دراما حركية لبروس بروسنان «رجل نوفمبر»عودة الجاسوس المعتزل… بعد عقد من الزمن

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: لم يغب الممثل الايرلندي الحامل للجنسيّة الأمريكية بروس بروسنان عن الشاشة الكبيرة طويلاً، وإنما حظي بفرص جيدة للاستراحة من الأدوار التي تتطلب مهارات حركيّة عالية ولكسر الصورة التي كادت تقيّده بحدودها في دور الجاسوس البريطاني (007) المعروف باسم «جيمس بوند». وهي شخصية تبدّل أكثر من ممثل على أدائها منذ ولادتها على يد الكاتب إيان فلمنغ عام 1953.
ملامح شبه ثابتة فنيّة ودراميّة لم تتبدّل يوماً في أي من أفلام سلسلة «جيمس بوند» التي احتفلت مؤخراً بمرور ستين عاما على انطلاقتها عام 1954. ملامح ارتبطت بفضاء وشخصية العميل (007)، وانعكست على الممثلين الذين أدوّا الدور، لتشكّل نوعاً من القواسم المشتركة بينهم. انطلاقاً من هدوء الشخصية، قلّة كلامها، مهارتها الحركية والقتالية العالية، وصولاً إلى العنصر النسائي الجذّاب المرافق في كل فيلم للعميل الوسيم، كما امتلاكه دوماً للسيارات الفاخرة جداً، والأهم المعدات التقنيّة المتطوّرة، هذه ملامح وأدوات «جيمس بوند».
بروس بروسنان ليس غريباً عن أجواء التشويق الدرامي، هو الذي دخل عالم السينما من بوابة المسلسلات التلفزيونية بعد أدائه دور المُحقق «ريمنجتن ستيل» طوال خمس سنوات (1982-1987)، فكان انتقالاً سلسا بدرجة أو بأخرى للعب دور العميل «بوند» في أربعة أجزاء من السلسلة التي تجاوز عدد حلقاتها الأربع والعشرين حلقة، هي أفلام «العين الذهبية» 1995، «غداً لا يموت» 1997، «العالم لا يكفي» 1999، و»مُتْ في يوم آخر» 2002. إلاّ أنّ بروسنان كان أكثر حذراً من أن يستسلم لصورة نمطيّة واحدة، فقدّم عدّة أفلام كوميدية ورومانسية طوال مسيرته، وهي نوعيّة أفلام استمرّ في العمل عليها بعد توقفه عن أداء دور العميل السرّي التابع لفرقة (M16). فشاهدناه مع جوليان مور في فيلم «قوانين الانجذاب» عام (2004)، ثم وقف إلى جانب ميرل ستريب في الكوميديا الغنائية «ماما ميا» عام 2009، وكان أن قدّم عملين من فئة الكوميديا الرومانسية، والدراما العاطفية عام 2012 و2013 هما «الحب هو كل ما تحتاجه»، و»LOVE PUNCH» على التوالي.
إلاّ أنّ بروسنان يبدو جاداً في جهوده المبذولة للسير على طريق وعرة، لكنها الطريق التي أنقذت بعض أبرز نجوم الصناعة السينمائية الهوليوودية. فهو في أدائه دور العميل المُتقاعد «بيتر ديفرو» في فيلمه الجديد «رجل نوفمبر»، وبحسب إشادة العديد من النقاد، تفوّق على نفسه حين كان في شخصية العميل «بوند»، مُذكراً بمسيرة كل من الممثل القدير الحائز الأوسكار أنطوني هوبكنز، الذي عرف النجاح الفني في عمر متقدّم، والممثل البريطاني شون كونري، الذي كان واحداً من أبرز من أدّى دور العميل «بوند» ما بين عامي 1962-1983، لكن نجاحه الحقيقي أتى بعد سنوات وفي أدوار مختلفة تماماً.
عن رواية «لا جواسيس» للكاتب بيل جرانجر، التي حققت عام 1987 أعلى نسب مبيعات، وصدرت بسلسلة حملت ذات الاسم حول العميل المعروف باسم «رجل نوفمبر»، اشتغل كل من مايكل فيتش وكارل جادسبك على سيناريو فيلم «رجل نوفمبر» الذي عرضته الصالات العالمية هذا الصيف.
