لندن ـ «القدس العربي»: توضح الدور الذي حددته الحكومة الأمريكية للمعارضة السورية «المعتدلة»، فبعد طول انتظار وترقب من قادة المعارضة السورية الذين عبروا عن حنقهم وشكواهم من تجاهل الإدارة الأمريكية لهم منذ أن بدأت الغارات الجوية على مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية ، وضح مسؤول أمريكي ماهية الدور المناط بالقوات التي ستدربها الولايات المتحدة في إستراتيجية الإضعاف والقضاء على تنظيم «داعش»، وهو حماية المناطق التي سيتم طرد مقاتلي التنظيم منها والدفاع عنها، ولن يطلب من مقاتلي المعارضة السورية القيام بمهام هجومية ومشاركة في العمليات.
هذا ما يقوله تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» أعده راجيف تشاندراسيكران ونقل فيه عن مسؤولين بارزين في الإدارة الأمريكية وقوات التحالف الدولي ضد داعش.
فرغم أهمية المعارضة السورية في الإستراتيجية الأمريكية كما يقول إلا أن المسؤولين لا يرون في القوة التي ستتلقى تدريبات في بعض دول التحالف أنها لن تكون في وضع استعادة المدن والبلدات التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية، بدون أن تتوفر لها قوات برية أمامية أمريكية و التي استبعد الرئيس باراك أوباما نشرها حتى الآن.
وعليه ستكون مهمة قوات المعارضة منع تنظيم الدولة الإسلامية التوسع خارج الحدود التي يسيطر عليها.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول بارز في الإدارة الأمريكية له علاقة باستراتيجية سوريا اعترافه بوجود فجوة كبيرة داخل الإستراتيجية «فمن ناحية نريد قوة معتدلة سورية يوثق بها ولكننا لم نظهر التزاما لبناء هذه القوة».
لا يوجد غطاء بري
ويبرر القادة العسكريون الأمريكيون ترددهم إشراك المقاتلين السوريين في معارك كبيرة مع مقاتلين مسلحين تسليحا جيدا، بعدم توفر القدرة للمعارضة على إجلاء الجرحى. ويستند العسكريون في نظرتهم للوضع السوري على تجارب الحروب في العراق وأفغانستان حيث انهارت الجيوش النظامية في البلدين لعدم وجود دعم جوي وذلك في السنوات الأولى للحرب في هذين البلدين. ويرغب القادة العسكريون بنشر قوات خاصة أمريكية أو من دول التحالف لتقديم النصح للمعارضة السورية لمنع تفككها أثناء القتال.
ويرى مسؤول عسكري أمريكي «لا تستطيع وضع قوات فاعلة على الأرض إن لم تكن قريبا منها لتقديم النصح والمساعدة».
ويرفض الرئيس أوباما نشر قوات برية في العراق وسوريا حتى لا يتورط في حرب طويلة ودموية في منطقة الشرق الأوسط. ولتجنب هذا السيناريو أعلنت الإدارة عن خطط لتقوية الوكلاء المحليين على الأرض، أي الجيش العراقي وقوات البيشمركة الكردية والمعارضة السورية.
وطلب البيت الأبيض من الكونغرس المصادقة على ميزانية 500 مليون دولار لتأهيل المعارضة المعتدلة.
وأعلنت وزارة الدفاع فيما بعد عن خطط لتدريب 5.000 من مقاتلي المعارضة السورية وتشكيل قوة فاعلة ونظامية حسب وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل وليس مجموعات «إضرب واهرب».
في المخيمات
وبحسب الخطة ستطلب الإدارة من القوات الأمريكية الخاصة تجنيد متطوعين من بين اللاجئين السوريين في مخيمات تركيا والأردن وبعدها سيتم نقلهم لتلقي التدريبات لمدة ثماني أسابيع في السعودية، ومن ثم سينقلون مرة أخرى للمناطق التي تسيطر عليها المعارضة المعتدلة.
وتتوقع الإدارة نشر أول وحدة في هذه المناطق خلال ستة أشهر. ويقول مسؤول عربي إن الخطة هي قيام هؤلاء بحماية المناطق المحررة. وستكون هذه القوات «دفاعية» وليست «هجومية».
وبناء على هذه النظرة فلن يتلقى المقاتلون إلا تدريبات أساسية لحماية قراهم، حسب الجنرال ويليام ميفايل، مدير العمليات في هيئة الأركان المشتركة في البنتاغون.
وبهذا لن يكون لقوات المعارضة أي أثر حاسم في المعركة ضد «داعش» وهو ما يعترف به الجنرل ميفايل. وقد يستفيد النظام السوري لبشار الأسد من هذه الترتيبات، حيث تسمح للأسد استعادة مناطق خسرها تنظيم الدولة الإسلامية. وتتناقض الإستراتيجية الأمريكية مع مطالب المعارضة السورية التي تريد أن تكون شريكا أساسيا في الحرب ضد «داعش» والأسد معا.
العراق أهم
وفي الوقت الحالي ترى الحكومة الأمريكية أن الأولوية هي لهزيمة «داعش» في العراق، مع أنها في الأسابيع الماضية شنت هجمات جوية ضد مقاتلي «داعش» الذين حاصروا وسيطروا على أجزاء من بلدة عين العرب ، وأنزلت الطائرات الأمريكية أسلحة لمقاتلي الحماية الشعبية الكردية.
ويشير التقرير إلى أن الهدف الرئيسي في تدريب قوات جديدة هو العثور على متطوعين من داخل المخيمات، فالإدارة لا تريد سحب مقاتلي الجيش الحر من داخل سوريا، بل تريد تجنيد قوات جديدة. وقد تواجه القوات الأمريكية الخاصة مشكلة في إقناع سوريين هربوا من ساحات القتال بعضهم لم تعد لديه رغبة بالعودة إلى محاور الحرب في بلادهم.
ورغم أن التدريبات التي يتلقاها المقاتلون أساسية إلا أنها مرحلة كما يقول المسؤولون لتحديد العناصر التي يمكن أن تستخدم لاحقا في عمليات هجومية.
فبرنامج التدريب متطور ولكنه يركز في المرحلة الحالية على إعداد بنية قيادية كما يقول مسؤول في وزارة الدفاع. وبحسب ميفايل فالخطوة الأولى هي تحديد المرشحين والتحقق من ملفاتهم وإقامة علاقات معهم وتزويدهم بالمهارات القتالية الأساسية وبعد ذلك إرسالهم لحماية مجتمعاتهم.
وتظل هذه الإستراتيجية ناقصة بدون قوات أمريكية، فلم يستبعد مثلا رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية مارتن ديمبسي مرافقة المستشارين الأمريكيين في العراق القوات العراقية لتقديم النصح لها.
وهناك من يقول إن تكنولوجيا الحرب تعوض وجود قوات كهذه ويشيرون كيف نشرت القوات الأمريكية طائرات بدون طيار حول سد الموصل وقامت بضرب قوات «داعش «القريبة من مقاتلي البيشمركة.
ويرى مسؤولون إن المقارنة بين البيشمركة الخبيرة بالقتال ومجموعات قتالية حديثة ليس في محله. فوحدات المعارضة السورية بحاجة لدعم معنوي وإجلاء للجرحى وما إلى ذلك لمنع تفككها وانهيارها وهذه أشياء لا يمكن فعلها عن بعد.
وفي الوقت الحالي تقوم الإدارة بإجراء محادثات مع تركيا وقطر والأردن لفتح مراكز تدريب حالة لم يعد مركزي التدريب في السعودية قادرين على استيعاب المرشحين. ويرى الناقدون للإدارة إن خطوات كهذه لن تكون ناجحة حالة لم تعلن إدارة أوباما التزاما بالقوات الجديدة، كما أن عدم التركيز على الأسد كهدف في الإستراتيجية قد يدفع عددا من المقاتلين للوقوف موقف المتفرج. لكن الإدارة تؤكد انها تريد نجاح هذه القوة.
صعود الأكراد
وقد تجد الولايات المتحدة صعوبة في تحقيق أهدافها وتشكيل القوة في ظل ما يراه الكثير من أفراد المعارضة السورية محاباة لقوات الحماية الشعبية الكردية التي ينظرون إليها نظرة شك، نظرا لطموحات الأكراد الإنفصالية ولعلاقتهم الملتبسة مع نظام بشار الأسد.
