تُطل معزوفة اتفاق الهدنة كلما تعثرت الحلول العسكرية وانسدت الآفاق أمام المراوغين والمناورين كما هو الشأن حاليا.
منذ اعتلاء حكومة “الوفاق الوطني” سدة السلطة في طرابلس، أواخر آذار/مارس 2016 واللواء المتقاعد خليفة حفتر، يعمل مع القوى الإقليمية الداعمة له، على الإطاحة بها بجميع الوسائل، تارة بواسطة بعض رؤساء القبائل وطورا بالاستعانة بمرتزقة روس وسودانيين وتشاديين، وطورا ثالثا بالزحف على طرابلس. ومن أجل ذلك، مارس جميع الضغوط والتهديدات على أعضاء البرلمان لتعطيل إجراءات منح الثقة لحكومة فائز السراج. ولما لم تثمر محاولاته إقناع دول العالم بمقاطعة الحكومة المعترف بها دوليا، زحف على الهلال النفطي في خريف 2016 ليتخذ منه ورقة ضغط ورهينة بين يديه. واستطاع أن يُحدث اختراقات نحو الجنوب بعد سيطرة ميليشياته على الجُفرة وسبها، أكبر مدينتين في إقليم فزان.
شطب المكاسب الديمقراطية
وبدأ يكشف شيئا فشيئا عن خطته لعسكرة الدولة والمجتمع بعزل عمداء البلديات المنتخبين في اقتراع حر وشفاف، لإحلال ضباط موالين له في مكانهم. وبرهن بذلك على سعيه لإلغاء المكاسب الديمقراطية، التي أتت بها انتفاضة 17 شباط/فبراير 2011 وإعادة إحياء منظومة القذافي هياكل ورجالا. وبعدما استكمل السيطرة على إقليم برقة (شرق) وخاصة مدينتي بنغازي ودرنة، انطلق زبانيته في لجم الأفواه وملاحقة النشطاء واغتيال المثقفين وخطف رموز المجتمع المدني، وآخرهم عضو مجلس النواب سهام سرغيوة، التي لم يُعرف شيء عن مصيرها إلى اليوم. وما زاد من مخاوف الليبيين من خطط حفتر أنه استعان بفرقة “المدخليين” وهم أتباع رجل الدين السعودي ربيعة بن هادي المدخلي، أحد المُنظرين الكبار للولاء المطلق للحاكم، حتى لو كان هذا الحاكم غير عادل، بدعوى درء الفتن.
مع ذلك يقوم الخطاب الدعائي الذي يُروجه أنصار اللواء المتقاعد لدى عواصم الغرب والشرق، من باريس إلى موسكو، على الإيهام بأنه أكبر حصن ضد انتشار الجماعات الإرهابية، وحركات الإسلام السياسي عموما في ليبيا. ومن المؤكد أن العواصم المعنية بالملف الليبي تعرف حقيقة الأوضاع في البلد، ولديها الوسائل اللازمة لمعرفة ما يُظهر وما يُخفي كل طرف. واستطرادا هي تدرك أن “شطحة” حفتر، التي استدعى في إطارها الدعم من كل العواصم، لمبادرته الانقلابية، ليست سوى طبل أجوف. لكنها لا تبذل أي جهد لممارسة ضغوط حقيقية عليه، من أجل لجم تهوُره، مُكتفية ببيانات مقتضبة لرفع العتب.
ازدواجية غربية
ظهر هذا السلوك المُخاتل لدى استيلاء قوات حفتر على الهلال النفطي، وهو المنصة الرئيسية التي يُشحن منها نصف صادرات البلد من النفط. كما ظهرت الازدواجية الغربية أيضا بعد الدعوة الأخيرة التي أطلقها حفتر للإطاحة بحكومة الوفاق، بتعلة أنها فقدت مشروعيتها. فقد أصدرت ست عواصم غربية (واشنطن وبرلين وباريس ولندن ومدريد وروما) بيانا موحدا انتقدت فيه سيطرة قوات حفتر على الهلال النفطي، وطالبت بسحبها. وأصدرت بعد ذلك بيانات مماثلة لدى هجوم القوات نفسها على جنوب طرابلس، وبيانات أخرى عدة، لكن مواقفها ظلت كلاما في كلام. أكثر من ذلك، ظلت حكومات الدول الناقدة لممارسات حفتر في العلن، تمُدُه بالسلاح تحت الطاولة، وترسل له الخبراء والمدربين العسكريين، وهذا حال فرنسا مثلا، التي كشف مقتل ثلاثة من ضباط مخابراتها الخارجية، في حادثة سقوط مروحيتهم، بالقرب من بنغازي، أنهم يدعمون اللواء المتمرد بالخبراء والمدربين العسكريين. وتأكد ذلك مجددا في تموز/يوليو الماضي، بعد استرجاع قوات الوفاق مدينة غريان من قوات حفتر، حيث عثروا على صواريخ فرنسية من طراز “جافلان” حسب ما قالت صحيفة “نيويورك تايمز” في عددها الصادر يوم 9 من ذلك الشهر. ومن المؤكد أن العواصم الغربية المعنية، تعتبر في الجلسات المقفلة، أن حفتر يشكل حجر عثرة أمام إقرار حل سياسي للصراع في ليبيا، لكنها لا تتعاطى معه على هذا الأساس في المواقف الرسمية.
