من بديهيات النظر العقلي أنَّ العالم يقوم على الاختلاف، وقد نصَّ أفلاطون على الحسي واللاحسي، وأنَّ كل كيفٍ هو صيرورة. والاختلاف هو الأصل والمآل وهو التفاضل واللاتفاضل، أو هو التعيين الواقعي لما هو غير متعين، واللحظة التي فيها يصبح المتعين واللامتعين واحدا. وأساس الاختلاف كما يرى جيل دولوز هو اليقين، حين نصنعه، وعدم اليقين حين يصنع نفسه، مؤكدًا على أنَّ الفكر هو الذي يصنع الاختلاف، وأمّا التكرار فهو مضاد الاختلاف، لأنَّ معنى التكرار يفضي إلى التشابه والتعادل الكمي النوعي في نظام القوانين والذوات؛ بينما الاختلاف هو التنوع والغيرية في التفكير في أحوال الوجود. والاختلاف ليس سلبيا بالمفهوم الدولوزي، لأنه يشكل (التوليف اللامتناظر الحسي) الذي به يغدو الاختلاف ليس المتنوع والمنوع؛ وإنما المعطى الذي به يعطى المتنوع.
ولأجل إدراك سياقات الاختلاف، لا بد من الترهينات في المكان والزمان والوعي والمخيلة، التي تتطلبها دينامية العملية النقدية، كما وكيفا، امتدادا وتوليفا وائتلافا، وتناظرا وتعاليا وتدانيا. وحسب دولوز فإن الاختلاف لا يصير مفكَرا فيه؛ إلا إذا كان مكبوحا وخاضعا لفعل التمثل الرباعي في العقل وكالاتي: 1ـ الهوية في المفهوم. 2 ـ التعارض في المحمول. 3 ـ التماثل في الحكم. 4 ـ التشابه في الإدراك. ووفقا لهذه الرباعية العقلية تكون الهوية هي العقل العارف، والتعارض هو العقل التعارضي، والتماثل هو العقل الماهوي، والإدراك هو العقل الفاعل.
وإذا خصصنا الاختلاف في حدود الجزئية الأولى أعني الهوية؛ فإن حدود التمثل في العقل ستتشكل في تصنيفات شتى، أهمها ثنائية النوع الاجتماعي (الجندري) المرأة/ الرجل، فكيف يكون فعل الاختلاف متجسدا في تفكيريهما؟ وهل يتساويان فيهما، بمعنى أن العقل العارف عندهما أيكون واحدًا؟
ليس يسيرًا البت في مسألة كهذه، لا لأننا ما زلنا (لم نفكر بعد وما زلنا بعيدين عن الفكر) كما يقول مارتن هيدغر، بل لأن دراسات النوع الاجتماعي لم تقف بعد على أرضية نظرية ناجزة، أو قريبة إلى الإنجاز تتعلق بهذا الخصوص، مع أن كثيرا من نظريات الأنوثة ومركزية الذكورة والجندر والنسوية والتابع، ظهرت وأخذت لها أبعادا واضحة. وإذا اخترنا من نظريات النوع الاجتماعي النظرية النسوية، وركزنا عليها بسبب ما لها من امتداد فكري عريض؛ فإن المسألة ستتحدد في المرأة بوصفها نوعا اجتماعيا له كينونته وهويته، كما أن له صيرورته الدينامية وخصوصيته الجنوسية المتأبية على المطابقة، والمجبولة على الاختلاف. والاختلاف هو الذي يمنح الخطاب النسوي نسقية متفردة بها، تهيمن الأنثوية على الذكورية، فتغدو للمرأة سطوتها، التي بها تتحصن من الاستغلال الذي مارسه الرجل عليها عهودا طويلة، ليبقى هو الهرم الذي قاعدته المرأة، التي هي بالنسبة إليه موضوع وفكرة ليس إلا. ولا تُستثنى من هذا التوصيف المرأة الكاتبة التي هي أيضا خاضعة بشكل جلي لسطوة الآخر، سواء وعت ذلك أم لم تعه. فتلبست بروح الذكورية وصار فعلها العقلي يخدم النسق الذكوري، ويسهم في تمتينه، راضية للآخر أن يهمش كينونتها، مقتنعة بالتابعية في (معاملتها على أنها حالات خاصة) كما تقول بام موريس.
