حاول الإنسان منذ القديم أن يطوّر من مظهره الخارجي، سواء تعلّق الأمر بطريقة لباسه أو نوعيتها، أو في ما يرتبط بتحسين قسمات وجهه. وكذلك في ما يتصل بطرق الكلام والحوار والتفاعل.
وقد اعتبر التواصل اللغوي أهم حلقات بناء الجماعة وتساكنها، كما شكّل الجسد حلقة مهمّة لإرسال الرسائل واستقبالها، إضافة إلى اللّباس بكلّ مقاماته وطقوسه باعتباره وسيلة لخلق التميّز بين أفراد المجتمع؛ كل ذلك فتح المجال لدور الإتيكيت والجمال للانفتاح على أسواق متعدّدة، متوسّلة بالدعاية والإعلام بغية تحقيق أهدافها. ورغم بساطة التواصل الإشهاري في القديم، فقد استطاع أن يجذب أذواقا متعدّدة؛ حيث شكّلت الأسواق والاحتفالات ملاذا مهما لترويج المنتوج والبضاعة، معتمدة على التفاعل بين البائع والمشتري. وقد استعطف التجار في أحايين أخرى الشعراء لإغراء المشترين، خصوصا في المجتمع العربي، نظرا لما للكلمة الموزونة والمقفاة من سلطة في تقريب المسافات وتذويبها، بين مختلف شرائح المجتمع. ولعلّ الأبيات المأثورة للشاعر الأموي ربيعة بن عامر التميمي الملقّب بالدرامي، التي نظمها بناء على رغبة أحد التجار العراقيين، بعد أن نفدت سلعته من الخُمر، عدا السّود منها. فسارع الشاعر إلى نظم أبيات شعرية يصف فيها امرأة جميلة ترتدي خمارا أسود؛ حيث يقول:
قُلْ للمَليحَةِ في الخِمارِ الأسودِ
ماذا فَعَلتِ بِزاهِدٍ مُتَعبِّدِ
حَتى قَعَدتِ لَه بِبابِ المَسجدِ
قَد كان شَمَّرَ للصلاةِ إزارَهُ
لا تَقتُليهِ بِحَقِّ دِينِ مُحَمَّدِ
رُدِّي عَلَيهِ صَلاتَهُ وصيامَهُ
فانتشر بين العامّة أنّ الدرامي قد أسرته صاحبة الخمار الأسود وأخذت لبّه، فكان هذا سببا كافيا للترويج لسلعة التاجر العراقي، حيث باعها جميعها. وهذا يشي بسلطة الشعر وقوته المعنوية والإعلامية؛ حيث كان يقوم بدور شبيه بدور وسائل التواصل المستحدثة الآن. فركون الإنسان القديم كما المعاصر إلى تحديث مظهره الخارجي، رافقه تجديد في طرق تواصله، بحثا عن توسيع دائرة تفاعله، وأملا كذلك في الحظوة والمكانة داخل مجتمع يتغيّر كل يوم بل كل ساعة، مجتمع تبحث مجموعة من أفراده ركوب عالم الموضة، بكل تياراتها وتنوعاتها وخلق ثقافة ترويجية جديدة.
وهي أقنعة تكتم أسرارها ولا تفشي إلا وجهها الجميل منها، عندما ترخي بظلالها مطلع كل سنة بحثا عن أسواق أخرى، ورغبة كذلك في حصد مداخيل أخرى. فلم تعد الموضة في عدّة أوجه منها مرهونة بضمير يحكّم الأخلاق والمعايير الإنسانية، التي تعلي من قيمة المرء وتمنحه منتوجا يراعي خصوصياته الثقافية والمذهبية والعقائدية، بل غدت وسيلة لتشيئ جسد الإنسان في كثير من الأحيان وسلبه نبله ووقاره. لذلك تتسارع مختلف وسائل الإعلام، مجيّشة مختلف طاقمها لجذب فئات عريضة من المجتمع، وإقناعها باقتناء منتوجاتها؛ فسطوة الإعلام أصبحت قوّة قاهرة باختلاف تراتبية أفراد المجتمع، وبتنوّع مستوياتهم التعليمية والمادية، وحتى العمرية.
تتعدّد الأقنعة وإغراءاتها، فمن باحث عن غطاء مختلف للجسد إلى ساع لتقمّص أدوار أخرى جديدة، سرّعت بها الوسائط الاجتماعية الحديثة، التي استقطبت مع مرور الوقت أعدادا كبيرة
فقد أغرت حواسّه لتبنّي نمط حياتي جديد؛ حيث الصورة تلعب دورها في تحفيز ملكاته، لترسيخ منتوجات وسلوكات كانت إلى عهد قريب غير معروفة، بل غير مرغوب فيها. فنحن أمام ثقافة ـ قناع استهلاكية جديدة يراعى فيها تغيير نمط الاستهلاك وطرق التفاعل؛ من قبيل: آن وقت الحسم في تغيير قراراتك وطرق عيشك! آن الوقت لتغيير مظهرك!
يمكنك القيام بأشياء مثل الحصول على قصة شعر رائعة! هذه الملابس هي لوك جديد قد يغيّر نظرة الآخر إليك! هذا الكريم قد يغيّر من لون وجهك ويحافظ على شباب دائم! وهي أقنعة إشهارية تعزف على أوتار متعدّدة لملء فراغات في كيّان الإنسان، وتحريك توقه وتغيير نظرته إلى واقعه، بمعزل عن طبيعتها ونواياها. وهو ما قد يتفاعل معه البعض بغض النظر عن طبيعة السلعة المقتناة، والتحسين الذي يرغب الإنسان إدخاله على جسده.
