبارات الترحيب بالشهر الفضيل عبر أحبال ضوئية تمتد بين مآذنها.
وعم الهدوء والصمت العارم محيط مسجد الفاتح أقدم المساجد التاريخية في إسطنبول والذي اعتاد عدد كبير من الأتراك والعرب المقيمين على حد سواء أداء صلاة التراويح الأولى فيه، حيث رفع أذان العشاء فقط دون إقامة صلاة الجماعة أو التراويح مع استمرار قرار رئاسة الشؤون الدينية التركية منع إقامة صلوات الجماعة مع استمرار تشديد إجراءات مكافحة انتشار كورونا.
وفي السوق التاريخي المحيط بالمسجد، اختفت مظاهر رمضان إلى حد كبير، بعدما كان من أشهر الأسواق لشراء احتياجات رمضان من الزينة والبهارات واللحوم وصولاً إلى الحلويات التركية والعربية، وكان هو السوق الرئيسي لتلبية احتياجات المقيمين العرب من الأطعمة والعصائر العربية التي اعتادوا على تناولها في رمضان.
وليس بعيداً عن مسجد الفاتح، يقع مسجد السلطان أحمد الذي تحيط به سلسلة من الأماكن السياحية التاريخية وحديقة ضخمة كانت تقام فيها كل عام خيمة رمضانية كبيرة، ويفضل يومياً آلاف الأتراك والسياح اصطحاب أطعمتهم وعائلاتهم وتناول الإفطار في ساحاته، كما كان يخصص المسرح والمدرج الكبير الموجود إلى جانبه في إقامة سهرات رمضانية ومسابقات دينية وابتهالات تم إلغائها جميعاً.
وعلى بعد مئات الأمتار كانت تتواصل السهرات الرمضانية في المقاهي والمطاعم المجاورة له حتى ساعات السحور وتشتهر الكثير من المقاهي هناك بتقديم عروض الرقص الصوفي «رقصة الدراويش»، وكانت تجتذب المواطنين والسياح الذين لم يعودوا موجودون أصلاً بفعل توقف الموسم السياحي بشكل كامل وانعدام حركة الطيران حول العالم، وهو ما كبد القطاع السياحي بكافة أذرعه خسائر فادحة.
ورغم الإجراءات المشددة التي أعلنتها الداخلية التركية، خرج المسحراتي ليطوف شوارع الأحياء التركية لكن مع اتخاذ الاحتياطات الصحية من قبيل ارتداء الكمامات والالتزام بشروط التباعد الاجتماعي، فيما منعت الداخلية المسحراتي من الاختلاط بالسكان أو التجول على المنازل لجمع العيدية، وتكفلت بدفع رواتب لهم نهاية الشهر.
وتعتبر الطوابير الطويلة أمام المخابز لشراء خبز «البيدا» أو خبز «رمضان» من أشهر ظواهر رمضان في تركيا على الإطلاق، حيث كان يصطف المئات أمام كل مخبز قبيل وقت الإفطار للحصول على أرغفة خبز البيدا الساخنة، لكن قرارات وزارة الداخلية منعت التجمعات وأجبرت المخابز على إغلاق أبوابها قبيل موعد الإفطار بساعتين على الأقل، وجاء قرار حظر التجول في أول أيام شهر رمضان ليمنع الوصول للمخابز أيضاً وتوصيلها من خلال البلديات وهيئات محلية، وبهذا الشكل لم تعد أرغفة البيدا تصل إلى مائدة الإفطار ساخنة كما اعتيد عليها لعقود طويلة.
ومن عادات الأتراك في أول أيام شهر رمضان، زيارة المقابر على نطاق واسع، وهو ما حدت منه قرارات وزارة الداخلية أيضاً التي حدت من الزيارات وفرضت إجراءات صحية وقياس لدرجات الحرارة على بوابات المقابر ومنع دخول أعداد كبيرة إليها.
وحتى في حال فك حظر التجول القائم منذ أيام وينتهي صباح الاثنين في 31 محافظة كبرى بتركيا، فإن قرارات منع السفر والتنقل بكافة الوسائل بين المحافظات، ما زالت قائمة حتى منتصف الشهر المقبل بالحد الأدنى، وبالتالي لم يتمكن ملايين الأتراك الذين يعيشون في المحافظات الكبرة على العودة إلى بلداتهم وقرائهم لزيارة عائلاتهم وقضاء أيام من رمضان معها كما اعتادوا على ذلك.
ولا تزل كافة المطاعم التركية والعربية مغلقة باستثناء خدمة التوصيل إلى المنازل، بعدما كانت المقيم في إسطنبول للحجز قبل عدة أيام للحصول على مقعد لتناول وجبة الإفطار في أحد مطاعم إسطنبول العربية أو التركية، وكانت أحد أبرز مظاهر رمضان على الإفطار قبل أن تتحول جلساتها إلى سهرات رمضانية تتخللها فقرات الموسيقى والابتهالات ورقصات الدراويش وتقدم فيها الحلوى المختلفة التي بات الحصول عليها صعب المنال في ظل هذا الاغلاق.
وهذه السهرات وغيرها من الليالي الرمضانية المميزة كان يشتهر بها بشكل خاص ميدان تقسيم وشارع والاستقلال الأبرز في إسطنبول، حيث تنتشر مئات المطاعم والمقاهي وكان الوجهة الأولى للسياح العرب والأجانب، يبدو كمنطقة خاوية معدومة الحركة بسبب انتشار فيروس كورونا الذي ألغى أيضاً كافة السهرات الرمضانية على متن السفن السياحية التي كانت تجوب مضيق البوسفور ويتمتع مرتاديها بجمال إسطنبول الساحر على أمل أن تعود الحياة مجدداً للمدينة عقب انتهاء شهر رمضان حسب تقديرات وزير الصحة التركي فخر الدين قوجا.