يخترق صديق قديم عزلة العميل المتقاعد «بيتر ديفرو» ليطلب منه العودة لأداء مهمة واحدة فقط، تتعلّق بتهريب عميلة مزدوجة للاستخبارات الأمريكية – الروسية. انكشاف غطاء العميلة يكون مُبرّراً كافياً للاستغناء عن خدماتها وتصفيتها. «ديفرو» الغاضب لمقتل من تكون أم ابنته كما نكتشف لاحقاً يجد نفسه متورطاً في العملية الاستخباراتية الخاصة بالعثور على ناجية وشاهدة مطلوبة للشهادة في المحكمة الدولية الخاصة ببحث الاتهامات الموجّهة إلى رجل سياسي روسي بارز، بشأن ارتكابه جرائم حرب حين كان عميلاً استخباراتياً في فترة التسعينيات، التي شهدت الحرب الروسية على الشيشان، وقدّر عدد ضحاياها من المدنيين بما بين خمسين ألفاً ومئة ألف قتيل.
استخدم الروس تفجير مبنيين في روسيا كذريعة سياسية أمام المجتمع الدولي للتدّخل العسكري الذي قاموا به في الشيشان، باعتباره عملا إرهابيا قام به شيشانيون، الأمر الذي نتجت عنه جرائم حرب بحق المدنيين من الأغلبية المسلمة. لكن الفيلم يتجاوز الرواية التي شاعت بأنّ الروس هم أنفسهم من قاموا بالعملية لتبرير التدّخل الروسي في الشيشان، ليقدّم تصوراً يُشجّع المشاهد على العودة وتصفّح وثائق «ويكليكس» وسواها ممّا سُرّب خلال السنوات الماضيّة عن العمليات الاستخباراتية الأمريكية السريّة طوال عقود في مختلف دول العالم.
يقول الفيلم صراحة على لسان أبطاله أنّ التفجير نفّذه الأمريكيون، وكان الروس مُجرّد متفرجين على العملية التي يحتاجونها للتدّخل في الشيشان، إلاّ أنّ ما يُخلّفه الفيلم من أثر يبقى وعلى الرغم من جودة الحبكة الدرامية، وترتيب سيناريو الأحداث، هجوماً درامياً على السياسة الأمريكية أكثر من كونه فضحاً لانتهاكات حقوق الإنسان باسم السياسة ومحاربة الإرهاب، إذ يبقى الفيلم رقيقاً وربما عابراً في تصويره لجرائم الحرب المُشار إليها. ويجب هنا الإشادة بأداء الممثلة الأوكرانية الجميلة أولغا كرلينكو، وهي من «فتيات بوند» وفق المصطلح الشائع للممثلات اللواتي ظهرن في أجزاء سلسلة «بوند».
تميز لوك بربسي في ظهور ممتاز أمام بروسنان بدور التلميذ المُتدرّب في الاستخبارات، الذي يبحث عن بديل للأب الغائب، لا يحظى بحكم السيناريو بفرصة كبيرة للخروج عن التصور الكلاسيكي لدراما عودة الابن الضال، كما شخصية الشرير المرتدي عباءة الصديق. بروسنان في أدائه المُحكم لشخصية العميل الاستخباراتي الذي مارس عنفاً كبيراً خلال سنوات عمله، ينجح في اللعب على الخيط الدقيق جداً للرجل السيئ ذي النوايا الطيبة من دون أن يعرض أفلاطونيات خياليّة تضفي على العميل السرّي فائضا أخلاقيا إنسانيا غير موجود بحكم ممارسات عمله. انه هادئ كالذئب، متربص، وسريع الحركة، قادر على إظهار العنف والدموية، متمسك بما هو عليه كعميل استخباراتي، لكنه عميل استطاع أن يُدرك متى يُستخدَم بحكم نواياه الحسنة كبيدقٍ في طريق تُفضي إلى جهنم. الفيلم الذي أخرجه روجر دونالدسون ليس فيلماً سياسياً، ويُصنّف باعتباره فيلم دراما حركيا جيد الصُنع، لكنه يُلقي عبر مرور دقائقه ومشاهده فتات خبز يدّل المشاهد على طريق آخر، يُفضي إلى دروب السياسة والإنسانيّة ولعبة الاستخبارات والعلاقات الدوليّة، من دون ابتذال ملّ منه المشاهد أينما كان، ومن دون تلك الصور النمطيّة الجاهزة للأمريكي البطل الخيّر والآخر الروسي أو الخليجي أو الآسيوي الشرير.

يارا بدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية