الحكومات تتكبد أعباء مالية إضافية
الدوحة ـ”القدس العربي”: يتميز المجتمع الخليجي، شأن العديد من الشعوب العربية والإسلامية الأخرى، بعاداته المتوارثة والمكتسبة، في المناسبات. وفي رمضان تبرز بشدة، مع الاستعدادات المسبقة لاستقباله، مع ما يرافقها من ترتيبات خاصة، وميزانية توفرها الأسر، وحتى الحكومات.
وافتقد الخليجيون وهم يستقبلون هذه السنة ضيفهم المحبب، شهر رمضان الكريم، الأجواء التي تعودوا عليها على مر الزمن، بسبب ظروف جائحة كورونا المستجد، التي ألقت بظلالها في كل مكان، وغيرت عادات الشعوب، لتفرض منطقها.
وغالباً ما يكون رمضان في الخليج إلى جانب كونه شهر عبادات، أيام لتعزيز التواصل الاجتماعي، حيث تكثر اللقاءات العائلية وتزداد وتيرة الزيارات للأهل والأقارب والأحباب. وعادة ما يجمع كبير العائلة أفراد أسره مع بعض وتلتقي أجيال مختلفة على سفرة واحدة، في لفتة تدخل البهجة والسرور لقلوب الناس جميعاً، خصوصاً كبار السن، الذين يحرصون على استمرارية اللقاءات لأفراد أسرهم.
أما الشباب منهم فيفتقدون، استعراضات السيارات التي كانت تجوب بعض الشوارع الرئيسية، ويقبل عليها كثيرون. الجموع تصطف في طوابير طويلة، بعرباتهم من الماركات الحديثة، والعريقة، والقديمة والكلاسيكية.
واشتهرت العاصمة القطرية الدوحة، وبعض المدن السعودية، وكذلك الكويت، والعديد من المدن الخليجية، بهذه الاستعراضات التي تلقى إقبالاً واسعاً، ويحضرها جمهور غفير، يعيش تلك الأجواء والتي تستمر من بعد صلاة العصر، حتى موعد آذان المغرب. وينتظم أصحاب السيارات من النوع نفسه في صفوف طويلة قبل الانطلاق في تجمعات يقابلها جمهور يتابعها، ويلتقط صوراً للمهرجان العفوي والشعبي.
المدفع وغياب بهجة الإفطار
عند تفرق شمل السيارات يتجه كثيرون منهم إلى موقع المدفع، ومعايشة لحظة إطلاقه، إيذاناً بانتهاء فترة الصيام، ثم العودة للبيوت لمشاركة الأسر وجبة إفطارهم.
ولجأت الدول الخليجية هذه السنة إلى إلغاء فعالية المدفع بسبب ظروف كورونا وتفادي اختلاط الناس، خصوصاً وأنه تحول في السنوات الأخيرة إلى مهرجان تراثي، يشهد إقبالاً واسعاً. وكانت عدد من الجهات تتعاون لتنظيم الفعالية بما يضمن الفرجة لأكبر قدر من الجمهور وتعريفهم على العادة التقليدية العريقة في الكثير من دول المنطقة.
واكتفت عدد من الدول بإعادة بث لقطات أرشيفية للحظة إطلاق مدفع الإفطار، استذكرها الناس ببعض الحسرة على تلك الأيام التي كانوا ينطلقون فيها، من دون ضوابط أو احترازات.
وفي السنوات الماضية كان سكان دول الخليج إما يفطرون مع بعض في البيوت والمجالس التي تستقبل الأهل والأقارب والأصحاب، أو أنهم يفضلون الإفطار مع أسرهم في الخيم الرمضانية التي تبث في الفنادق الفخمة، أو المطاعم التي تستقطب زبائن كثر.
ويشكل الإفطار خارج البيوت، ظاهرة ملحوظة في معظم دول الخليج، والمطاعم تتنافس في ما بينها لاستقطاب أكبر عدد من الزبائن، وتقدم بعضها عروضاً لمن يحجز له مكاناً طيلة الشهر الفضيل.
واقتصر عمل تلك المطاعم هذه السنة على تقديم الطلبيات الخارجية في صورة مختلفة عن أجواء السنوات السابقة حيث كان بعضهم يسجل حجزاً كاملاً لفترات مسبقة.
ومقابل غياب الخيم الرمضانية و”البوفيهات المفتوحة” تزايد الإقبال هذه السنة على خدمات التوصيل من المطاعم، وكانت بديلاً للكثيرين، ممن تعود على الأكل الخارجي.
أما غالبية المواطنين المتعودين على استقبال ضيوفهم في المجالس والديوانيات، فاكتفوا هذه السنة بالإفطار مع أهلهم وأسرهم، من دون توسيع الدائرة.
ووجهت السلطات الصحية في دول الخليج إلى ضرورة امتناع المواطنين عن استقبال الضيوف هذه السنة، وتعليق بعض العادات المتوارثة من قبيل الافطارات، والغبقات التي تجمع أفراد الأسر على وجبات تلي صلاة التراويح.
خيم الفقراء تختفي أيضاً
الفقراء والمحتاجون كانوا أحد ضحايا الفيروس المستجد الذي غير الأنماط الاجتماعية في كل مكان، مع إلغاء الخيم التي كانت تستقبل المعدمين والأفراد المحرومين وعابري السبيل.
وتخصص دول الخليج والجمعيات الأهلية وغير الحكومية قبل حلول شهر رمضان موازنات ضخمة لإفطار الصائمين، في سنن حافظوا عليها لسنوات عدة. وتعمل الجهات المنظمة على توزيع الخيم على مناطق مختلفة بحيث تستقطب أكبر عدد من المحتاجين والفقراء وتكون قريبة من تجمعات العمال وتصل إليهم في كل مكان. وتوزع الجهات المانحة وجبات إفطار عالية الجودة تطعم هذه الفئات وتمنع عنهم الجوع.
وافتقدت المدن الخليجية تلك الخيم هذه السنة، حيث أنه من الصعب أو المستحيل تنظيمها لما يمكن أن تتسبب من مخاطر انتشار العدوى في مثل هذه التجمعات.
وقامت العديد من الجمعيات الخيرية هذه السنة بتجهيز وجبات معدة مسبقاً وتوزيعها على أماكن إقامة العمال والمحتاجين بدل تنقلهم، وضمان عدم اختلاطهم مع بعض، بحيث تكون الوجبات فردية وليست جماعية مثلما جرت العادة من قبل.
وراعى المنظمون لهذه العمليات كل شروط الأمن والسلامة في عملية التحضير والنقل والتوزيع لتفادي أي شكل من أشكال الاختلاط، وفي الوقت نفسه ضمان عدم حرمان الفئات المعدمة من حقها في الإطعام خلال هذا الشهر.
مساجد من دون مصلين
الأجواء الرمضانية غابت عنها هذه السنة مظاهر الصلاة في المساجد التي تحسر المصلون على حرمان كوفيد-19 لهم من الاستمتاع بالراحة النفسية التي يشعرون بها وهم يمارسون عباداتهم في بيوت الله.
ولا تزال دول الخليج تحظر الصلاة في المساجد حتى انحسار الفيروس، واتخذت إجراءات من قبيل أداء الإمام والمؤذن والقيم على المسجد الصلاة من دون جموع المصلين. ونقلت التلفزيونات المحلية صلاة التراويح والعشاء من المساجد الخاوية وتابعها الناس من بيوتهم، تعويضاً عن حضورهم مباشرة.
واتخذت السلطات السعودية إجراءات بتعليق العمرة ومناسكها، ومنعت المصلين من الدخول إلى المسجد الحرام، في إطار القرارات المتخذة لتطويق ومنع انتشار كورونا المستجد.
لا قرنقعوه أو وقرقيعان
الأطفال في دول الخليج سيشتاقون إلى احتفالات قرنقعوه أو قرقيعان بمسمياته المختلفة، وهي مناسبة احتفالية تتزامن ومنتصف شهر رمضان، يجوب خلالها الأطفال الفرجان (الأحياء) حاملين أكياسهم، ويطرقون أبواب البيوت وهم يغنون، ويحصلون على نصيب من المكسرات والحلويات والهدايا التي توزع عليهم، ويملؤون بها أكياسهم.
وألغت الدول الخليجية كافة مظاهر الاحتفالات والتجمعات في سبيل منع أي شكل من أشكال اللقاء والاختلاط بين أفراد المجتمع.
أعباء مالية
وتحملت الحكومات الخليجية أعباء مالية إضافية هذه السنة، لضمان عدم تأثر مواطنيها وسكانها بالأعباء الاقتصادية التي تواجه الدول بسبب كورونا، من خلال محفزات، ودعم للأسعار، وتخفيضها لعدد معتبر من المواد الأساسية.
وذكرت وكالة “فيتش” الائتمانية أن نسبة المحفزات الاقتصادية التي تحملتها العواصم الخليجية، في مواجهة كورونا تراوحت بين 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لدولة قطر، و30 في المئة من ناتج البحرين، و30 في المئة من ناتج عُمان، و10 في المئة من ناتج الإمارات، و0.4 في المئة من ناتج السعودية.
وتهدف القرارات المتخذة إلى تفادي أي تأثير مباشر على مداخيل الأفراد بسبب الأوضاع الاستثنائية التي تواجهها الدول مع استفحال الفيروس. وحتى اللحظة تتجاوز دول الخليج بما تتحمله من تكاليف إضافية انعكاسات الجائحة على الفئات الهشة، وتحديداً في شهر رمضان، حيث أن أسعار المواد الأساسية حافظت على استقرارها، وفي عدد من الدول سجلت انخفاضا ملموساً، مثلما أعلنت عنه وزارة الاقتصاد في قطر التي قررت خفض قائمة واسعة من المواد الأساسية في مختلف مراكز البيع والتموين.
مرحلة الذروة
ويتمنى الخليجيون أن تتراجع أرقام الإصابات بفيروس كورونا حتى يستعيدوا حياتهم الطبيعية، ويعودوا لنسقها العام.
وتؤكد الحكومات الخليجية أنه لا تراجع عن إجراءاتها الاحترازية التي تتراوح بين الحظر العام والجزئي للحركة، أو تعليق النشاطات والتجمعات ما لم تنحصر نسب الإصابات وتتراجع إلى أدنى مستوى.
ويتمنى الجميع أن يكون ذلك قريباً.
اقتباس
ألغت الدول الخليجية مظاهر الاحتفالات