أفلاطون والشعر: محاكمة أخلاقية أم سوء الظن؟

مفهوم الشعر في الخطاب الأفلاطوني، مرتبطٌ أساسا بالأخلاق. ولما كان الشعراء يفسدون أخلاق الشباب، فإن أفلاطون طردهم جميعا من جمهوريته، بدعوى أن الشعر يأتــــي في مرتبة الظن في سلم المعرفة عنده. مرتبة تبتعــــد عن المعرفة الحقة بدرجتين أو ثلاث درجات. والمعرفة الحقة هي من عالم العقليات والمثل العليا، التي يستحيل على غير الفلاسفة الخوض فيها، فيما الشعر هو من عالم الحسيات والخيالات أو الرسوم.
موقف أفلاطون هذا، نابعٌ أساسا من نظرية المعرفة لديه. وما يميز هذا الموقف، كونه يقوم على المفارقة المتمثلة في جعل «المثل» في درجة أعلى في مقابل المحاكاة/الشعر الذي يقع في المرتبة الأدنى في سلمية المعرفة. موقف كهذا لا نتصوره إلا اختزالا أو تلخيصا لنظرية المعرفة عند أفلاطون، كما يقدمها كتابه «الجمهورية»: «إن صورة الخير الجوهرية هي حد أبحاثنا، آخر ما يمكن فهمه، ولكن متى أدركناها لا يمكننا إلا أن نستنتج أنها، في كل حال، أصل كل ما هو جميل وباه، ففي العالم المنظور تلد النور وربه، وفي العالم العقلي تمنح، بمطلق سلطانها، الحق والعقل، وكل من رام أن يتصرف بحكمة، أفرادا أو مجموعا، يجب أن يضع نصب عينيه (صورة الخير) الجوهرية» (جمهورية أفلاطون، نقلها إلى العربية حنا خباز، دار القلم، بيروت، لبنان).
وجدير بالإشارة، في مستهل هذا المقال، أن أفلاطون، وانطلاقا مما ورد على لسانه قبل قليل، قد أسس نظريته في المعرفة على زوج مركزي، زوج بضلعين متباعدين ومتفاصلين ألا وهما: عالم المثل الخارج عن حدود الزمان والمكان، وعالم الحس المرتبط بالواقع في تاريخانيته. وشتان، عند أفلاطون، بين الوجود الحقيقي (عالم المثل)، والعالم الحسي الذي لا يمثل إلا ظلاله وأشباحه. إننا، نحن البشر، عطفا على ما سبق، ندرك الجزئيات الثاوية في عالم الحس إدراكا حسيا بواسطة الحواس الخمس، مع العلم أننا ندرك، في الوقت نفسه، أن هذه الجزئيات ما هي إلا رسوم سيئة أو أشباح باهتة للمثل المطلقة، التي من المفروض أن تدرك بواسطة العقل. وعلى ذلك فإن عالم المثل هو من اختصاص الفلسفة التي «تصل بالتدريج إلى الفضيلة في كل صورها» (جمهورية أفلاطون ترجمة الدكتور فؤاد زكريا، فضاء الفن والثقافة).
تصور أفلاطون إذن للمحاكاة في الشعر، جعله يشن هجوما كبيرا على الشعراء الذين يظلون بعيدين كل البعد عن الحقيقة، بل إن أشعارهم تؤذي الأذهان التي لا ترياق لديها ضدها. إن مفهوم المحاكاة، ها هنا، هو في مرتبة الظن، بل في مرتبة الاعتقاد والتوهم (التخيل) الذي هو، في عمومه، من عالم الحسيات والظواهر، لأن الشاعر في هذا المستوى هو مُحاكٍ من الدرجة الثالثة. يقول أفلاطون، في هذا الشأن، بلهجة فيها من السجال ما يؤلم «إن الشاعر التراجيدي محاك، ومن ثم فإنه منحى ثلاث مرات عن عرش الحقيقة» (نقلا عن كتاب التراجيديا والفلسفة، والتر كاوفمان، تر : كامل يوسف حسين، المؤسسة العربية للدراسة والنشر)، ذلك لأنه لا يسلك سبيل المعرفة الحقيقية التي تستدعي الجدل وسيلة لإدراك حقيقة الوجود.
والحاصل أنه لما كان الشاعر لا يقوم سوى بمحاكاة الواقع وتصويره، فإنه ليس غريبا أن يجعل أفلاطون الفلاسفة في قمة الهرم، ما داموا يبحثون في الكليات والماهيات، والشعراء في أسفل الهرم لأنهم يغالطون الشباب ويوهمونهم. إن الشعراء لا يقومون سوى بمحاكاة مشوهة لجزئيات العالم المحسوس، الذي هو في المرتبة الثانية من درجات الحقيقة.
وضع كهذا، في رأي أفلاطون، من شأنه أن يشكل تهديدا خطيرا على الجانب الأخلاقي للإنسان، لأن الشعراء بكل بساطة أساؤوا تقديم ما هو إلهي. يقول أفلاطون: « إن ما هو إلهي مسؤول عن الخير وحده لا عن الشر، إنه لا يتغير قط، ولا يكذب ولا يخدع» (التراجيديا الفلسفة مذكر). من هذا المنطلق يتصدى للشعراء منتقدا إياهم؛ فآراؤهم لا تليق بالآلهة، مثلما ذهب إليه أسخيلوس حينما صرح «بأن زيوس كان طاغيا كإله شاب، وأنه اضطر إلى تعلم الحكمة بالتدريج».

٭ شاعر وكاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية