قال السيّد المسيح عليه السلام: «من ضربك على خدّك الأيمن أدر له الأيسر» و «أحبّوا أعداءكم باركوا لاعنيكم».
كيف نجح المطران كابوجي هذه القامة المسيحية الشاهقة في مسك العصا من الوسط؟!
يسعدك باسل الخطيب كل مرة من جديد بانتقاء درة جميلة محولاً إياها لعمل فني يدهشك ويذكرك أنك مشاهد ذكي ومتلقٍ واعٍ ومدرك. يكفيك أن العمل – مسلسلاً كان أو فيلماً – موقع باسمه لتشعر بالراحة والأمل وأنك أمام عمل يستحق وقتك وفكرك ومتابعتك.
«حارس القدس»، أحد هذه الأعمال في رمضان هذا العام وأظنه الوحيد الذي يتناول سيرة ذاتية لشخصية بهذه القامة الدينية والوطنية.
عوّدنا المخرج باسل الخطيب على الأعمال التي تحترمنا، ولد عام 1962 في هولندا وترعرع فها، حصل على دبلوم في الإخراج السينمائي والتلفزيوني من موسكو، قدّم كمّاً من المسلسلات السورية المتميزة (يوم بيوم، أيام الغضب، هولاكو، أنا القدس، أبو زيد الهلالي ومسلسل نزار قباني) وله باع في الإخراج السينمائي (أمينة، قيامة مدينة، الرسالة الأخيرة، موكب الإباء، مريم، الأب، سوريون، دمشق– حلب).
والمؤلف الصحافي والكاتب حسن.م.يوسف، صاحب رصيد متميز من المسلسلات، التي تعتبر بصمة هامة في الدراما السورية العربية والثقافة عموماً (أخوة التراب، في حضرة الغياب، المارقون، البحث عن صلاح الدين، سقف العالم، نهاية رجل شجاع) والعديد من الكتب المميزة.
بناء عليه أعتقد أن سيرة ومسيرة المطران كابوجي وقعت في أيدٍ أمينة من ناحية السيناريو والاخراج، كما الأداء، فرشيد عسّاف ممثل قدير له العديد من الأعمال المهمة، بداياته كانت في المسرح الجامعي أوائل السبعينيات، قدّم مجموعة من المسرحيات على خشبة المسرح القومي، شارك في بطولة فيلم (الحدود) إلى جانب الفنان دريد لحام. في التلفزيون شارك في عدد كبير من الأعمال منها (دائرة النار، الطبيبة، البركان، العبابيد)، وبرع في مسلسلات الفانتازيا مثل (الفوارس، الكواسر، صراع الأشاوس، المسلوب، والأعمال التاريخية، البحث عن صلاح الدين، أبناء الرشيد، وراس غليص)، وطبعاً فإن تجسيده لشخصيّة المطران الكابوجي الذي كرّس نفسه فداء للمأساة الفلسطينية ستضيف زخماً لرصيده الفني، كما لرصيد المؤلف والمخرج.
ميادة بسيليس أدت بصوتها القوي أغنية الشارة، وهي قصيدة الشاعر يوسف الخطيب وقام بالتلحين الملحن والموسيقي المتميز سمير كويفاتي، صاحب الخبرة في مجال شارات المسلسلات والموسيقى التصويرية. كلي ثقة في أمانة العمل ومصداقيته وأننا أمام عمل يستحق المشاهدة والتعلّم لزرع الصفات الراقية وتعاليم السيد المسيح في قلوب ونفوس أولادنا ونفوسنا كي لا ننسى، والحق أقول إنني أتمنى ألّا يخيّب المسلسل ظنّي محوّلاً المطران لأداة دفاع عن هذا النظام أو ذاك.
جورج كابوجي ولد في حلب في اّذار 1922، أصبح مطراناً لكنيسة الروم الكاثوليك في القدس عام 1965. عُرف بمواقفه الوطنية المعارضة للاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، وعمل سراً على دعم المقاومة، اعتقلته سلطات الاحتلال في آب/أغسطس 1974 أثناء محاولته تهريب أسلحة للمقاومة، وحكمت عليه محكمة عسكرية بالسجن 12 عاماً. أفرج عنه بعد 4 سنوات جرّاء تدخّل الفاتيكان لتحرير رجل بقامته الدينيّة والوطنيّة، أبعد عن فلسطين في تشرين الثاني/نوفمبر 1978، وقد أمضى حياته بعد ذلك في المنفى في روما حتى وفاته في اليوم الأول من عام2017. لم يتنازل سيادة المطران الكابوجي عن مبادئه واستمر في دعم القضية الفلسطينيّة حتى المنتهى، في شباط /فبراير 2009 كان على متن سفينة الإغاثة أسطول الحرية، التي كانت تحمل الأمتعة والغداء لأهالي غزة المحاصرين على يد السلطات الإسرائيلية، وتم مصادرة كل ما فيها وطرد كل من تواجد هناك إلى لبنان.
بدأت فكرة إنتاج المسلسل مباشرة بعد وفاة المطران وبدأ الكاتب حسن.م.يوسف الكتابة اعتماداً على عدة مصادر أهمها كتاب (ذكرياتي بالسجن) للمطران نفسه، ولما تختزنه الذاكرة الوطنية حول المطران، إضافة طبعاً لحوارات مع من عايشوا المراحل ولا زالوا على قيد الحياة. شهد المطران كابوجي تفجير فندق «الملك داود» على يد عصابات صهيونية، كما كان شاهداً على شهداء القدس في حرب حزيران/يونيو ودفن بيديه 400 شهيد، وقد كان لهذه المأساة أثر كبير على نفسه ومسيرته. استغرق الكاتب أكثر من عام في كتابة هذا النص متحملاً مسؤولية هامة تاريخياً، سياسياً ودينياً، فهو كاتب لسيرة شاهد فاعلٍ على العصر، يرصد سيرة مناضل من نوع آخر ليتم المخرج التصوير خلال 120 يوماً، كان للأسبوعين الأخيرين من حياة المطران حصة الأسد خاصة في الحلقات الأولى مع كثير من مشاهد (الفلاش باك) وهو أسلوب محبب للمخرجين كما للمشاهدين.
لست بصدد الكتابة عن ما يسمونه «تحرير حلب» الذي تربع على المشهد الأول من الحلقة الأولى، ولن أتطرّق لقضية مع النظام أو ضد النظام، لكن أثّر في نفسي المشهد كثيراً من منطلق الحنين، الذي تحدث عنه المطران «عشت في لبنان والقدس وروما أكثر ما عشت في حلب، بس ما بعرف شوه الإحساس لما بتذكر حلب، ما بقدر أوصفه، أنا يا بنتي دمي الأول من مية حلب، عظمي ولحمي وروحي من خير حلب».
نعلم جميعا أن تحويل سيرة شخصية عظيمة لها مواقف جبّارة -غادرتنا قبل ثلاث سنوات فقط – لمسلسل درامي، إنما هو عمل ليس بالسهل يتوجب على القائمين عليه توخي الدقة والشفافية من جهة والنجاح في الاختصار والاختزال، وذلك أصعب أنواع الفنون، فاستعراض 94 عاما من الأحداث الشخصية والوطنية، كما الدينية والسياسية وتكثيفها في 24 ساعة إنما هو جهد جبار ومتميز، أتمنى فعلاً أن يتناول العمل المحاور المهمة دون اقحام أمور وأهداف أخرى.
في مرحلة صعبة ومركبة كالتي يعيشها العالم العربي من هوان وضعف، من تخبّط وتشتت، من عنصرية وغطرسة، من عنف وجهل، من أمل بربيع تحوّل الى خريف، نحن في أمس الحاجة لأعمال ترفع الهمم وتحيي الانتماء المزروع فينا نحو الهوية والوطن، نحن في أمس الحاجة لقدوة ومثال إن لم ننجح بالاحتذاء بها، فلنسمح لها على الأقل أن تساهم بإحياء ما خبا في نفوسنا من محبّة، اهتمام وإنسانيّة.
ولا بد من التّنويه لدور جدة جورج لأمه في بناء شخصيته ودعمه وجعله يتنبه لرسالته في هذه الحياة منذ نعومة أظفاره، إذ حدّثته عن نوعيات البشر المنقسمين إلى ثلاث فئات، كما ورد في الإنجيل على لسان السيّد المسيح عليه السلام (خراف ضعفاء، ذئاب شرسون أشرار والفئة الثالثة فئة الرعاة الصالحين، الذين يسعون للخير والوئام، لنشر المحبة وانصاف المظلومين).
أظنها فرصة لكل منّا لمحاسبة الذات واختيار من نرغب أن نكون فعلاً من جهة. وعلى مساعدة ابنائنا وأحفادنا لإدراك رسالتهم وصياغة أهدافهم على أمل تحقيقها من جهة أخرى.
كاتبة فلسطينية من حيفا