نفاق غربي: استراتيجية سرقة الفعل في أوج نشاطها ‘الثوري’!

حجم الخط
0

مطاع صفدي

النصر السريع الذي اكتسبته ثورة ‘ميدان التحرير’ وضع تياراتها الشبابية دفعة واحدة أمام واجبات الوعي والممارسة والتنظيم، بما ليس لهم فيه سابق معرفة أو تجربة. إنهم ثائرون غاضبون قبل سقوط الفرعون، وصاروا فرحين بالإنجاز لدرجة الارتباك بالإرث العظيم الذي خلَّفه وراءه سلطانُ القوة العُظمى المنهار، فهم يرفضون أن يكونوا سلاطين جدداً، لكنهم لا يدرون كيف يحوّلون نصرهم الفريد إلى سلطة ما، وإن كانت لا تزال سلطةً تحبو في الشوارع، ولا تتسلّق سلالم موهومةً نحو القمم العالية.

الثوار الشباب لا يحلمون أن يصيروا حكّاماً بين ليلة وضحاها، لكن صراعات السلطة ما بين أجنحة المعارضة، ليست سوى تمريناتٍ عبثية للإستيلاء على مقعد الملك الواحد الأحد الذي سيحتكر دفَّة القيادة للبلاد والعباد. ففي خِضَمّ هذا الصراع يصير الخوف، كل الخوف، أن تفقد الثورة براءتها الذاتية، وأن تتحوّل إلى شبكيات من القوى الإنتهازية للفرصة، وللمصلحة، وللمصطادين في المياه العكرة، وما أكثرهم وما أدهى مخططاتهم، وما أغنى أيديهم بالأموال القذرة؛ ليسوا هم من دهاقنة الثورة المضادة وحدها. ليسوا هم من متاع النظام البائد فقط. هنالك زُمَر الفساد والإفساد المتغلغلة في هوامش الحدث الثوري اليومي. فالعدو الأكبر المترصّد لأخطاء المعارضة وتشتّت عقولها وأجنحتها، لا يزال هو العدو التقليدي لأيّ تغيير حقيقي يكتسبه أيّ مجتمع عربي.

والثورة العربية فاجأت نفسَها والعالم معها بكونها هي بادرة التغيير الحقيقي؛ فمن يرضى للعرب أن يكسروا جلمود القَمَم من حول جسدهم، سجينِ التخلّف، مثَلَّث الرؤوس بالقمع الأجنبي والأهلي، وما بينهما من ضياع الوعي الذاتي بفارق العبودية المعتادة عن الحرية المجهولة. فالغرب قد يَقبل بتغيير الواجهة الحاكمة جملةً وتفصيلاً، حتى تلك المستظلة بقوته مباشرةً كالملكيات القروسطية ومشيخات البداوة النفطية، لكنه لن يسمح بوصول أيّ شعب عربي إلى صيغة أن يحكم نفسه بنفسه. فأنْ ينهار نظامٌ منخورٌ من طائفة المستبدّين الفاسدين. ذلك أمرٌ مقبول، لكن من يأتي بعده ينبغي أن يُعيد بنية التبعية تحت حلة جديدة. هذه الحالة من استعادة عبثية التحريف والتشويه في قلب الظاهرة الثورية، تشكل العقبة الكأداء، الأخطر في وجه الجيل الثوري الصاعد. وقد يقع بعضه في شباك المال والغواية السلطوية المتعجلة، فيتفكك تدريجياً بُنيان الحراك الجمعي. سريعاً ما يقع، هذا البعض، ضحيةً ساذجة لألاعيب سياسة العلاقات المشبوهة. فمن طبيعة الصيغة الجماهيرية أنها قلما تعبأ بضرورات الرقابة الذاتية على مكوناتها؛ إنها تأخذ الوقائع والشعارات المرفوعة بظواهرها العارضة، لا تلحظ متغيراتها، ولا تسأل عن صانعيها الحقيقيين.

الثورة العربية قد تكون واعية لأهدافها المباشرة، لكنها لا تلتفت إلى خلفيات مكوناتها البشرية والاجتماعية؛ فهي بقدر ما تتميّز بصيغتها الجماهيرية العفوية، فإنها لا تمتلك مهلة التمييز ما بين النماذج القيادية التي تنتجها من ذاتها، وتلك الفرديات الأخرى الطارئة والملتصقة بحراكها.