ثلاثة مُتغيرات
لم يتغير هذا الموقف الغربي السلبي من استمرار القتال في التخوم الجنوبية لطرابلس، حتى بعد بدء شهر رمضان، إلا أن ثلاثة مُتغيرات مهمة تضافرت لتحمل عواصم القرار على ممارسة ضغوط جدية على حفتر وحاشيته، أولها ضراوة الحرب والعنف المتبادل في المعارك التي دارت في سلسلة المدن الساحلية الواقعة غرب طرابلس، وثانيها تزايد أعداد المدنيين بين قتلى المعارك، وخصوصا من سكان التخوم الجنوبية للعاصمة، إذ يُقدر حجم الخسائر البشرية جراء الحرب على طرابلس، بألفي قتيل من المسلحين و300 من المدنيين، إضافة إلى أكثر من 355 ألف نازح، غير قادرين على العودة إلى منازلهم، من بينهم 170 ألف شخص نزحوا بعد انطلاق الهجوم على طرابلس، حسب تقديرات وزارة الداخلية في حكومة الوفاق.
السلاح لا يكفي
أما العنصر الثالث فهو عدم قدرة حفتر على حسم معركة طرابلس، بالرغم من مضي أكثر من سنة على المراهنات الخاسرة عليه، وخاصة بعد انسحاب قواته من المدن الساحلية الغربية، بشكل أثبت أن التمويل والتسليح والتدريب، غير كاف لإنهاء الحرب وتتويج حفتر في موقع الرجل الأقوى. كما أن حكومة الوفاق تحتاج، من جانبها، لإنقاذ عاجل من الاختناق المالي، في أعقاب توقف إنتاج النفط وتصديره، ما تسبب لها بعجز غير مسبوق عن صرف الرواتب ومجابهة نفقات مستحقة بشكل مستعجل. وبناء عليه أدركت العواصم الغربية، على ما يبدو، أن انهيار حكومة الوفاق ليس هو مفتاح الحل في ليبيا، وأن فك الحصار العسكري عن الموانئ النفطية، يساعد في الحد من الخسائر المتزايدة، المترتبة على إقفال الحقول، بما يُجنب حكومة الوفاق الافلاس المالي. من هنا، لا معنى لوقف إطلاق النار، ما لم يتمَ فتح الموانئ والحقول النفطية، وإن جزئيا، بوصفها ضرورة استراتيجية، وخاصة موانئ الزويتينة والسدرة وراس الأنوف والبريقة، التي تؤمن شحن حوالي 50 في المئة من صادرات ليبيا من النفط.
مؤتمر برلين
تتزامن هذه المتغيرات مع موقف أوروبي عالي الصوت، بدأته بريطانيا، ويدعو إلى تعزيز الهدنة الرمضانية بالانطلاق نحو حل سياسي شامل، وفق مخرجات مؤتمر برلين. وفي نطاق أوروبي أوسع، تحاور أعضاء في “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية” مع وزير الداخلية في حكومة الوفاق، فتحي باشاغا، عبر دوائر الاتصال المغلقة وتطرقوا، حسب مصادر ليبية، إلى إحكام التعاون مع الدول الأوروبية في مراقبة الحدود الليبية جوا وبرا وبحرا، للحؤول دون إدخال أسلحة إلى الأطراف المتحاربة.