إننا أمام ثقافة جسدية مصبوغة بألوان متلوّنة، بنظرة كونيّة للجسد؛ قد تختلف الأمكنة والبيئات، لكن الهدف واحد تقمّص أشكال وألوان قد تبعد الإنسان عن واقعه ومحيطه، وتجعله يعيش واقعا ثانيا غير محسوس، لكنّه مرئي في مخيّلته.
فلم يعد القناع ذلك الرّداء الذي يلبسه الفنّان المسرحي متنكّرا ليتقمّص دورا ما، وينتهي بمجرد إسدال الستار. ولم يعد قناعا معزولا في جزئية جغرافية معيّنة، بل غدا ثقافة كونيّة تتردّد في جغرافيات متنوعة يربطها خيط واحد؛ هو التفرّد في تغيير المظهر وركوب الموضة لتحقيق أو لإشباع ذاتي قد يكون أساسه مجاراة عادات جديدة، وقد يكون دافعه الفضول والرغبة في اكتشاف مغاليق الذات، من أجل إضافة مساحة ضوئية للجسد قد تغري الآخر بتتبّعه ومجاراته.
تتعدّد الأقنعة وإغراءاتها، فمن باحث عن غطاء مختلف للجسد إلى ساع لتقمّص أدوار أخرى جديدة، سرّعت بها الوسائط الاجتماعية الحديثة، التي استقطبت مع مرور الوقت أعدادا كبيرة؛ فترويج الخبر ونشره وإذاعته، وحتّى نقده لم يعد حكرا على فئات متخصّصة بعينها، بل تعدّاه إلى شريحة أخرى استغلت المساحة الضوئية للفضاء الأزرق والأحمر والأصفر، معلنة ميلاد ثقافة إعلامية قناعية أخرى، لم تعد مقتصرة على الطرق الكلاسيكية من صحافة مكتوبة أو مسموعة، بل أصبحنا الآن أمام عالم كله يتكلّم (الصحافة)؛ وينشر الخبر عبر تقنيات جد حديثة وسريعة الانتشار، وما اليوتوب والفيسبوك وتويتر وأنستغرام، إلا واجهة من هذا التطور الإعلامي الجديد، الذي أخلّ توازن الصحافة، وأدخل عليها مكرا جديدا تبنتها هي نفسها في كثير من الأحيان. فالترويج للأخبار، سواء كانت صحيحة أو مغلوطة، وحب الانتقام لدى البعض، والنيل من الآخر أصبح ملجأ سهل المنال، وفرصة طيّعة للبحث عن مصطادي عيوب الناس، أو الذين يعضّون أيديهم لنجاحات أناس.
إنه قناع جديد يختبأ وراءه البعض لينشر سمومه في أعراض البعض الآخر، بدون موجب حقّ، بل غدت الصحافة الكلاسيكية والورقية خصوصا، تعرف بوارا وكسادا قد تحتاج إلى شاعر آخر من طينة الدرامي ليبث فيها الحياة. لكن الأقنعة التي يلبسها بعض الناس في أحاديثهم وتواصلاتهم، جعلت العديد من المهتمين يشرحونها تحت دائرة اللباقة والتصنّع في الكلام. مادامت الحياة في تقلباتها وتطوراتها تستدعي من الإنسان أن يجامل ويتحفّظ في البوح بالحقيقة، أو التعبير عن واقعية الأمور. كما يفعل الشعراء وهم يرمّزون أشعارهم باستعارات وتشبيهات لا يفهمها إلا من تمعّن في معانيها، وهذا ما صدح به الشاعر العراقي محمود البريكان :
يخفي المسافرون
وجوههم في صفرة الظل ويحلمون
بالغد.. الرجال متعبون يحلمون
بالبيع والشراء والفاقة والثراء
والأهل والبنين والوداع واللقاء
وقد نصادف أقنعة كاذبة مزوّرة، تجعل أناسا يُظهرون ما يخفون، لكي يصلوا إلى أهداف وغايات، إذ يعتبرون تلك الطريقة وسيلتهم إلى البحث عن ملذّة عابرة أو ارتقاء اجتماعي، فيرتدون قناع التملّق والرياء. وقد دخل علم النفس على الخطّ ليناقش هذه الظاهرة، معتبرا أن تلك الفئة التي تغيّر وجهها بقسمات أخرى لا تمتلك قوة الشخصية، ولا تقدّر ذاتها بشكله الصحيح. إنّها ذات انهزامية بلغة برادشو، بل هي مرض نفسي بتعبير بريجز، التي تحتاج إلى معاودة الذات في مصحة النفس. فإظهار السعادة المصطنعة والمزيفة، يبعد الفرد عن التغلب على صعاب الحياة بكل مواقفها من خوف وقلق، ما يدفعه إلى تبرير سلوكاته بركوب تلك الأقنعة كما ذهب إلى ذلك روجز.
لكن يبقى القناع وسيلة صحّية في مواقف معيّنة، حتى لا يصطدم الإنسان ويدخل في دوامة أو صراعات لا طائل منها، وهذه الصناعة المؤقتة حبذها الشاعر زهير بن أبي سلمى منذ قرون في قوله:
ومن لا يصانع في أمور كثيرة ** يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
٭ كاتب من المغرب