سَرِقةُ الفعل، ذلك هو عنوان الإستراتيجية الأمريكية إزاء الثورة العربية. فقد لا يمكن سَرِقة الثورة، بل يمكن اختطافُ بعض الهَامّ والتاريخي من أفعالها. هنالك صراع عربي غربي على ملكية المرحلة الاجتماعية الجديدة، بقضّها وقضيضها. فالعرب هم أصحاب الثورة الشرعيون. ومع ذلك فالدبلوماسية الأمريكية تشنّ أوسع وأعمق حروب انتزاع الملكية من أيدي أصحابها الشرعيين، بعلنية الوقاحة المطلقة. فتتدخل الأمركة الغازية بكل صفاقة، ما بين أحرار العرب ومشروعهم النهضوي الجديد. علّها تفسد العلاقة العضوية بين تربة البستان العربي وربيعه الواعد، تريد أن تفتعل لهذا الربيع موسمَ أشواكٍ طاغٍ على موسم براعم مهددة بالبداد قبل الإزدهار.

مئات أو آلاف من أسماء جمعيات (مدنية؟) تندسّ في تضاعيف مجتمعاتنا، مأجورة للمال القذر، ولمخططاته الخبيثة، وقد تجد فُرَصَها السائحة في موجات الثورة المنطلقة هنا أو هناك. تمارس سَرِقة الفعل ببراعة اللصوص المدرّبة على اقتناص العقول الشابة من بداهاتها العفوية. إنها تطرح عليها كلّ الشعارات النبيلة من أسماء الحرية والعدالة والمساواة، لكنها تجعل مساراتها غاصّة بسريان العملة الزائفة الطاردة للعملة السليمة.

يصحُّ هنا القولُ أن مقياس الثورة الحقيقية هو قدرتها على كشف أعدائها الذاتيين قبْل الموضوعيين، لكن ربما أصبحت إحدى هاتين الطائفتين أشدّ مكراً ودهاءً من الأخرى، إن لم تتعاونا معاً في محصلة الصراع، حول إنجاز مهمة سَرِقة الثورة، وتقاسمها فيما بينهما. ولكن في التجربة الراهنة من مكابدة الثورة لشرور الداخل والخارج معاً، فإن الغرب المضاد يُراهن على سلب الثورة أفضل أضوائها الساطعة، وهو حرمانها من براءة صيرورتها في عيْن الأنقياء من أبنائها وأبطالها، وذلك بتوليد الفئوية، ورفع الشعارات الملتبسة. فالطارئون سريعاً ما يقلبون الثورة إلى حرفة يمتهونها بديلاً عن أيام البطالة العقيمة. فالسفارات الغربية في العواصم الثائرة، أو شبْه الثائرة، تشهد أعلى نشاط لها يُخرجها عن رتابتها الدبلوماسية، ويحرف اتصالاتها عن مستوى الحكّام المحليين، إلى قيادات الشارع المتحرك. أوربا وأمريكا وإسرائيل جبهات ثلاث في واحدة مصمّمة أكثر من أيّ وقت سابق، على ألاَ تدع الثورة تفلت من بين أصابعها الطويلة. هنالك وصفات شعارية من السهل إلصاقها على جبين هذه الفئة أو تلك. هنالك جُعالات دولارية لا تنقذ، يمكن أن تتسرّب إلى بعض الجيوب ماوراء ظهر الجماعة الكبرى. إنه تشكيل الشراذم الذي يُمزّق النسيجَ الأشمل لصيغة الجماعة الكبرى؛ هذه الصيغة لا تزال من دون حماية واعية لحدودها ومكوّناتها.

الإسلاميون طاغون في كل ساحة عربية، متحركة أو موشكة على الحركة. لكنهم جماعات متفرّقة كذلك، هم فئويات؛ والقوميون مترهّلون حتى في عقائد شبابهم، وليس في أعمار كبارهم فقط. واليساريون عاجزون عن أدْلَجة الحَدَث الثوري العربي تحت أية مقولة ماركسوية. أما الليبراليون المتأمركون صراحةً بالفكر والممارسة معاً، فإنهم لا يكفّون عن ادّعاء أبوة الثورة وانطلاقاتها الأولى، بفضل تحشيداتهم الإلكترونية؛ لكن يبقى هنالك الجمهورُ الأعظم الذي أكسب الإنتفاضة قاعدتها البشرية الأكبر والأشمل، والتي من دونها لن تتكوّن للشارع ثمّة سلطة شرعية، تُسقط سلطات الأمر الواقع اللامشروعة. ولقد برهن الجمهور في كلٍ من تونس ومصر، أنه قادر وحدَه أن يكون قائد نفسه. وأما الأحزاب أو (الشراذم) و(الزُمَر)، فإنها قوى من الدرجة الثانية والثالثة، وكان حضورها في اللحظات الحرجة، مرهوناً برجحان كفَّة الإنتصارات على كفَّة الهزائم.

