الرباط-“القدس العربي”: إذا كانت جائحة فيروس “كوفيد-19” أظهرت أن الأطباء الذين يراهنون على حياتهم يوميا لإنقاذ حياة مرضاهم، هم الأبطال الذين لا جدال حولهم في حرب البشرية على الوباء، ففي محاولة إظهار تجارب وتحديثات المرض، يلعب الصحافيون دورا أساسيا، بل إن بعضهم جنود في جبهة القتال الأمامية.
البعض يراهم فدائيين، البعض يراهم شياطين، البعض يراهم مرآة تعكس الحقيقة، والبعض يراهم صدى للكذب، فإذا كان هناك صحافيون مهنيون يحترمون أنفسهم في المغرب، فهناك صحافيون لا يهمهم ذلك، فأين ما وجد موسى فثمة فرعون!
اليوم في ظل الجائحة، تغير الزمن وبقيت الصحافة ثابتة، رغم أنها عموما، والمغربية على وجه الخصوص؛ تواجه تجربة لم يعشها أبناؤها من قبل، تجربة مفعمة بالشغف وبالخوف، ولكن الحاجة اليومية لنقل الأخبار للمواطن بدقة؛ تتغلب على أي خوف من تغطية الوقائع، ربما من مراكز العزل، أو من المستشفيات حيث يتم علاج الحالات مؤكدة الإصابة، وربما عن بعد، فالكثير من الصحافيين الآن يشتغلون من بيوتهم.
الصحافيون في زمن الفيروس التاجي، يساعدون بهذا العمل في توصيل المعلومات، لفهم هذه الجائحة من خلال من يعايشونها عن قرب، عبر إجراء مقابلات صحافية مع المرضى والأطباء والممرضات، ومن خلال ذلك، يتفوق شغف العمل على الخوف بالإصابة.
أوضاع صعبة وغد مجهول
في سياق الطوارئ الصحية المعلنة في المملكة، وتفعيل إجراءات مكافحة انتشار فيروس كورونا، قامت وزارة الثقافة والشباب والرياضة، بحث جميع رؤساء تحرير الصحف الورقية، أن توقف إصدار ونشر وتوزيع جرائدها ابتداء من 22 آذار/مارس 2020 حتى إشعار آخر.
وأصبحت مقرات الصحف شبه فارغة، فمن ليس في الميدان يستقي الأخبار، هو في بيته يشتغل عن بعد، ولم يعد في الصحف سواء الورقية أو الإلكترونية سوى بضعة أشخاص لتنسيق العمل على الويب وآخرون لضبط النسخة المطبوعة.
الإعلامي المغربي، نور الدين مفتاح، ناشر صحيفة “الأيام” الأسبوعية، يقول لـ”القدس العربي” إن “الصحافة المغربية في ظل كورونا، تشتغل في أوضاع صعبة”.
هذه الصعوبة حسب مفتاح، تكمن في “مخاطر الإصابة بالفيروس في الأماكن التي تتم التغطية فيها، كالمستشفيات وأماكن الأحداث كالبؤر، وحديثها المباشر مع المصادر. فأينما كان الحدث هناك صحافيون، والحدث اليوم هو جائحة كورونا”.
ويضيف، “بطبيعة الحال هناك احتياطات، كاحترام مسافات الأمان الصحي، وضع الكمامات، تعقيم مقرات العمل ووسائل النقل الخاصة بالصحافيين، وتعقيم الأجهزة”.
ويؤكد على أن “أغلب الصحف المغربية اليوم، بما فيها جريدتنا، دفعت بصحافييها، باستثناء الفرق التي تشتغل ميدانيا، إلى العمل عن بعد، وحتى الاجتماعات تتم عن طريق محادثات الفيديو”.
ومن الأوضاع الصعبة التي يسردها الإعلامي مفتاح، والتي تعيشها الصحافة المغربية، في زمن الفيروس “تعليق طبع وتوزيع الصحف الورقية، الذي سبب أزمة كبيرة للمؤسسات الإعلامية، التي كانت قبل هذا القرار في شبه إفلاس مقنع”.
هذا الإفلاس جاء وفق مفتاح، جراء “حال الطوارئ وإغلاق الأماكن العامة كالمقاهي والفنادق والأكشاك التي كانت أمكنة لتداول الصحف بالأساس، وعندما صدر القرار، صارت الصحافة في حكم القطاعات المنكوبة”.