وحمل باشاغا، حسب ما أورد في تغريدة له عبر حسابه على “تويتر” على “الدور المدمر الذي ما زال يلعبه المتدخلون الأجانب في ليبيا” ذاكرا بالاسم شركة “فاغنر” الأمنية الروسية. وجدد رفض حكومة الوفاق عملية “إيريني” الأوروبية لتنفيذ القرار الأممي بحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا بطريق البحر. غير أن موسكو سارعت إلى إيضاح موقفها من خلال تصريحات أدلى بها وزير الخارجية سيرغي لافروف، وأكد فيها أن موسكو “لا ترحب بتصريحات قائد الجيش الليبي خليفة حفتر بشأن الحكم الفردي”. وزعم لافروف أن روسيا “ليست بيدها أدوات للتأثير على حفتر” بالرغم من الحلف المتين القائم بينهما، منذ أكثر من ثلاث سنوات. أما واشنطن فأعربت عن “أسفها” لاقتراح حفتر “تغييرات في الهيكل السياسي الليبي من خلال إعلان أحادي الجانب” فقط لا غير.
أقاليم ليبيا الثلاثة
من بين ردود الفعل الأخرى على “شطحة” حفتر، نلحظ موقف رئيس البرلمان (مقرُه في طُبرق-شرق) عقيلة صالح، الذي قدم عرضا مختلفا عن تخريجات حفتر التي فاجأت كثيرا من العواصم. وتتلخص “خريطة الطريق” التي طرحها عقيلة صالح في “تشكيل مجلس رئاسي، بالتوافق أو بالتصويت، بين ممثلي أقاليم ليبيا الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان) تحت إشراف الأمم المتحدة. ويقوم المجلس، بعد اعتماده، بتسمية رئيس للوزراء ونواب له يمثلون الأقاليم الثلاثة، بتشكيل حكومة يتم عرضها على البرلمان لنيل الثقة، ويكون رئيس الوزراء ونائباه شركاء في اعتماد قرارات مجلس الوزراء. ويقود هذا التأكيدُ على “التساوي بين الأقاليم الثلاثة” إلى معاودة طرح خيار التقسيم، بالقفز على الحقائق الجغرافية والسكانية والاقتصادية. فهل تجوز منطقيا المساواة بين عاصمة إقليم وعاصمة بلد يتجاوز عدد سكانها ستة أضعاف سكان الإقليم؟
يقتضي الاحتراس من هذه الذهنية التقسيمية تأمين غطاء دولي لوقف إطلاق النار، يشمل ضمانات من المجتمع الدولي، لأن أنصار الجنرال حفتر لن يلتزموا بأي اتفاق هدنة، مثلما برهنوا على ذلك كلما تم التوصل لاتفاق في هذا الشأن، وآخرها هدنة برلين. وهذه المعزوفة ليست جديدة، بل هي تُطل برأسها، كلما تعثرت الحلول العسكرية وانسدت الآفاق أمام المراوغين والمناورين، كما هو الشأن حاليا، بعد إخفاق الهجوم على طرابلس. ولن يكون القبول الشكلي بوقف إطلاق النار من جانب حفتر، سوى مناورة لكسب الوقت وإعادة تنظيم الصفوف.
معاودة هيكلة السلطة
أما صالح فطرح مشروعه التقسيمي، ملفوفا في “مبادرته” الأخيرة، أولا من خلال إشادته بوفد من ممثلي القبائل “الشرقية” زاره أخيرا لتقديم الدعم، وثانيا باقتراحه معاودة هيكلة السلطة، المنبثقة من الاتفاق السياسي، الموقع في الصخيرات، من أجل تسمية أعضائها بالتساوي بين ممثلي “الأقاليم التاريخية الثلاثة”.
ومن المؤكد أنه لو استُؤنفت محادثات سلام جديدة، في القريب، فسيكون حفتر أول من يستثمرها لـ”قضم” مساحات جديدة من الأرض، فمنذ إطلاق ما دعاها بـ”عملية الكرامة” في صيف 2014 ظل يتغطى بالمفاوضات، ليس لتيسير الوصول إلى حلول، وإنما لكي يتستر على الهجمات التي تقوم بها قواته لتوسيع رقعة سيطرتها. من هنا فإن أي انتصار لقواته على قوات “الوفاق” في طرابلس، سيُقوض حكومة السراج، وسيصل شرار الحريق إلى دول الجوار، وساعتها لن تجد الأمم المتحدة، ولا القوى المتداخلة في الصراع الليبي، مُحاورا تجلس إليه وتثق بنواياه وقدرته على التنفيذ.