ولا تزال الثورة في بدايتها، وهي أقرب إلى الإنتفاضة في يومها الأول منها إلى القوة المنظمة لمشروع التغيير. فهي افتتحت، أسَّست حتى الآن، جدليةَ الصراع، الكاشفةَ أمامها لمسلسل العقبات، التي سيفجّرها في وجهها أربابُ النظام القديم، والمدافعون الجدد عن استمراريته تحت شتى أشكال الرفض والنقض، والمناورات الظاهرة والباطنة؛ حتى يمكن للثورة أن تتحوّل إلى مجرد جبهة محاطة بجبهات كثيرة عدوانية ومتآمرة. وقد يندسّ المشبوهون خلف الصفوف الشابة، وينجرف قي تياراتهم أبرياءٌ كُثرْ. فاستراتيجية التخريب هي الثمرة العليا لثقافة العلوم الغربية المصدّرة إلى العالم، وسوف تجد فرصتها الذهبية في تجربة خبراتها المعرفية والعملية، فيما سيطرحه التجريب العربي الثوري من وقائع التغيير ومناهجها ومفاهيمها، غير المصنّفة بعْدُ في محفوظات العقل الإستعماري.

غنيُّ عن القول أن المغزى التاريخي لاندلاع الحراك الثوري اليوم هو أنه إيذانٌ بإعادة إنتاج الاستقلال العربي وانتشاله من أدهى أمراضه العضوية المستديمة، ذلك الإستنقاع الجرثومي بين فكّيْ كمّاشة الإستعمار الداخلي، وهما الاستبداد والفساد.

بالمقابل، يُدرك الغرب أنه ربما يخوض معركة حياة أو موت مع اندلاع هذه الحركة الإستقلالية للعالم العربي الذي أمسى يشكّل احتياطي البقاء الحضاري، وربما الحيوي العادي، لإمبراطورية الغرب. هذا العالم العربي والإسلامي هو خزّان كونيّ للطاقة والمال، وهو الممّسك شبْه الأوحد بميزان معادلات القوى الفعلية ليس بين الشرق والغرب فحسب، ولكن بين حاضر المدنية ومستقبلها، لإنسانية القرن الواحد والعشرين. ذلك ما يتداوله مثقفون وخبراء من عالم الشمال الأبيض علناً، وبدون موآربة.

فأن تفوز أممُ وشعوبُ العالم العربي والإسلامي باستقلالها الحقيقي أخيراً، ذلك المثل الأعلى شبه المستحيل حتى على التصوّر الغربي نفسه، حول إنشاء مجتمع المدنية الحرّة العادلة حقاً، فذلك يعني، وكما يفهمه مفكرو الغرب النزيهون منهم فحسب، هو أن توضع حضارة الغرب أمام آخر وأشقّ خيار لها: إما التساقط إلى أدنى إفلاسها الأخلاقي، مع إنكارها لحقائق الإنهيار المتفشية في نظامها الرأسمالي، وإما أن تحاول النهوض، بما تبقَّى لها من (براءة الصيرورة) مع ذاتها، إلى مستوى الجوهر من ثقافة المدنية، التي طالما انشغلت هي باختراع معاييرها، كيما تعاود ابتعاث الجانب الإنساني، بعد كل فجوة وهوة، من تاريخها الدرامي الدامي.

كأنما لا فكاكَ من ثنائية قطبيْن: راهنٍ ومُرْتَهن مابين الغرب والعرب. وهي ثنائية ظالمة وجاحدة، لم تكن أبداً تبادليةَ الإرتهان المتوازن بين قطبيْها هذين؛ ولعلّه حان الوقت لتصحيح هذه العلاقة المتعسّفة، فَلْيكفَّ الغربُ عن خداع شباب الثورة، عن التبنّي الكاذب لأهدافها، بتحريف معانيها من تحت سطورها العريضة، بتلويث نظافة الوجدان الشبابي بالتبعيات المشبوهة. على الغرب ألا يَنْصِبَ نفسه كالنقيض الجبار لحرية الإنسان غير الغربي، أينما أينعت لها بعضُ الأزهار الواعدة بربيع إنساني مستقل، لها ولكل محروم منه، من موسمه العابر، ولو لمرة واحدة في مسيرته المظلمة.

هناك في الغرب من يقول لبعضه: دَع الثورةُ العربية تنجز الانتهاء من عصر الاستبداد، بفضل حيويتها الذاتية، بعقلها الجماهيري الفتيّ. لا حاجةَ لمواعظك البالية، ولا لأموالك المسمومة. دع حرية الآخرين تعلّمك خلاصَ حريتك من ظلماتها في أعشاش النفاق السياسوي، وزميله الاستغلال اللصوصي المفضوح. فقد تغدو الحريةُ لشعوب العرب والإسلام منقذاً كذلك لمعضلة الغرب مع إمبراطوريته الهرمة. عليه أن يَدَعَها لموتها المحتوم. لعلّه يعيد إحياء مدنية خالصة من البربرية المقنعة، قد تصبح شريكةً مخلصة لمدنية البشرية جمعاء، قبل فوات الأوان… فيتحول الإفلاس الاقتصادي إلى إفلاس أخلاقي وحضاري، لا مستقبل لأحد بعده.’ مفكر عربي مقيم في باريس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية