رواية «بيت النار»: حكاية البحث عن الذات والمعنى

يحفل شمال المغرب بالعديد من الأصوات الروائية المتميزة، التي تنحت مقولها السردي من صخر، وتحفر في نتوءات عميقة من تاريخنا، وهويتنا اللغوية والحضارية المشتركة، على الرغم من التباعد الجغرافي، وهي تمارس شغبها المتعدد، سواء على مستوى القضايا والموضوعات المُعالجة، أو على مستوى الأشكال المطروقة، أو على مستوى الرؤية للعالم، على الرغم من التعتيم الإعلاميّ الذي يحاصرها، مثلما يحاصر كلّ الأصوات القوية في العالم العربي، انسجاما مع ظاهرة صعود التفاهة، وتناميها عالميا.
تحضرني هنا، أسماء قرأت أعمالها، ووجدت فيها سؤال المعنى، وسؤال الجمال، وسؤال الصدق، مثل، الراحل محمد شكري، الراحل محمد أنقار، الراحل محسن أخريف، عبد الرحيم جيران، البشير الدامون، التهامي الوزاني، هشام مشبال، البشير الأزمي، محمد الحيرش، والعربي مشطاط، وغيرهم ممّن لم أوفق في بلوغ أعمالهم.
هزّني هذا الشعور، وأنا أنهي قراءة رواية «بِيت النار» التي ما فتئت تذكي هذا الإحساس، على اعتبار أنها تلوح بمثل هذا الضيم، بشكل مضمر، حينما تكرس حياة الشخصية الرئيسة الممزقة، بين لملمة ذاكرة مرتجة، يخاتلها النسيان، ومعاول الهدم من داخل الذات وخارجها، والبحث عن أفق مستحيل، أشبه ما يكون بالمعنى الثائر، المتخفّي، مثل سراب هجاسيّ، ما إن يلوح في الأفق، حتى يستحيل إلى خواء، تاركا الشخصية تدور في فلك ضياعها، ودوامتها الدوارة، ومعها من معها، من الصّحب، والأهل، والعوامل المساعدة، إن لم نقل إنها في لحظة، تتحول هي الأخرى إلى كائنات معاكسة مُضيّعة.
تتوزع هوية الذات في النص، مثلما تتوزع هوية الكتابة، بين محكي الذات، ومحكي الوطن، ومحكي التاريخ، ومحكي الحب، ومحكي الآخر، ومحكي الهجرة، ومحكي الكتابة ذاتها… غير أنها تلتم كلها حول قضية الهوية، والبحث عن الحقيقة الكامنة خلف ظلال غير مرئية، وتتقاطع في ما بينها، مشكّلة سؤالا جوهريا يتعلق بالرغبة في الانبعاث، واستعادة المعنى، واسترجاع البهاء المنسي في العيش، وفي الحب، وفي الحلم، وفي التفاعل مع الآخرين، غير أن سبيل القبض على هذه الكائنات الشاردة، هو ضوء الكتابة، وإشراقتها، لأنها الخيط الوحيد الذي يمكنه صيد الخواطر المنسية، والمنفلتة، والمتفتتة، التي انتقلت من طبيعتها المادية إلى طبيعة روحية، مجردة. لذلك، يبدو، من خلال ما يصدر عن المتن من إشارات، كأن رواية «بيت النار» محكيٌّ أولي لرواية لم تكتب بعد، أو كأنها هامش على رواية مقبلة، وذاك ما يعبر عنه العامل الذات في الرواية (مختار) بقوله: (بدأ حلم الرواية يدغدغني، يتسرب بلطف إلى كياني الهش، ويخول الشعور بالسأم إلى فرحة فتية هادئة، أو إلى شمعة تضيء عتمة الليل).

يصور لنا المتن شخصية السارد/ العامل الذات المحوريّ في النص (مختار) في لوحة ممزقة، وحالة لامتوازنة من القلق الوجودي، إذ تشكل الرواية، بعوالمها المتداخلة، وزمنها المفتت، المتشظي، تجربة للعودة إلى التوازن المفقود للذات.

