د. فايز رشيد ما يقارب النصف عام مضى على انطلاق شرارة الثورات العربية، بدءاً بتونس ومروراً بمصر وما جرى من عملية تغيير فيهما وصولاً إلى بلدان إرهاصات الثورة الحالية. مما لا شك فيه أن رياح التغيير العربي ومثلما دفعت الخط الوطني التقدمي الوطني والقومي العربي، خطوات كثيرة إلى الأمام، فإنها أحيت الأمل في ذهنية المواطن العربي من الخليج إلى المحيط، بالنسبة للمستقبل وآفاقه الرحبة، المشبعة بمطالب العدالة والحرية والتقدم الاجتماعي على الصعيدين الوطني والقومي، ولكن من ناحية أخرى: هل أتت الرياح بما تشتهي السفن؟ هل كانت إنجازات عملية التغيير بمستوى طموحات المواطن العربي؟ وهل؟ وهل؟ وخاصة بعد وصول المواطن العربي إلى حالة تشاؤمية كبيرة، قبل الثورات، بسبب انكسارات الواقع وظلاميته وافتقاد أية مؤشرات لعملية التغيير. نطرح هذه الأسئلة وغيرها بعد مرور نصف سنة على انطلاقة هذه الثورات وتحديداً في تونس. وإذا جاز لنا الإجابة عن حالة عامة عربية بعد مضي هذا الوقت، فإنه يمكن القول: أن حجم الإنجازات لا يتواءم ومستوى التوقعات، هذا أولاً، وثانياً: إن ثمة مخاطر كبيرة تتهدد الثورتين في تونس ومصر، وسط عدم وضوح نهايات الثورة في البلدان الأخرى، الأمر الذي يدفع باتجاه القول: أن حالة عامة إحباطية تسيطر على شعور المواطن العربي، بالنسبة لما اصطلح على تسميته بالربيع العربي، السبب بالطبع: هو الحالة الانفصامية بين الآمال والطموحات والواقع. وبنظرة موضوعية إلى أسباب عدم إنجاز الثورات العربية لمهامها المفترضة، يتضح أن ثمة أسبابا موضوعية وأخرى ذاتية. الموضوعي منها، متعلق بمحاولة القوى الخارجية الالتفاف على الثورات بتأييدها موضوعياً بالمعنى الشكلي وإجهاضها من داخلها، لتتحول الشعارات من حالة تغييرية ثورية إلى حالة من المطالبة بالإصلاحات، يستطيع أي نظام دكتاتوري التعامل معها والمساومة عليها.
أما بالنسبة الى الوضع الذاتي، فانه وعلى الرغم من خلع الرئيسيين التونسي والمصري، فإن أداة الدولة في البلدين بقيت على حالها، مع تغييرات شكلية في بعض المواقع المهمة ولكن في إطار من دائرة أداة الدولة القديمة. هذا الشكل من التغيير، مخالف لاشتراطات التغيير المفترض أن تجريه الثورة وتعمل بموجبها، فهذه لها قوانينها وأسسها العلمية وشكل التغيير الكلي الذي تطرحه. من ناحية أخرى: فإن أدوات الثورة أو القوى المحركة لها هي في المظهر العام تتلخص في حركات شباب وطنية عامة طرحت في البداية الإصلاحات، وتطور الأمر إلى المطالبة بإسقاط النظام. الشعار الأخير لا يعني تغيير الرئيس فقط، ولا تغيير رئيس الحكومة والوزراء، بل يعني أيضاً ضرب المرتكزات الأساسية للنظام السابق على كافة الأصعدة، وهذا من الصعب تحقيقه، دون نضوج قوى منظمة ذات برامج واضحة، وهو يعني بشكل أساسي: قوى المعارضة. قوى المعارضة في كل من تونس ومصر، متفرقة ما بين اتجاهات وطنية تقدمية، قومية ويسارية، وإسلامية إلى جانب تفرقها، هي لم تطرح برامج تغييرية ثورية، بمعنى: لم يكن إسقاط النظام ولو من خلال الطرق الديموقراطية أحد شعاراتها، ولم تدرجه لا في برامجها، ولا في شعاراتها التكتيكية أو مبادئها الاستراتيجية. سقفها تمثل في الشعارات الإصلاحية من خلال النظام، والمناداة باستقالة الرئيس وعدم التوريث (كما حدث في مصر). عندما نقول شعار: ‘إسقاط النظام’ في برامج الأحزاب لا يعني استخدام الثورة المسلحة في عملية التغيير، وإنما من خلال الالتفاف الشعبي حول هذا المطلب، لكن ضمن رؤيا للحزب/لأحزاب المعارضة/المعارض تدرك ماذا تريد.
الخلل في أحزاب المعارضة: أنها وبعد خلع الرئيس في كل من تونس ومصر، لم تتفق على شعارات واحدة وموحدة، فحتى بالنسبة لاستفتاء تغيير الدستور في مصر، كان هنالك اختلاف على هذا الشعار. من ناحية ثانية، فإن هذه الأحزاب لم تقد عملية التغيير، وهي لا تستطيع ومشاركتها في عملية التغيير جاءت إلحاقية، ولكن وبعد التغيير، افتقدت هذه الأحزاب وما زالت الرؤيا لخطوات عملية التغيير الثوري.
ربما يتصور البعض: أن في هذا التحليل ظُلما لأحزاب المعارضة في الإجابة نقول: كلا، بل أن ممارسة الديموقراطية تريدها هذه الأحزاب، من خلال أداة الدولة القديمة، وبقايا النظام السابق، هذه البقايا لم تصل بعد إلى مرحلة الاستسلام الكامل لقوى الثورة والتغيير، وهي أيضاً ذات نشاطات محمومة لإعادة العجلة إلى الوراء، والعودة بالبلد إلى سابق عهده، وبخاصة أنها تلقى دعماً خارجياً، حريصاً على إبقاء البلد في إطاره السياسي ودائرة حركته، تماماً مثلما تريد الولايات المتحدة لكل من تونس ومصر، فهي مع إجراء إصلاحات شكلية لا تضرب أسس النظام السابق، بل تُبقي على هذه الأسس، مع تغيير في الوجوه، ولكن مع إبقاء السياسة العامة للدولة في مرحلتها الجديدة كما كانت في مرحلة ما قبل التغيير، وخاصة بالنسبة للسياسات تجاه اسرائيل وتجاه الولايات المتحدة وعموم الدول الغربية.
قوى المعارضة في دول الثورات العربية، لم تلتقط اللحظة التغييرية، وكان لها وما يزال تحليلات مختلفة بالنسبة لما حصل، ولها أيضاً شعارات مختلفة بالنسبة لاستمرار عملية التغيير المستقبلية. من هنا يمكن القول: أن الخلل هو بنيوي في هذه الأحزاب، هذا أولاً، وثانياً فإنها تعاني أزمة برنامجية وبرامج تنطلق من محددات وظروف الواقع الراهن، والرد عليه بخطوات ليس نظرية فحسب وإنما عملية مشاركة في النشاطات، قادرة على استقطاب الجماهير الواسعة من حولها في الحركة من أجل الاستمرار بعملية التغيير.
مرور نصف سنة على بدء الثورة ونجاحها جزئياً في بلدين عربيين، أعطى فرصة كبيرة للقوى الخارجية وتحديداً للولايات المتحدة والدول الغربية عموماً لاختراق (ليس بمعنى العمالة وزرع الجواسيس فيها) المعارضة العربية، ففجأة تفتح الولايات المتحدة حواراً مع بعض قوى المعارضة المصرية، وتنسج خيوطاً مع المجلس الانتقالي الليبي، فهذا المجلس يقف موقف التأييد لضرب قوات النيتو لمناطق في ليبيا يسيطر عليها القذافي، ويزور ويستقبل المسؤولين الغربيين، ويمد عبر وسطاء خيوطاً مع إسرائيل، ويعطي ضمانات للدول الغربية. صحيح أن ليبيا وبحكم ظروف واقعها منذ مجئ نظام القذافي إلى الحكم ما زالت تفتقد إلى حركة معارضة حزبية متبلورة، وأنوية الأحزاب الموجودة كانت سرية، وهي مثلما قلنا جنينية وتفتقد إلى برامج واستقطاب جماهيري، غير أنه من الصحيح أيضاً: أن المجلس الوطني الانتقالي الليبي هو مجلس معارضة لنظام العقيد القذافي، غير أن أقصى ما يريده هذا المجلس: هو خلع القذافي ورحيله مع أبنائه ومسؤوليه خارج ليبيا في ظل عدم وضوح آفاق ما بعد الخلع من مختلف النواحي، الأمر الذي يُنتج قيادة ليبية جديدة بصورة أكثر ديموقراطية مع علاقات ليبية ـ أمريكية – غربية متطورة، أي أننا سنكون أمام نسخة جديدة من القذافي وعلى ذلك قِسْ.
ملخص القول: أن للثورة اشتراطاتها وقوانينها وهو ما أهملته الثورتان في كل من مصر وتونس، ولم تنتبه إليه أيضاً المعارضة في دول الإرهاصات الثورية العربية، بالتالي نعم فان الربيع العربي أمام: أزمة هوية وأزمة بديل. ‘ كاتب فلسطيني