تعز-“القدس العربي”: حجم ردود الفعل السلبية التي رافقت الإعلان المفاجئ من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن لقراره بالحكم الذاتي للجنوب في 25 الشهر المنصرم، كشفت الأزمة التي يعيشها الانتقالي الجنوبي والتي عبّر عنها الكثير من المحللين بالورطة التي أوقع نفسه فيها، بعد أن ظل يراوغ ويلعب بأوراق عديدة خلال الفترة الماضية منذ سيطرة ميليشياته على محافظات عدن ولحج والضالع الجنوبية في آب (أغسطس) الماضي بدعم عسكري من دولة الإمارات.
والورطة التي وقع فيها الانتقالي الجنوبي بهذا الإعلان هي الكشف الصريح عن عزمه نحو انفصال الجنوب عن الشمال اليمني، وهو التوجه المرفوض محليا وإقليميا ودوليا للعديد من الأسباب والتي كانت قد حسمت في مؤتمر الحوار الوطني الشامل قبل انتهاء الحرب الراهنة، والذي استغرق قرابة عام كامل ناقش القضايا العالقة كافة وفي مقدمتها القضية الجنوبية، وتوصل الجميع إلى قرار بتطبيق النظام الفدرالي ذو الأقاليم الستة لإنهاء حالة المركزية المفرطة التي كانت السبب الرئيسي في سيطرة المركز على كل مقاليد الأمور وضمان التوزيع العادل للسلطة والثروة في البلاد.
والمشكلة الأخرى التي وضع الانتقالي نفسه فيها هي نسفه لاتفاق الرياض بينه والحكومة الشرعية برعاية السعودية، وهو ما يعني أنه أدخل نفسه في مواجهة مباشرة مع السعودية بعد أن ظلت الرياض تحاول لعب دور الوسيط لامتصاص ردود الفعل ضد الانتقالي الجنوبي جراء سيطرته عل محافظة عدن وما جاورها من المحافظات الجنوبية بدعم عسكري إماراتي، والذي أفضى إلى التوصل إلى التوقيع على اتفاق الرياض نهاية العام الماضي. غير أن إعلان الانتقالي الجنوبي لإدارته الذاتية للجنوب يعني نسف اتفاق الرياض وخوض مغامرة جديدة ضد الكل داخليا وخارجيا، ما عدا دولة الإمارات العربية المتحدة، التي وقفت بكل ثقلها إلى جانب المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يعد الوليد الشرعي لأبو ظبي في الجنوب اليمني، صنعته وميليشياته على مهل خلال سنوات الحرب الخمس الماضية ليكون أهم أدواتها ويدها الطولى هناك.
الكاتب السياسي والقيادي في حزب الإصلاح اليمني عبده سالم أوضح أن إعلان المجلس الانتقالي لخيار الإدارة الذاتية “لا يعني سوى نقل المشكلة الجنوبية إلى أطوار جديدة بحيث يصبح من المتعذر حلها بمبادئ ونصوص اتفاق الرياض، باعتبارها قد تجاوزت الاتفاق واقعياً. وهذا لا يعني سوى الإعلان عن وفاة اتفاق الرياض وتحنيطه من قبل الانتقالي الجنوبي”.
وأرجع سالم أسباب ذلك إلى أن المجلس الانتقالي بدأ يفرض معطيات جديدة على الأرض خارج مسارات اتفاق الرياض، وربما ترسخت هذه المعطيات بفعل الزمن، لأن “اتفاق الرياض لم يقدم معطيات جديدة حتى الآن لفرض خياراته كحل سوى دعوة الانتقالي ومناشدته للعودة إلى ما كان عليه قبل إعلان خيار الإدارة الذاتية”.
موضحا أن استمرار التحشيد الوطني والإقليمي والدولي ضد انقلاب المجلس الانتقالي على اتفاق الرياض “قد يعني محاولة لمحاصرة إجراءات الانتقالي، لكنه يعني أيضاً نقل المشكلة إلى طور جديد وبمشروعية جديدة ربما تجاوزت مفهوم اتفاق الرياض وخيار الإدارة الذاتية معاً، لاسيما إذا أصبحت المعطيات التي فرضها الانتقالي متجاوزة لاتفاق الرياض عملياً وغير متناغمة مع نصوصه ومقاصده”.
إعلان الانتقالي الجنوبي للإدارة الذاتية على الجنوب قوبل برفض واستهجان كبير على كل الأصعدة، المحلية والخارجية، فمحليا قوبل بالرفض في أغلب المحافظات الجنوبية التي يدعي المجلس الانتقالي التحدث باسمها وأنه سيحكمها، وخارجيا قوبل بالاستهجان الواسع من قبل المجتمع الدولي وفي مقدمة ذلك الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يعطي مؤشرا قويا بأنه لا مجال للاعتراف بإعلانه للحكم الذاتي للجنوب، الذي يسير على خطى الانقلابيين الحوثيين في الشمال، والذين لم يتمكنوا خلال الخمس السنوات الماضية من الحصول على الاعتراف بسلطتهم في صنعاء رغم أنهم أكبر قوة عسكرية وأكثر خبرة سياسية ولديهم موارد مالية أفضل من الانتقالي الجنوبي في عدن.
عَلَم خاص وميليشيا
العديد من المراقبين يرون أن قرار الانتقالي الجنوبي كان متعجلا ولم يكن ناضجا حيث لم يدرس الأجواء المحيطة به والعوامل التي قد تؤدي إلى فشله في حال استمر على هذا المنوال، على الرغم من أنه أوضح أن هذا القرار هو مجرد إدارة ذاتية للجنوب للتخفيف من الأعباء والالتزامات، لكنه في حقيقته يكشف عن توجه لحكم ذاتي للجنوب لاجتماع مقومات ذلك على الأرض من عَلَم خاص وميليشيا خاصة وإقليم خاص والسعي للحصول على موارد خاصة.
وفي ظل هذا الاستعجال حشر الانتقالي الجنوبي نفسه في زاوية ضيقة هي مثلث (عدن، لحج والضالع) التي هي أصلا تحت سيطرته منذ انقلابه هناك على الشرعية في آب (أغسطس) من العام الماضي بدعم عسكري كبير مباشر من القوات الإماراتية التي كانت متواجدة في محافظة عدن، بينما رفضت المحافظات الأخرى كافة انضمامها أو اصطفافها إلى جانب المجلس الانتقالي، ليجد نفسه معزولا عن محيطه المحلي والخارجي، في حين أن قيادته السياسية محاصرة في العاصمة الإمارتية أبو ظبي، التي أعلنت منها هذا القرار المفاجئ، وممنوعة من العودة إلى الجنوب بقرار من التحالف العربي في اليمن الذي تقوده السعودية والذي يتحكم بالأجواء وحركة الملاحة الجوية اليمنية.
قد يرى البعض أن القبضة الحديدية التي فرضها المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظات عدن ولحج والضالع بواسطة ميليشياته المدعومة من الإمارات جعلت منه سلطة أمر واقع مثل الحوثيين في صنعاء، لكن الواقع في الجنوب يختلف كثيرا عن الشمال، حيث أن الانتقالي لا يحظى بدعم شعبي كبير في الجنوب، وهو ما يفقده الحاضنة الشعبية التي استغلها الحوثيون عند اجتياحهم للمحافظات الشمالية، والتي كانت في حقيقة الحال شعبية حزب المؤتمر الذي كان يرأسه الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، الذي كان حليفا للحوثيين عند القيام بانقلابهم على سلطات الدولة واجتياح العاصمة صنعاء والسيطرة على مؤسسات الدولة كافة في أيلول (سبتمبر) 2014.
طور جديد من الصراع
قيادة المجلس الانتقالي وميليشياته تنحدر أغلبها من محافظتي الضالع ولحج والتي لا تحظى تاريخيا بالقبول لدى سكان المحافظات الجنوبية الأخرى كمحافظة عدن وأبين وحضرموت وشبوه وغيرها، وحتى في حال استمر الانتقالي في تطلعاته نحو فرض الإدارة الذاتية، فإن ذلك يعني الدخول في طور جديد من الصراع الجنوبي الجنوبي، خاصة وأن المبررات التي كانت وراء نشوء الحراك وتصاعد القضية الجنوبية قبل نحو 13 سنة والمطالبة بالانفصال قد زالت بزوال نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، الذي شهدت فترة حكمه تهميشا للجنوب لصالح الشمال منذ حسمت قواته المعركة في صيف 1994 لصالحه ضد خصومه من قيادات السلطة الجنوبية حينذاك، حيث أصبح الحكم حاليا بيد جنوبيين من أعلى هرم السلطة الشرعية التي يمثلها الرئيس عبدربه منصور هادي، مرورا بأهم القيادات السياسية والعسكرية والأمنية وانتهاء بالقيادات الدبلوماسية للبلاد.
وكان الانتقالي الجنوبي حاول التوسع خارج إطار المثلث الذي يسيطر عليه في الجنوب، وذلك بتحريك الميليشيا الموالية له، أمس الأول، للسيطرة على مقاليد الأمور في محافظة أرخبيل سقطرى، غير أن التحرك القوي لمحافظ سقطرى رمزي محروس، حسم الأمر لصالح الشرعية الحكومية وقال إن “القوات الحكومية تمكنت من إيقاف الهجوم الذي شنه موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا”.
ونشرت وسائل إعلامية محلية صور فيديو لمحافظ سقطرى وهو محاط بقوات حكومية في أحد شوارع مدينة حديبو، عاصمة سقطرى، بعد ساعات عدة من الهجوم الذي شنته ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات هناك، التي تحاول منذ الشهر الماضي السيطرة على مدينة حديبو ومؤسسات الدولة فيها، حيث تسعى أبو ظبي إلى تحويل جزيرة سقطرى لمستعمرة إماراتية لخدمة مصالحها هناك أو لتأجيرها كقاعدة عسكرية لصالح الدول الكبرى التي تتسابق منذ زمن طويل للحصول على موطئ قدم في هذه الجزيرة التي تقع في المحيط الهندي.
وقال محروس للقوات العسكرية الحكومية “ما نفعله اليوم هو حماية لأهلنا وأعراضنا وناسنا وأطفالنا في هذه المحافظة” وحظي خطابه باستجابة وقبول لدى أبناء وسكان جزيرة سقطرى وأفشل مخطط الانتقالي الجنوبي في السيطرة عليها، الذي أعقب إعلانه لفرض الإدارة الذاتية على المحافظات الجنوبية ومنها سقطرى.
ووفقا للكثير من المحللين اليمنيين وغيرهم يحمل قرار الانتقالي الجنوبي بالحكم الذاتي كل بذور الفشل ويعد “مشروعا غير مشروع” ولا يمكنه الحصول على أي مشروعية على الأقل في المدى المنظور، وعليه ولد هذا المشروع ميتا ولم يشكل أي إضافة للمجلس الانتقالي، سواء إعلانه رسميا طرد الحكومة الشرعية من عدن والانقلاب على اتفاق الرياض معها والتوجه نحو تفرده بإدارة شؤون عدن وضواحيها.