محكيّ الذات

تنتصر الكتابة السردية لموضوع الذات، في بعديه الموسّع، والمغلق، في الأول تراهن الرواية على معنى شاسع للذات، يكاد يعادل المفهوم الرمزي للهوية الجمعية، وفي الثاني يجسر المحكي مسالك البوح نحو البعد الجوانيّ للشخصية المبأرة في النص، غير أن إضاءة جوانب العامل الذات، مهما كانت مغرقة في الفردية، والأنوية، فإنها تعمل على إبراز تمثيلات الهوية الجمعية، في نسقيتها العلائقية، بين المفرد والجمعي، والـ»أنا» والـ»نحن».
ولا يمكن في أي حال من الأحوال، أن تتجسد الهوية الجمعية، عبر السرد، إلا من خلال ترسيخ مقومات الذات، وخصوصياتها، وملامحها، وعلاقاتها مع ذاتها، ومع الآخرين، انبثاقا عن وعي راسخ، متجذر، غير ملتبس، وبدون أقنعة، بمعنى أنّ ما لم يتحقق سرديا عبر البوح التلقائي للساردين الفاعلين، يمكن أن يتجسد عبر مساحات التفاوض، والحوار، والتصادم، والانسجام، والأحلام، والهواجس، التي تفردها الرواية خصيصا، لهذا النوع من الخطابات قصد إغناء تجربة الحكي.
يصور لنا المتن شخصية السارد/ العامل الذات المحوريّ في النص (مختار) في لوحة ممزقة، وحالة لامتوازنة من القلق الوجودي، إذ تشكل الرواية، بعوالمها المتداخلة، وزمنها المفتت، المتشظي، تجربة للعودة إلى التوازن المفقود للذات، وبحثا متواصلا عن وضع مستقر، تتصالح فيه الشخصية الرئيسة مع نفسها، وتاريخها، وواقعها، وعالمها الأصلي، بعد أن ضاقت بها الأرض على اتساعها، بفعل الخيبات المتلاحقة، التي اعترضت مسارها الشخصي، وهي تسعى إلى التحقق الإيجابي: موت الأم، موت الأب، اختفاء الحبيبة، البطالة، الاعتقال بسبب النضال، القمع، التضييق على الحريات، عدم القدرة على التواصل مع العالم من حوله، الشيء الذي جعله يختار الهجرة، بحثا عن أفق آخر، بمساعدة «فلورا» الباحثة المتخصّصة في مجال الأنثروبولوجيا والأثنوغرافيا، لكن بدون جدوى. ليضيّع سنوات من عمره في المهجر بلا أي نتيجة، قبل أن تدله فلورا، على أن الحل للخروج من وضعه الصعب، الذي بالكاد، يستعين عليه بالأقراص المهدئة، هو المواجهة والتحدي والصمود في وجه المثبطات؛ عن طريق تهييج الجوانب الإيجابية في الذات، وتفادي الهروب، ما جعل «مختار» يخوض تجربة العودة إلى الماضي، كأنه يسافر في الزمن، لحل معضلات لم يواجهها بالوعي المطلوب.
كان الطريق السّالك إلى التصالح مع الذات، والإمساك بالهوية الشخصية الممزقة، هو الرّجوع إلى البادية من جهة، ثم التنقيب في صفحات الماضي والذاكرة عن التاريخ الخاصّ والعام من جهة ثانية، ومطاردة طيف الكتابة من جهة ثالثة، ثم توثيق الذاكرة الجمعية، بوصفه غاية أسمى من جهة رابعة. وقد اقتضى هذا المسار الوعر، من الذات، التدرّج من مرحلة إلى أخرى عبر المكابرة، والمواجهة، وإزاحة العائق النفسي، مع التركيز على الذكريات التي ترتبط بالتربة، والأرض، وفي تجاهل تام للذاكرة التي تخصّ فترة إقامة «مختار» في إسبانيا (بلد المهجر)، علما أنّ مكونا رمزيا من هذه الذاكرة المنسية، يشكّل الوازع الشخصيّ، أو الضمير الحي للذات، وهي شخصية فلورا، التي يحيل وجودُها في النص، فيما يحيل عليه، على الرغبة في ترميم العلاقة الجريحة بين الذات والآخر، أو إعادة الدفء الاجتماعي إليها، نكاية بالصراع الدامي، الذي يلطخ سجلات التاريخ، عبر علاقة التزاوج، التي تعدّ أرقى علاقة إنسانية، على الرغم من تهميش الحضور الرمزي لثقافة الآخر، التي تَماسّ معها الشخصية، بشكل مباشر، طوال عقدين من الزمن، ولعل هذا الإجراء التقنيّ يجسد انتقاما لتلك الذاكرة الجريحة التي مثّل هذا (الآخر) جزءا كبيرا من ندوبها غير القابلة للمحو. لذلك، فإن كل مكون من مكونات المادة المستعرضة، سواء تعلق الأمر بأرشيف الشخصيات الثانوية التي التقاها إبان عودته من المهجر، أو القصص التي حُكيت له من قبلها، أو العادات والتقاليد البدوية الريفية، التي ما تزال صامدة في وجه الزحف العولمي؛ من طبخ، وأعراس وطقوس، وعمارة وأسماء وملابس.. لم يرِدْ اعتباطا، بل هو حافز ديناميّ (Motif dynamique) ضمن سيرورة استرداد العلاقة الطبيعية مع العالم الجواني والبراني، واستعادة الموقع الطبيعي ضمن النسق الإنساني المتوازن.

محكيّ الخطاب

يهيمن الميتاسرد (Métarécit) على تركيبة النص الروائي، حيث نصادف محكيا نقديا واعيا يجلد فيه الراوي ذاته، ويحاور خطاطته السردية، وأفكاره، وجدوى الكتابة وغير ذلك من أسئلة؛ تتناسل بإقبال الذات على فعل، يسير بالموازاة مع المحكي السردي الرئيس. صحيح أن الأول قليل، مقارنة مع الثاني، فهو مجرد ملاحظات وإشارات هامشية تتخلل المتن، لإشراك المتلقي في عملية التفكير الواعي في أسئلة الكتابة وعوالمها، وأسلوب تشكلّها، غير أنها تعتبر من الأهمية بمكان، إذا ما وضعت في سياقها الخطابي المتعلق باستراتيجية البناء، ودواعي الكتابة، وفلسفة الكاتب في الرؤية إلى العالم، جنبا إلى جنب مع مقتضيات التشييد التخييلي واللغوي للنص، ومعماريته الخاصة، المنبثقة عن وعي ما بشروط الكتابة، وأهدافها، ورسالتها الفكرية. يقول الراوي على لسان مختار: (لا أعرف ماذا أكتب. الخريطة في ذهني غير واضحة. أحيانا، أعرف الطريق، وأحيانا… لا أعرف ماذا أقول لك. بينما أطمح لكتابة رواية أجد نفسي أحلق في التاريخ والجغرافيا. وتلك ليست غايتي. ما الفائدة من التقسيم الجغرافي لقبيلة غمارة الكبيرة إذا لم تسعفني في فهم الشخصيات، وتصويرها، ورصد تحولاتها النفسية، والاجتماعية؟).

تطفح الرواية بالمعطيات الأثنوغرافية الخاصة بمنطقة الريف عموما، وجبالة خاصة، سواء تعلق الأمر بعادات الطعام، واللباس، أو ما يخص طقوس الزواج، والجنس، والمواسم الاحتفالية، وزيارة الأضرحة، والموت، والمعتقد.