مع ذلك، ورغم توقف التوزيع والإشهار، استمرت الصحافة الورقية في إصدار نسخ رقمية مجانية عبر مواقعها الإلكترونية، لأنها وفق مفتاح “لا يمكن أن تتخلى عن واجبها الوطني، والمساهمة بدورها في جهود محاربة الوباء، عبر المساهمة في صندوق كورونا، أو عبر رسالتها الصحافية، رغم تأثيرات ذلك المؤلمة، سواء على المقاولة الصحافية وعلى العاملين بها، إذ أن هناك مؤسسات خفضت رواتب صحافييها، وهناك صحافيون تنازلوا عن جزء من رواتبهم لمؤسساتهم، كما أن هناك مؤسسات تقوم بمجهودات حثيثة لأن يتوصل عمالها برواتبهم كاملة في انتظار ما ستكشف عنه الأيام المقبلة من إمكانيات لإنقاذ الصحافة من الانهيار”.
ويختم مفتاح حديثه معتبرا أن “الأفق إلى حد اللحظة مجهول، لأن الصحافة شأنها شأن الاقتصاد؛ لن تتعافى مباشرة بعد رفع تعليق طبعها، لأنها جد مرتبطة بالاقتصاد المغربي، وبالحالة وبالوضعية العامة للبلد والمجتمع، والوضعية العامة لن تعود إلى طبيعتها إلا قبل سنة، وأن تصمد الصحافة المغربية، ليس اقتصاديا، بل كصحافة خلال هاته مدة الجائحة، أو أن تتعافى من تأثيراتها فذلك ما لا يستطيع أحد التكهن به الآن الجواب اليوم بالعقل؛ أقرب كثيرا إلى التشاؤم، منه إلى التفاؤل”.
في قلب حربين
في عالم متحرك بسرعة لا متناهية، تبقى الصحافة بلا شك أفضل ترياق ضد التضليل والصمت والأكاذيب التي تولد عن عمد، متسببة باختلال التوازن في الرأي العام، وتلك مشكلة عانى منها المغاربة كثيرا.
خولة اجعيفري، صحافية في يومية “أخبار اليوم” الورقية، ومنذ بداية ظهور الفيروس الذي لا يزال أخفى من أن يرى وأبين من أن يخفى، كانت سباقة لتناوله، حتى قبل تسربه إلى البلاد “حقيقة وجدنا أنفسنا في قلب تجربة غريبة ومتفردة، فمهنيا لا خبرة لدينا كصحافيين في تغطية الظرفية الوبائية أو على الأقل لم يسبق أن غطينا أو قرأنا أو خبرنا مواد غطت هكذا حدث، يعد الأول من نوعه منذ ما يناهز المئة سنة أو أكثر، وبهذا وجدنا أنفسنا في قلب حربين، الأولى بشرية ضد عدو مجهري يفتك بالأرواح ويخرب خريطة العالم، ووجب التعامل معه بمنطق مهني يقتضي التوعية والتحسيس والإخبار وايصال المعلومة إلى المواطن بأبسط وأنبه أسلوب، والثانية حرب خضناها كإعلاميين وصحافيين ضد الأخبار الزائفة، والإشاعات التي توالت منذ ظهور الوباء، وكانت في كل مرة تهشم المجهودات المبذولة سواء من السلطات أو من الصحافيين المهنيين الذين اعتمدوا نشر الخبر متسلحين بما تقتضيه أخلاقيات المهنية من جهة، وضمان السلامة العامة من جهة أخرى، طبعا من ناحية المسؤولية الأخلاقية والمهنية التي تقع على ممارسي هذه المهنة”.
وأحدث الفيروس التاجي، اختبارا حول إمكانيات العمل عن بعد في وضع استثنائي، في عاصفة خبرية للصحافة، كل شيء متسارع، بالإضافة إلى طلب كبير على المعلومات من المواطن.
اجعيفري، الآن تعمل من البيت، لظروف صحية لا تسمح لها بمغامرة الخروج منه، “للأسف فيروس كورونا حرمنا من النزول إلى الميدان، فلا يمكن أن نكون صحافيين نحث الناس للبقاء في منازلهم والتزام الحجر الطبي والتباعد الاجتماعي بدون أن نكون جزءا من هذا الإجراء، فنحن ناقلي خبر ولسنا ناقلي وباء، وبالتالي نعمل عن بعد مضطرين”.
وتضيف لـ”القدس العربي” لقد “استبدلنا أجواء المكتب بأجواء المنزل وأتمنى ألا يستمر هذا الوضع كثيرا، فقد حرمنا هذا الفيروس المجهري التغطيات والندوات، وحضور الملتقيات والبرلمان وغيره، واستبدلنا الحضور الجسدي بالهواتف”.
ولكن “الضرورة الوبائية فرضت أن يتوقف طبع الجرائد الورقية وبالتالي تمت رقمنتها وتوزيعها على شكل رقمي مجاني للقراء والمواطنين، ومع ذلك استمرينا في أداء هذه المهمة النبيلة بشكلها الاعتيادي، من خلال ريبورتاجات، حوارات وتقارير تشمل الجانب التوعوي والإخباري بشكل أكبر”.
ومن دروس هذا الظرف وفق ما تراه الصحافية، “التريث. أكيد لا يسعنا أن نكون موضوعيين في تناولنا لهذه الجائحة فعدونا وعدو البشرية واحد، لكن يسعنا التسلح بالضوابط المهنية في نقل الخبر، أو تحليله أو مناقشته، في تغطية موضوع الوباء”.
وتسرد اجعيفري دروس كورونا الصحافية أنه “خبرنا أنه لا مجال للسبق الصحافي أو التسابق والتهافت على الخبر، الأساسي هو أن نستقي الخبر الصحيح من مصدره الرسمي ثم الاجتهاد في أخد تصريحات وتحليلات للمختصين والمهنيين، أو السياسيين”.
وتقول إن “هذا الوباء لقنني أن من الضروري استحضار جانب السلامة العامة في نقل الخبر بدون تهوين أو تهويل، فالأهم أن يكون الخبر صحيحا يتضمن معطيات تهم القارئ وتنفعه”.
تراجع التحقيق
في الجائحة وغيرها، الصحافيون، هم خدمة عامة وضرورة لا محيد عنها، مثل الأطباء ومصنعي المعدات الطبية والشرطة والجنود، إنهم طليعة هذه المعركة المشتركة، حتى على حساب صحتهم، وهم يدركون أن عليهم واجب لا محيد عنه لضمان حق المواطنين في معرفة الحقيقة، حقيقة ما يحدث، ورغم ذلك لا يمكن أن ننكر أن الصحافة في المغرب بخير تماما، بل لها ما لها، وعليها ما عليها.
وللصحافي رشيد البلغيتي، في حديث لـ”القدس العربي” ملاحظات حول الأداء الصحافي بالمغرب في زمن كورونا.
وهو يرى أن من صور اليوم في الصحافة بروز “ظروف العمل عن بعد وتراجع العمل الميداني، وهذه ظاهرة عالمية، جعلت جل العمل الصحافي يختزل في الأخبار المستقاة من البلاغات والتصريحات الرسمية مما أدى إلى تراجع الريبورتاجات والتحقيقات الكفيلة بتقييم السياسات العمومية للحد من الوباء”.
ويشير إلى أن “حالة التعبئة والحشد دفعت الصحافيين إلى الاكتفاء بأخبار أو مواد سمعية وبصرية تحتفي بأداء السلطات العمومية خاصة الأمن خوفا من التخوين أو اللاوطنية، ومعه استنكف الصحافيون عن الاشتغال على القضايا التي وقع فيها مس بحقوق الناس سواء حرية الرأي والتعبير أو حقوق العمال داخل المؤسسات الإنتاجية التي استمرت في الاشتغال أو مدى سلامة الإجراءات الحكومية المرتبطة بالطوارئ الصحية، وانسجامها مع المرجعية الحقوقية الكونية”.
ويؤكد على أن “هناك غيابا للإشاعة عموما في الصحف المغربية، غير أن بعض المواقع الإلكترونية، وهي قليلة على كل حال، تعتمد العناوين الخادعة والمتحايلة بشكل ممنهج استجداء الكليك”.
ويرى البلغيتي، أن بعض الصحف المغربية “مست مبدأ قرينة البراءة في التحقيقات القضائية الجارية على هامش حالة الطوارئ الصحية، حيث نجد عبارات من قبيل (المتورطين في..) و(المرتكبين لجريمة كذا) و(أفراد عصابة الكمامات القاتلة) رغم أن أحكاما قضائية لم تنطق في النوازل فحل الإعلام محل القاضي”.
أخلاقيات المهنة لا تغيير
ينتشر الفيروس، المعروف باسم كوفيد-19 من خلال قطرات من السوائل البشرية التي يتم إنتاجها عندما يسعل الشخص المصاب أو يعطس، كما يمكن أن يؤدي لمس العينين والفم والأنف إلى الإصابة بالعدوى إذا لمست سابقا الأسطح أو الأشياء الملوثة، وكل هذه الأشياء يمكن أن تعرض الصحافي لخطر الإصابة خلال عمله، إن لم يكن حذرا.
محمد السيعلي، مراسل لإحدى وكالات الأنباء العالمية في المغرب، وواحد من الصحافيين الحاضرين في الميدان، لتغطية أخبار الجائحة ملتزم “بأخلاقيات المهنة دون تغيير” حسب تعبيره لـ”القدس العربي”.
وكمراسل لوكالة أجنبية، يرى أنه يجب “الالتزام التام بتعليمات ونصائح السلطات الصحية بالبلد، واتخاذ جميع الاحتياطات القانونية والصحية، عند العمل في الفضاء العام”.
وعن كيفية اشتغاله، في ظروف الجائحة يوضح أنه يشتغل “بعد الحصول على كل الرخص الضرورية، ألتزم بوضع الكمامة والحرص على ترك المسافة الضرورية مع الأشخاص وأتجنب المصافحة، ملامسة الأشياء والوجه”.
ويضيف محمد في توضيح أساليبه الاحترازية والوقائية أنه يتجنب “تبادل الوثائق بشكل مادي مع الأفراد، وأطلب أن يتم ذلك عبر البريد الإلكتروني أو تطبيقات المحادثة الفورية”.
أيام مختلفة
ليس كل الصحافيين، خارج مقرات عملهم، فهناك من ما زال يعمل من محطات وقنوات تلفزيونية وإذاعية، ولكن مما لا جدال فيه هو أنه في زمن كورونا، يختلف العمل “بالنسبة للصحافي عن باقي الأيام، خاصة في المناطق التي تعرف أعداد إصابات مهما كان عددها” وفق ما يراه الإعلامي في قناة “ميدي1 تيفي” النعمة ماء العينين.
ويقول لـ “القدس العربي” نحن “نعمل بروح الفريق وهنا يبرز الصحافي المهني العاشق للمهنة في وقت كثر فيه المتطفلون على المجال”.
ويضيف “بحكم عملي في المجال التلفزيوني يتوجب علي الحضور إلى مقر العمل، فعملي كمحرر داخل قسم الأخبار ومقدم لوصلات تلفزيونية تحتم إعداد المواد الإخبارية من خلال الآليات المتاحة لإنتاجها، حيث لا يمكننا العمل عن بعد”.
لا جدال أن الجائحة غيرت الكثير في عادات الناس، ولكن في “الأزمات يبرز دور الصحافي في الإعلام والإخبار والتوجيه حتى عادت المؤسسات الإعلامية الكلاسيكية الى أوجها وصدارتها، خاصة أن وسائل الإعلام الجديدة أو الإعلام الجديد أصبح فضاء لكل مرتاد ينشر ما يشاء بدون ضوابط، وهنا يمكن أن تروج الأخبار الزائفة التي نعمل كمهنيين لمكافحتها في ظل هذه الجائحة التي تجعل المتلقي يبحث عن كل جديد حولها” يوضح ماء العينين.
ويؤكد، أن العمل داخل مؤسسة تعتبر العاملين فيها رأسمالها الحقيقي وتعطيهم قيمة لمجهوداتهم خلال هذه الظرفية التي نعيشها “جعلتنا نحس بالأمان داخل فضاء العمل بحيث توفر لنا المؤسسة كمامات، ومعقمات في كل الأماكن إلى جانب الولوج من بوابة تعقيم عند الدخول والخروج، زد على ذلك قياس درجة الحرارة”.
هذا من جانب المؤسسة، ولكن من بين الإجراءات الشخصية، “حمل المعقم الكحولي واستعماله كلما استدعت الضرورة، بالإضافة إلى الالتزام بالتنقل ما بين العمل والبيت فقط، والخروج عن الضرورة لا غير”.
