تناول احمد شوقي في قصيدته نكبة دمشق التي القاها عام 1925 منكوبي سورية وثورتهم ضد الفرنسيين، وعاش من خلال قصيدته ذكرياته في دمشق ووصف عظم الاحداث وحجم الجريمة، كما استدعى في طيات القصيدة عناصر التاريخ والحضارة واثر جريمة المستعمر، فالكل متفق على ان الشعب السوري الح على المستعمر الفرنسي بالرحيل عن ارضه سواء كان بالكلمة او بالنضال واشتد اوار الثورة في جبل العلويين والغوطة، واستشهد يوسف العظمة وحسن الخراط على رغام سورية الطاهر، وفي النهاية تقهقرت جحافل الغزاة. يحضرني هنا ما قاله هنري غورو على قبر صلاح الدين الايوبي (قم يا صلاح الدين ها نحن قد قدمنا) الا ان الاستعمار الفرنسي عاد مكبا على وجهه لقد قدمت فرنسا الغالي والنفيس للسيطرة على سورية لكنها فشلت فارادة الشعب كانت اصلب من كل آلة البطش الفرنسية، الخروج المخزي لفرنسا من الارض السورية ترك فيهم حب الانتقام واعادة السيطرة، ففرنسا اليوم تلقي ما بجعبتها علنا وتلمح باعادة الاستعمار غير المباشر فهي بهذه الطريقة تحاول ان تلوي يد الامريكان لتعيد مجدها. السؤال الذي يطرح نفسه هنا لو كان الاسد الابن يجيد اللعبة السياسية، فهل يستطيع ان يؤمن مكر الغرب وعلى رأسه فرنسا ويحافظ على بلده؟
ان التنافس الاستعماري على سورية موجود بين الدول الكبرى منذ زمن بعيد، لقد قلت في مقالة سابقة ان بشار الاسد قطع الطريق على الفرنسيين وصفعهم بعدما عقد اتفاقيات تجارية مع الانكليز وامريكا، هذا الامر كان من شأنه ان يولد حقدا اكثر لدى الفرنجة، كما لا يخفى على احد ان ساركوزي الذي تنحدر امه من اصول يهودية ينظر الى تعاونه مع اسرائيل بخصوص الملف السوري نظرة ايجابية فهو يريد ان يصطاد عصفورين بحجر واحد، اولا يبغي تأمين حدود اسرائيل مع سورية كما تفعل امريكا، وهذا يعتبر عاملا مشتركا بين امريكا وفرنسا، وثانيا يروم ان تعود سورية لاحضان فرنسا ولكن بلون مختلف وهو الاستعمار عن بعد. الصحف الاسرائيلية تطــــرقت كثيرا للاحداث في سورية، وبعض المحلليين الاسرائيليين قالوا ان سقوط نظــــام بشـــار الاسد بات قريبا، لم يأت هذا السرد من الكلام من باب الكذب السياسي او الفشل في التحليل، على ما يبدو ان هنالك اتفــــاقا شـــبه دولـــي على انهاء حكم بشار الاسد، لاعتبارات منها منع وصول روسيا الى سورية، في الوقت الذي يشهد العالم فيه حالة من التحالفات السياسية والعسكرية كما يحدث اليوم في التقارب الروسي الصيني الباكستاني بجانب انتهاج روسيا سياسة الدبلوماسية ومسك العصا من الوسط تجاه الثورات العربية، فهذا بحد ذاته اقلق اوباما، بالاضـــافة الى تنـــفس روسيا الصعداء هذه الايام على الانتعـــاش الاقتصادي وهرولتـــها نحو نسج عــــلاقات قـــوية مع دول الجوار، مع هذا حاولت امريكا ان تطيل عمر الاسد في سورية حتى تضمن ان منافسيها صب عليهم ماء بارد لكن ما زالت وتيــــرة فرنسا في الحلم في سورية قويــة، فنيران الثورة في المدن السورية وضعت امريكا في موقف حرج جدا، فسارعت للتفكير في مقاسمة فرنسا الكـــعكة، هذا كل ما تستطيع امريكا عمله او انها تفقـــد معقلا من اهم معاقلها، فالمأمول من الثورة السورية ان تقطع دابر الاستعمار برمته وتمضـــي في الـــخلاص من تدخل دول العالم في شأنها وتعود سورية الى وضعها الطبيعي. فتحي احمد