ويأتي صعود العامل الكردي في الأزمة السورية ومواجهة «داعش» في وقت تتعامل فيه الحكومة التركية مع الوضع الجديد بنوع من القلق، فهي لا تريد أن تظهر بمظهر من يدعم تنظيم الدولة الإسلامية ولا بمظهر من يساعد اعداءها من حزب العمال الكردستاني. فقد سمحت تركيا وبضغط من الولايات المتحدة بمرور مقاتلي البيشمركة وأسلحتهم الثقيلة للتخفيف عن المقاتلين داخل عين العرب(كوباني).
وترى صحيفة «وول ستريت جورنال» إن الأكراد في العراق وسوريا وضعوا خلافاتهم جانبا وقرروا الإتحاد لمواجهة «داعش» وهو ما منحهم شرعية دولية على حساب المخاوف التركية. وترى الصحيفة إن اعتماد القوات الأمريكية المتزايد على المقاتلين الأكراد في العراق يثير أيضا مخاوف الحكومة العراقية التي تخشى من أن تؤدي التطورات والحرب مع «داعش» لتعزيز مواقف الأكراد في شمال العراق ويعلنوا الإستقلال في منطقة الحكم الذاتي. وتنقل الصحيفة عن رئيس وزراء الإقليم برهم صالح قوله «برزت كردستان كأهم شريك يثق به المجتمع الدولي في الحرب ضد داعش».
وأضاف «لدى الأكراد مواقف مختلفة ولكننا نواجه عدوا واسع الحيلة يقف على بوابتنا ولهذا حان وقت الإجماع». وأشارت الصحيفة لاجتماع داهوك الذي حضره حزب الإتحاد الديمقراطي المرتبط بحزب العمال الكردستاني وأحزاب صغيرة لها علاقة مع رئيس إقليم كردستان وانتهى بالإتفاق على المشاركة في السلطة. ونقل التقرير عن كبير مستشاري البارزاني، فؤاد حسين قوله إن قوات البيشمركة ستصل لعين العرب في غضون أيام قليلة. مشيرا إلى أن الخلافات لم تحسم بعد ولكن الطرفين يقاتلان نفس العدو.
وتقول الصحيفة إن منظور التعاون السياسي والعسكري الموسع بين الأكراد أدى لقلق ونقاشات في داخل الحكومة التركية، حيث تواجه معضلة سياسية معقدة تجاه القضية الكردية والتي تشمل عملية سلمية مع الأقلية الكردية التركية.
وأثرت المعركة في عين العرب(كوباني )على الوضع السياسي التركي حيث اندلعت تظاهرات قتل فيها 40 شخصا وأثرت على محادثات السلام.
وفي الوقت الذي يشعر فيه أكراد تركيا بالحنق على الحكومة التي يقولون إنها فشلت في حماية عين العرب ، يطالب عدد متزايد من الأتراك بوقف صعود أكراد سوريا المرتبطين بحزب العمال الكردستاني المصنف كجماعة إرهابية في تركيا والولايات المتحدة.
معضلة أنقرة
كما وأثر صعود أكراد سوريا على العلاقات الأمريكية- التركية فيما يتعلق بسوريا. فقد شنت الطائرات الأمريكية 100 غارة على البلدة، ونقلت معدات عسكرية وطبية للمقاتلين الأكراد داخلها. كما ودفعت واشنطن باتجاه الوحدة بين الفصائل الكردية حيث تشعر بالإرتياح لما تحقق حتى الآن.
وبحسب هنري باركي المحاضر في جامعة ليج الأمريكية «تركيا قلقة من خروج أكراد سوريا كأبطال وتريد احتواء الوضع من خلال دعم حلفائها أكراد العراق».
ويضيف أن الولايات المتحدة ظلت تستشير أنقرة في الموضوعات المتعلق بالأكراد «ولكن في موضوع أكراد سوريا لم تفعل وهو ما أثار غضب أنقرة».
وبدا هذا واضحا في تصريحات الرئيس التركي طيب رجب أردوغان الذي انتقد عملية نقل السلاح للأكراد الذي وقع جزء منه بيد «داعش». وأجبرت وزارة الدفاع على الإعتراف بالواقعة بعد فيديو نشره «داعش». وترى الصحيفة أن غضب أردوغان له علاقة بمحادثات السلام مع الزعيم الكردي السجين عبدالله أوجلان. وتعتمد الولايات المتحدة اليوم على فصيلين كرديين، عراقي وسوري كقوات برية تدعم الحملة الجوية، ويقول مسؤولون ان التعاون مع أكراد سوريا نبع من تحول عين العرب إلى معركة رمزية يجب منع «داعش» من تحقيق انتصار فيها.
وفوق كل هذا حاز الأكراد في العراق على دعم الدول الغربية نظرا لمواقفهم المعتدلة وخبرتهم القتالية.
ويقول ولدمير فان ويلغينبرغ من معهد جيمس تاون إن الأكراد حصلوا على صفقات مع الغرب لأنهم مدفوعون بنفس الحس الخائف من تهديد «داعش».
وقال الباحث الذي حضر اجتماعات دهوك إن الأكراد لديهم نموذج للتعاون على جانبي الحدود العراقية والسورية لكن لا أحد يعرف إن كان هذا التعاون سيستمر وماذا سيكون رد فعل تركيا.
جاذبية «داعش»
بعيدا عن العامل الكردي تناولت صحيفة «واشنطن بوست» في افتتاحيتها الدعم العالمي الذي يحظى به تنظيم «داعش» من الجماعات الجهادية الممتدة من الباكستان وحتى الجزائر.
وتقول إن القوى الدينية والسياسية في العالم العربي والإسلامي اتحدت لشجب «الخلافة» التي أعلن عنها أبو بكر البغدادي، زعيم التنظيم.
وبالمقابل فالدعم الذي حصل عليه من الجماعات الجهادية الأخرى يجعل من مهمة هزيمته في العراق وسوريا معركة صغيرة «فانتشار عقيدة التنظيم وأساليبه مثل قطع الرؤوس هي نتاج نجاحاته في العراق وسوريا وبراعته في استخدام وسائل التواصل الإجتماعي و رغم القيود المفروضة على الإتصال في الدول العربية الإستبدادية».
ومن هنا ترى أن وقف زخم تقدم داعش مهم ليس فقط لمستقبل العراق وجيرانه ولكن للمعركة الدولية الأوسع ضد التطرف الإسلامي. وتقول الصحيفة إن تقديم الولاء للبغدادي جاء من مناطق غابت فيها سيادة الدولة، أولا في ليبيا ومن ثم الجزائر وبعد ذلك طالبان حيث قالت خمس قيادات إنها لم تعد تأتمر بأمر ملا محمد عمر، زعيم طالبان. وفي مصر قامت حركة أنصار بيت المقدس بقطع رؤوس تسع رهائن حسب تقرير لصحيفة «لوس انجليس تايمز». وقال أحد قياداتها لوكالة أنباء «رويترز» إن حركته على تواصل مع تنظيم الدولة الإسلامية. وحتى جماعة أبو سياف في الفلبين حاولت استثمار هالة «داعش» وهددت في بيان بأنها ستقطع رأسي رهينتين ألمانيتين حتى تخرج ألمانيا من التحالف الأمريكي ضد «داعش». كما يحظى التنظيم بدعم مدنيين غير مقاتلين كما في المدينة الساحلية في لبنان، طرابلس حيث رسم علم تنظيم الدولة على جدار بنايتين في حي التبانة حسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال».
وفي تقرير لوكالة «أسوسيتدبرس» أن مؤيدين ل «داعش» في الجامعات التركية قاموا بافتعال سلسلة من المعارك داخل حرم الجامعة. وفي الأردن أظهر استطلاع أن نسبة 62% اعتبرت داعش تنظيما إرهابيا.
وتفسر هذه المشاعر المؤيدة ل «داعش» تردد عدد من القادة مثل أردوغان المشاركة في الحرب ضد التنظيم. وتقول الصحيفة إن إدارة أوباما اعترفت بخطر تنظيم الدولة وجاذبيته ولهذا دفعت باتجاه خطوات سياسية لمواجهته مثل دفع القيادات الدينية لإصدار فتاوى ضده. لكن هذه الإجراءات لن تكون فاعلة طالما ظل التنظيم قويا، فكما قال أسامة بن لادن «عندما يرى الناس حصانا قويا وآخر ضعيفا، فإنهم بطبيعتهم سيحبون الحصان القوي».
صحيح التطرف الإسلامي لن تتم هزيمته بالقوة العسكرية وحدها، لكن تنظيم الدولة الإسلامية يبدو للكثيرين في العالم الإسلامي قويا ولهذا فالطريقة الوحيدة لوقف تأثيره هي هزيمته عسكريا عاجلا أم آجلا.
إبراهيم درويش