يعلن الراوي، منذ البداية، أنّ الكتابة رغبة في التصالح مع الذات، وتمّلكُ عالم لم يتيسر له، فلاذ بالمتخيل، عساه يستعيد ما ضاع من مجده، ويحقق توازنه المفقود في الحياة، وطوال النص، تتقلب أمزجة الشخصية الرئيسة بين الحدة والصفاء، ما يؤثر سلبيا في عطائها، ودرجة تمكنها من محكيها الهروب، الموزع بين ذات قلقة، وواقع يطمر تدريجيا، المادة التي تحفّز لحظة الكتابة لديه، علما أن السارد يلمّح للكتابة المرغوب فيها تارة، باعتبارها تاريخا للمنطقة، وتارة أخرى؛ بوصفها توثيقا للذاكرة الشخصية. ومهما يكن من أمر، فالرواية تجمع بين محكي التاريخ، ومتخيل الذات. ولئن كان الأول يرتبط بتاريخ المقاومة الريفية، والثاني يتصل ببيانات بيوغرافية تخص السارد – الشخصية المنتمي لمنطقة جبالة، والباحث عن صلة وصل بينهما، من خلال تعقب خيوط ضوء شفيفة، منفلتة بين الجواني والموضوعي، فإن المادتين السرديتين معا، في تقاطعهما وتوازيهما، واتصالهما وانفصالهما، وتعاقبهما وتفاوتهما، يعملان على استكمال بعضهما بعضا في بُعديْ النسيج النصي: الدلالة والتداول، فلا وجود لهوية جمعية في غياب هوية فردية، لذلك، فالرواية تتقصد، عن وعي، القبض على الهويتين معا، في تناغمهما، واندماجهما. وعليه، يعمدُ الخطاب أحيانا، إلى التخلي عن التوصيف الإسمي للشخصيات، إمعانا في خلق التماهي مع حالة التوتر، وارتفاع درجة القلق، خاصة عند تقليب صفحات المواجع التاريخية.
يوظف المحكيّ الروائيّ تقنية الفلاش باك (flash-back)، أو الاسترجاع، بوصفها قناة تيسر للشخصيات والرواة معا، سبيل العودة إلى الماضي، كلما كان ذلك ضروريا، حيث يتوقفُ الخط السردي المسترسل (Pause)، ثم يُفتحُ قوسٌ، ومن خلاله، يرتدّ ذاك الخط إلى الوراء، لاقتناص أحداث ووقائع، بإمكانها إضاءة تاريخ الشخصية، أو تاريخ «الريف»، بما يسمح بتأثيث ذاكرة النص تدريجيا.
ولكي يخفي باثّ الخطابِ الفجاجَ بين المفاصل السردية، التي يتطلبها الترتيب النصي، استند إلى حيلة «هندسة المقاطع»، وتفكيك كلية النص إلى فصول مستقلة في شكل بطاقات، تصلح لتكون نصوصا مفردة، انسجاما مع تشظي الذات والعالم في محكي الرواية، لكن بدون أن يتم إلغاء الخيط الناظم بين المفاصل، حرصا على شمولية المحكيّ، وانتظام النسيج الكليّ، وهي تقنية لجأ إليها المحكيّ لإراحة رواته، وشخوصه المنتدبين أحيانا، للقيام بفعل السّرد، ولإتاحة الفرصة كاملة أمام الباث للتفكير الموازيّ في ترتيبات صياغة خطابه، وفق الوعي الجنينيّ المواكب.
ولدمقرطة تّوزيع مفردات النّص، خطابيا، تمّ اللجوء إلى سحب السّلطة من الرّواة، ومنحها أحيانا، للشّخصيات، كي تتبادل أدوار الحكي في ما بينها، عن طريق سرد حكايتهم الخاصّة، التي تتقاطع مع حكاية الشّخصية الرئيسة أو تغنيها، أو عن طرق تبادل الحوارات. غير أنّ الرواة سرعان ما يستعيدون هذه السلطة، حينما يستغرقون في استعادة تاريخ المنطقة، أو يستطردون في توصيف أزمنة، أو أمكنة، أو شخوص ما، بغاية تأثيث العالم الروائي، وتشييد مقوماته بالتوازي مع تطور الرؤية، ونهوض المعنى.
تطفح الرواية بالمعطيات الأثنوغرافية الخاصة بمنطقة الريف عموما، وجبالة خاصة، سواء تعلق الأمر بعادات الطعام، واللباس، أو ما يخص طقوس الزواج، والجنس، والمواسم الاحتفالية، وزيارة الأضرحة، والموت، والمعتقد، أو ما يتصل بالمحكيات الشعبية والأسطورية المؤثثة للمتخيل الجمعي، ناهيك من تردد بعض الأشعار والأغاني والأزجال المحلية، فضلا عن خصوصيات المجال الطبيعي والجغرافي (الوعورة، جمال التشكيل التضاريس، زراعة الكيف، العزلة وصعوبة المسالك…)، وطبيعة العلاقات الناظمة بين الذات (الإنسان الجبلي) والآخر (الأوروبي، أو الإسباني تحديدا)، المتجسدة في العلاقة التاريخية بين المستعمِر والمستعَمر (عنف)، والعلاقة الواصلة بين «مختار» وعشيقته «فلورا» (مودة)، الشيء الذي يعمق أطروحة الانتماء في النص، ويجذّر فكرة الهوية السردية، باعتبارها مساجلة من الذات الساردة؛ دفاعا عن موقعها الأنطولوجيّ، وترميما لتصدّع ما سبق أن حدث، أو يحدث، أو هو في طريق التشكل، ومرافعة منها ضد تجاهل ما، أو رفضا لهيمنة تعمل على طمس معالم ثقافة ما، أو تهميشها، أو إزاحتها من إحداثيات الكينونة، ولعل ذاك ما صرّح به السارد «مختار» شبه يائس: (لم أكن أملك سوى حلم وحيد وقديم… أن أحيي هذه الأرض لعليّ أبعث معها من جديد…).

٭ ناقد وروائي مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية