يقوم الأخ الأستاذ عبد الفتاح السيسي ويقعد وبداخله هاجس اسمه «الإعلام»، وينام ويستيقظ وليس في ذهنه سوى «الإعلام»، الذي طالبه قبل أيام بأن ينشر الأمل بين المصريين، وخاطب الإعلاميين مطالباً إياهم بأن يعطوا الأمل لشعب مصر!
السيسي أكد وعياً قديماً بدور الإعلام، عندما تحدث في التسريبات عن ضرورة تشكيل أذرع إعلامية. وكان واضحاً أن هذا الحديث بينما يشغل وظيفة «وزير الدفاع»، بقرار من الرئيس محمد مرسي، ويبدو أن هذا الوعي كان سابقاً لهذه الفترة، فقد «اعترف» إبراهيم عيسي، والاعتراف سيد الأدلة، بأن لقاءات جمعته بالسيسي قبل ثورة يناير. لم يطلعنا على ما كان يدور فيها. كما اعترف توفيق عكاشة بالعلاقة القديمة والممتدة به، رغم أن دور المخابرات الحربية، ليس كدور المخابرات العامة، أو مباحث أمن الدولة، لتكون له هذه العلاقات، فدورها استطلاعي خاص بالأمور العسكرية، وفي ظني أن الإعلاميين البارزين لم يكونا في هذه المرحلة، والسيسي في موقع مدير المخابرات الحربية، يقضيان فترة التجنيد الإجباري.
لقد تمكن السيسي من تشكيل أذرع إعلامية، استغلها في تسويقه على أنه الأمل والمنى وأنه الرجل القادر على حل مشكلات مصر، وأنه يقوم بدور أحد أولياء الله الصالحين مولانا الشيخ إبراهيم الدسوقي، الذي جاءت إليه أم مكلومة تشكو من أن ابنها وبينما كان يسبح في البحر، أكله التمساح، وخرج القطب الصوفي الكبير معها ووقف أمام البحر، وأشار بسبابته فجاء «الولد» راكبا التمساح.. تكبير!
ورغم الإخلاص العذري للسيسي الذي يتملك قلوب الإعلاميين «العذارى»، مما دفعهم لإدخال الغش والتدليس على الناس، فإنه كلما التقى السيسي بهم عاتبهم، فهو يرى أن النقد، والأخبار السلبية، تحطم معنويات الناس، ولو كانت مجرد صدى للواقع، كما حدث عندما انقطعت الكهرباء عن ربوع مصر كلها، وصدرت صحيفة «المصري اليوم» بمانشيت ساخر، لا يرتب وجعاً: مصر منورة بالحكومة. فغضب السيسي وعاتب الإعلام كله.. ويبقى الود ما بقي العتاب.
السيسي يريد أن يكلف الإعلام من أمره رهقاً، بأن يبشر ولا ينفر، وأن يعطي للناس الأمل.. والسيسي نفسه لا يعطيهم هذا الأمل، فلا يوجد عنده سوى عبارة واحدة تمثل برنامجه في الحكم: «ما فيش».
الوعي بأهمية الإعلام لدى السيسي تجاوز القدرة الطبيعية للإعلام، فالسيسي يسبح في الخيال، ويظن أن الإنسان المهموم، بسبب فشل الحكم الانقلابي وعجزه عن مواجهة المشكلات، يمكن أن تعلو وجهه ابتسامة عريضة، ويتملكه الفرح والحبور، لمجرد أن الإعلام منحه الأمل، وباع له الوهم.
إنه تصور مبالغ فيه لدور الإعلام، لأن الإعلام ليس «سيجارة حشيش»، أو «حقنة بنج»!
قناة العرب
قال لي إنه شاهد لقاء مذاعاً جمع الأمير الوليد بن طلال بالعاملين في فضائيته الجديدة: «العرب»، وأن ليلى الشايب، وليلى الشيخلي كانتا في اللقاء، الذي بدا من حيث الشكل كأنه لقاء يجمع ملك، بسدنة عرشه، وليس صاحب قناة تلفزيونية بالعاملين فيها.
كنت أعلم أن الشيخلي غادرت «الجزيرة»، إلى «العرب» قبل عدة شهور، لكن «غوغل» أفاد أن الشايب استقالت من «الجزيرة» في التوقيت نفسه الذي استقالت فيه الشيخلي، وإلى هناك. وأن الحديث عن الفضائية الجديدة التي ستبث من المنامة، بدأ منذ عامين، حيث أعلن الوليد أن «العرب»، ستنافس «الجزيرة» و»العربية».
كل القنوات الجديدة ومنذ انطلاق «الجزيرة»، تعلن أنها جاءت لتنافسها، بما في ذلك قناة «العربية». وهو حلم مشروع. لكن في النهاية، ليس كل ما يتمناه المرء يدركه!
و«العرب»، كما «العربية»، لا تنقصهما الأموال، التي يمكن بها جذب قامات إعلامية كبرى للعمل بهما. لكن هناك مذيعة كانت واعدة ومن الجيل المؤسس في «الجزيرة»، غادرت لـ»العربية»، فتحول أمرها كما لو كانت انتقلت لمقابر العائلة في دبي.
«غوغل» نقل تصريحات على لسان الوليد، نقلاً عن لقاء محطة تلفزيونية أمريكية، أعلن خلالها أنه من سيدير بنفسه هذه المحطة المستقلة. والبرهان على استقلالها أنها ليست مملوكة لشركة «المملكة» القابضة، التي يمتلك هو معظم أسهمها ولن تكون مملوكة لـ «روتانا».. و»نعم الاستقلال»!.
لن تنقص «العرب» الأموال، التي يمكن بها أن تجلب أهم الإعلاميين في الكرة الأرضية، وأن يكون فريق العمل على درجة من المهنية، لا تتوفر لأي محطة تلفزيونية أخرى، لكن المال وحده لا يكفي، فـ «العرب» التي تقرر أن تبث من «المنامة»، ستنقصها الحرية، التي كان غيابها سبباً في فشل «العربية» في تحقيق هدفها الأسمى الذي أطلقت من أجله وهو منافسه «الجزيرة».
فضلاً عن غياب النظرة الإستراتيجية، في إطلاق القناة، فربما يزهد فيها صاحبها مبكراً، وبعض الذين يملكون الأموال تعيش بداخلهم طفولة، تحكم أداءهم حتى في مرحلة الشيخوخة، ويتعاملون مع المشروعات الإعلامية، على أنها «لعب أطفال»، سرعان ما يتسرب الملل في نفوسهم من اللعب بها بعد فترة، ربما عند الفشل في تحقيق الأهداف. وكلام كثير قيل عند إطلاق «روتانا» ثم كان التصرف وفق نظرية الرائد متقاعد صفوت الشريف، الذي فشل في منافسة «الجزيرة»، فأطلق عشرات القنوات دفعة واحدة، لتكون المنافسة بالكم، فاته أن العدد في الليمون.. وهكذا صار لدى الوليد.. «روتانا سينما»، و»روتانا أفلام»، و»روتانا مصرية»، و»روتانا زمان».. إلخ.. إلخ!
ما علينا فقد تنجح «العرب» في منافسة «العربية»، لكن يظل الهدف الآخر صعب التحقيق، لأنه مرتبط بسقف الحرية الإعلامية، وبالإرادة، وإدارة الوليد بنفسه للقناة الوليدة، على قواعد إدارة الملوك لحكمهم، تجعله لا يمثل قيمة مضافة.
هناك مطلب أقرب للتحقيق من هدف منافسة قناة «الجزيرة»، تلخصه قصة «بلدياتنا»، إذ تقول الأسطورة، أن واحداً «بلدياتنا» كان على سفينة عندما عصفت بها الأمواج، فتحطمت، ليجد نفسه ومعه أمريكي وفرنسي وايطالي على جزيرة، وقد جاءهم مارد ليخبرهم بأن لكل منهم طلبا واحدا قابلا للتحقيق. وكان طبيعيا أن يطلب هؤلاء نقلهم لبلدانهم في لمح البصر. وجاء الدور على «بلدياتنا» فنظر حوله فاستشعر الوحدة، فكان طلبه أن يأتي المارد بهم من جديد ليؤنسوا وحدته.
أن يدعو الوليد بأن تهبط «الجزيرة» إليه، ستكون أمنية مقبولة، عن أن ينافسها، فليس بالمال وحده تنجح الفضائيات في تحقيق أهدافها ومنافسة «الجزيرة».
أرض ـ جو
صار صدر الدكتور سعد الدين إبراهيم ضيقاً حرجاً لأنه يعلم أكثر من غيره حجم الأزمة التي يعيشها الانقلاب الذي أيده، داخليا، من خلال صراع «الإخوة الأعداء» . وخارجياً من خلال الهجوم المكثف على السيسي، حيث بدا كما لو أن صحفاً أمريكية كبرى قد اكتشفت فجأة انه جاء بانقلاب عسكري. وهو هجوم مرتبط بفشل قائد الانقلاب. ومن هنا كتب إبراهيم مقالاً يستنكر فيه إقصاء جماعة الإخوان وكأن الإقصاء تم الليلة!
ولأنه في الحالة سابقة الوصف، فقد ضاق بأسئلة الإعلامي أحمد طه وهو يحاوره في «الجزيرة مباشر مصر»، وفسر هذا وهو مأزوم بأن طه يدفعه لأن يشتم السيسي، ولأن السيسي فقد هيبته حتى في دوائر الانقلاب نفسها، وصار كلاً على مولاه أينما يوجهه لا يأتي بخير، فسبه ابراهيم بشكل صريح!
الأعصاب مرهقة، ولن نقول ما قاله البعض ويتم السخرية منه الآن: «الانقلاب يترنح».. فالمؤكد أن الانقلاب «بعافية».. وهي كلمة تقال وصفاً لحالة مريض.
لا أراكم الله مكروهاً في انقلاب لديكم.
٭ صحافي من مصر
[email protected]
سليم عزوز