ما تزال القبضة الذكورية هي سمة النقد الأدبي المعاصر، في مختلف مستوياته المحلية منها والعالمية. وبهذه القبضة تبقى المنظومة الثقافية أبوية، تمارس الوصاية بالسطوة، رافضة من يخالف هذه السطوة، طاردة من نظامها كل من يتعدى على أنساقها ومواضعاتها
وفي ظل ذيوع نظريات النسوية، أصبح للخطاب الذي تنتجه المرأة الكاتبة تميز وخصوصية، وهو ما تشرحه سيمون دي بوفوار، بأن تنتقم المرأة باستعمال أسلحة الرجال، فتتكلم عوضا عن أن تصغي وتشرح أفكارها بكل إسهاب وتعارض محادثيها عوضا عن الموافقة على آرائهم، وتحاول التغلب عليهم.. مؤكدة أن الرجال بدأوا يسلمون بالشروط الجديدة لحياة المرأة على أنها واقع لا بد منه، وأخذت المرأة تشعر بالراحة بدورها لأنها لم تعد محكومة بالبقاء في أوضاع التبعية. ولا مغالاة في قولنا إن الكتابة عند المرأة المتسمة بالاختلاف، هي خير وسيلة لتثوير الفكر وقلبه، وعندها لن ترى المرأة نفسها هامشا؛ بل تراها كيانا مدركا يرفض الهيمنة والتبعية الرمزية، وكل ما له صلة بالمنشأ الاجتماعي والتكوين الجسدي. ومحصلة هذا الترسيخ للصورة الاستقلابية للمرأة، سيجعل منها فردا مختلفا يدرك ذاته، ويعرف مديات تأثيره في الآخر وبأشكال مغايرة. والمرأة باختلافها ستكون قادرة على التحكم في الفعل الثقافي، متجاوزة الفرضيات الثقافية حول الإمبريالية والهيمنة، مقتنعة بأن الزمن الإنساني ليس إلا لحظة كما يقول غاستون باشلار، وأن الذاكرة انعكاس لمكان متصدع. وإذا كان هذا هو المتحقق أو المتأمل تحققه على مستوى الوعي العام؛ فما بالنا بأشكال أخرى من الوعي تتفرع عنه، ولنحدد الأمر بالوعي النقدي ونتساءل، أيكون المرجو تحققه للمرأة الناقدة هو نفسه المرجو تحققه للمرأة بالعموم؟
يقينا ما تزال القبضة الذكورية هي سمة النقد الأدبي المعاصر، في مختلف مستوياته المحلية منها والعالمية. وبهذه القبضة تبقى المنظومة الثقافية أبوية، تمارس الوصاية بالسطوة، رافضة من يخالف هذه السطوة، طاردة من نظامها كل من يتعدى على أنساقها ومواضعاتها، مهما كان شكل ذلك التعدي اختلافا أو تضادا أو تمردا. وإذا كانت المرأة الناقدة هي المتعدية على تلك الأنساق والمواضعات، فإن ذلك لا يكون إلا نادرا، والسبب هو التكرار الذي يجعل منها نسخة تحاكي سابقاتها الناقدات، اللائي اعتدن أن يحضرن بصيغة جسدية إدراكية حسية، تريدها الذكوريـــة كي تشبع غرورها المتروبولي في الهيمنة والهرمية، محكمـــة سطــــوتها على الأنوثة، ضامنة لقبضتها الدوام. واقتران الحســـية بالحميمية في النقد، الذي تكتبه المرأة هو الذي يكفل للمنظومة الأبوية دوام الهيمنة، ضامنة تابعية المرأة الناقدة لها، مانعة إياها من أن تبلغ منطقة التسيد، التي بها تحقق ذاتها.. فما السبيل الذي به يتمحور الوعي النسوي حول الجسد، لا بصيغته الحسية، وإنما بقيمته المؤمثلة بالمعرفية مجسدنا ككيان فكري مستقل؟
إن هذا التمحور سيتحقق بالاختلاف الذي به تعترف المنظومة الأبوية للمرأة بالعطاء والتفرد، على مختلف الأصعدة، وبالشكل الذي يتيح للنساء الانفلات من قبضة النظام المتروبولي، متحررات من التهميش والوصاية. وقد تمكن بعض النقاد والناقدات من ارتياد هذا السبيل، مشتغلين في منطقة تقع خارج التابعية في الكتابة النقدية، ليكونوا في المركز أو قريبا منه، منهمكين بالاختلاف الذي يعطي للمرأة مشروعية منازعة الأبوية على المركزية، ومناهضة أنساقها الذكورية، فاتحين الطريق للنقاد من بعدهم أن يلجوا معترك هذا الصراع حول الأنساق، تأييدا ونفيا وتوافقا وتضادا وأصالة واستنساخا. ولعل الذي يديم هذا الصراع هو التمكن النقدي في ممارسة الاختلاف، رفضا للمتعين واشتغالا في اللامتعين. وقد يقال إن المرأة أديبةً مارست الاختلاف قبل المرأة ناقدةً، فحاولت تأنيث العاشق وتهشيم فحولته وتحييد سطوته، بيد أن المتحقق الفعلي من مثل هذه المحاولات الأدبية كان يجابه دوما بالمقاومة والوصاية الذكورية على الثقافة. ومن حسن الحظ أن الأمر ليس كذلك على مستوى النقد، لأن اختلاف المرأة جعل كتاباتها أكثر قدرة على الانفلات من قبضة الأبوية، كما أن ارتكانها إلى العقل، أكثر من المخيلة وابتغاءها التجريد أكثر من التصوير هو الذي جعل فعلها النقدي يحوز على بعض الشرعية.
٭ كاتبة من العراق