وعند العودة للبيت حيث تلتزم العائلة بالحجر الصحي “اتبع إجراءات السلامة كتغيير الملابس وتعقيم الحذاء والغسل قبل الدخول في الحياة العائلية حفاظا عليهم” يضيف.
وحول الآليات المهنية والأخلاقية التي تُنهج في تغطية الأخبار، يقول النعمة، إن “تغطية الطوارئ في ظل جائحة عالمية لم يسبق لأي صحافي أن خاض تجربتها في العصر الحالي، وانطلاقا من تجربتي المتواضعة ومواكبتي للأحداث داخل الوطن وخارجه أعتمد على الوكالات الإخبارية الرسمية أو من خلال البلاغات الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة، أو مراسلي القناة، ومواقع التواصل الاجتماعي، لكن من خلال حسابات موثقة للوزراء والإدارات الرسمية، كما أعتمد على التواصل عبر الهاتف للتأكد من صحة الأخبار، لكن في أغلبها لا تفلح، وتبقى أخلاقيات المهنة واحترامها من خلال تعدد المصادر ضرورة قصوى في زمن تكثر فيه الأخبار الزائفة”.
واقع جديد
قبل ظهور الجائحة كان بعض الصحافيين، يرون في الكثير من طرق العمل الجديدة، كالعمل عن بعد، أو تقنيات صحافة الموبايل، بدعة.
ويقول الصحافي محمد كريم بوخصاص، لـ”القدس العربي” إن “الواقع الجديد الذي أحدثته جائحة كورونا انعكس على طريقة عمل الصحافيين بكل تأكيد، فالعمل الميداني أصبح محفوفا بالمخاطر ومعقدا في الآن ذاته، لذلك انصب كل تركيزي على الاشتغال على المواضيع والقضايا التي يمكن إنجازها عن بعد عبر التواصل مع المصادر بالهاتف أو التقنيات المتطورة”.
ويضيف الصحافي في أسبوعية “الأيام” هكذا “ومنذ إعلان الطوارئ الصحية في 18 آذار/مارس الماضي أصبحت كل الأعمال الصحافية أنجزها من داخل الحجر المنزلي، حيث أعددت ملفات وأجريت حوارات مع خبراء ووزراء، بينهم رئيس الحكومة، إما بالهاتف أو عبر البريد الإلكتروني”.
ويؤكد أنه لم يكن يتصور أنه “يمكن إنجاز عمل يفترض أن يكون ميدانيا مثل، طريقة عمل أطباء الخط الأمامي خاصة في أقسام الإنعاش، عبر التواصل مع الأطباء بعضهم بتقنية الفيديو، لنقل صورة ما يقع”.
ويشير إلى أنهم في أسبوعية “الأيام” “نشتغل من منازلنا منذ دخول الطوارئ الصحية حيز التنفيذ، حيث يتواصل طاقم الجريدة في ما بينهم بالهاتف أو تقنية الفيديو، ويتولى التنسيق مدير النشر، ونحرص ما أمكن أن نصدر العدد في وقت صدوره قبل كورونا”.
ويشدد على أن “اشتغال الصحافي من المنزل أو المكتب يجب أن يضيف إليه تحدي التحري من كل ما ينشره، لأن ما يكتبه الصحافي اليوم في زمن كورونا ليس بالضرورة عاشه أو عاينه، لذلك يفترض اتباع أقصى درجات الحيطة والحذر في التحري من المعلومات، كما يضاف إلى الصحافي عبئ أخلاقي يتمثل في عدم السقوط في إثارة الفزع بين الناس ووضع تقديرات معينة لنقل الأخبار”.
المصور على خط النار
المصورون الصحافيون، هم الأكثر عملا في ظل الجائحة، فهُم في مقدمة الإعلام، خط النار، والأكثر عرضة للإصابة.
ياسين سالمي، مصور صحافي في جريدة “العمق” الإلكترونية، واحد من الذين يشتغلون في ظروف الجائحة، يقول لـ”القدس العربي” إنه “قبل كل تصوير أقوم بتعقيم الأجهزة، أحمل معقما معي، أرتدي الكمامة، وانطلق للتصوير”.
ويضيف متحدثا عن مسافات الأمان أثناء العمل، والإجراءات الاحترازية التي يتخذها “أقوم بالتصوير عن بعد لاحترام مسافة الأمان، كما أقوم بتعقيم الميكروفون بعد كل تصريح، وأثناء الانتهاء من العمل، وقبل الدخول للمنزل أقوم بتعقيم الأجهزة خارج المنزل، واعقم نفسي وأغير ملابسي”.
أصبح الإعلاميون عين المواطن في الشارع، فمن خلال عدسات المصورين، يتابع المواطنون في حجرهم الإلزامي، “تقارير وريبورتاجات، عن الجائحة، حول أثمان المواد الغذائية، وهل هناك إنتاج كافٍ في هذه الأزمة، وكذلك حوارات مع أطباء نفسيين لتقديم نصائح للمواطن للتغلب والتعايش مع الحجر الصحي” يقول ياسين.
ويعمل المصورون الصحافيون، تغطية المواضيع المتعلقة بكورونا، بحزم وعزم، كـ”التحقق من أي خبر قبل النشر، ومحاربة الأخبار الكاذبة والإشاعات، البحث والوصول إلى المعلومة الحقيقية، من مصدر موثوق، وحتى في التصوير نتوخى الحذر من أخذ تصريحات كاذبة قد تغالط الرأي العام”.
تحت الضغط
يوم الصحافة في الواقع، يكاد لا يبدأ ولا ينتهي، أربع وعشرون ساعة في اليوم، والصحافيون هناك دائما، لأن هناك شخصا ما ينتظر الأخبار، ويجب تزويده بالمعلومات، وبين الآني والمتأني تمشي الصحافة المغربية، في حقل كوروني متسارع الأحداث.
ويعتبر الصحافي محمد الأعرج، أن “المغرب يشهد تزايدا للاهتمام بأخبار كورونا، وهو ما يضعنا تحت الضغط، للمتابعة الآنية والسريعة لنشر ومعالجة الأخبار، وذلك للحفاظ على القراء وكسب المزيد من الثقة”.
وأثناء نقل الأخبار، يقول “نحاول أن نعتمد على المصادر الرسمية، انطلاقا من موقع وزارة الصحة واعتماد تصريحات المسؤولين، وصولا إلى التواصل الدائم مع المصادر الموثوقة لكي نوصل للمتابع أو القارئ الخبر اليقين والدقيق”.
ويضيف “نعتمد كذلك التغطية الميدانية، رغم كل ما يشوبوها من مخاطر، لكن بعض الأحداث تفرض علينا الانتقال الميداني لنقل المعلومة بالصوت والصوة، وأذكر هنا على سبيل المثال تغطية احتجاج مئات المسافرين بمحطة أولاد زيان بالدار البيضاء”.
ويضيف “في تغطية الأخبار ألتزم بشكل تام بقواعد صاحبة الجلالة، إذ أقوم بشكل دوري بالتواصل مع الجهات الرسمية، والاعتماد على التحاليل العلمية، بالتواصل مع مختصين في أي موضوع اشتغل عليه، كما نحاول قدر الممكن تسليط الضوء على مجموعة من الاخطاء التي يقع فيها الناس، وطرق تجنبها على لسان الخبراء، كشكل توعوي للوقاية من الفيروس كورونا”.
في زمن كورونا كثرت الإشاعات والأخبار الكاذبة والمغلوطة، وحول ذلك يقول الأعرج “عند توصلنا بخبر أو نبأ عن موضوع معين، نرجع للمصادر والجهات الرسمية من أجل التحقق والتثبت منها، لتجنب الوقوع تحت تأثير الشائعات والأخبار الزائفة نتيجة السبق الصحافي”.
ويشدد على أن الظروف العصيبة التي يمر بها العالم عموما والمغرب خاصة، “ليست للسبق الصحافي، بل للعمل على نقل الأخبار الصحيحة وتجنب الزائفة، لما لها من تأثير سلبي على نفسية المتلقي”.
لقد تغيرت الحياة تماما في زمن كورونا، وأخذت منعطفا لم يكن يمكن تصوره قبل أسابيع قليلة مضت، وهذا حال الصحافة، فهي لا يمكن أن تكون بمعزل عن هذا التغيير، رغم أن كل الذين استشارتهم هذه الصحيفة، يجمعون على ثبات أخلاقيات المهنة، فهي ديدنها وشرفها الثابت.