«تحرير الشام» تقطع الطريق على دعوات حلها بتكوين تشكيلات عسكرية جديدة شمال سوريا

حجم الخط
1

أنطاكيا – إدلب – «القدس العربي»: قامت «تحرير الشام» بتشكيل ألوية عسكرية جديدة، كما عينت قادة لها، وذلك بعد فشلها العسكري في مقاومة النظام، وانهيارها بشكل سريع، حيث واجهت إثر ذلك العديد من الانتقادات، وحالة من التذمر من قبل المدنيين في إدلب.
وأصدر الجناح العسكري في «تحرير الشام» بيانات عدة أعلن فيها عن تشكيل ثلاثة ألوية عسكرية جديدة. وجاء في بيانات التشكيل «يستحدث لواء طلحة بن عبيد الله، ويعين الأخ أبو حفص بنش، قائداً عاماً عليه»، و»يستحدث لواء علي بن أبي طالب، ويعين الأخ أبو بكر مهين، قائداً عاماً عليه»، و»يستحدث لواء الزبير بن العوام، ويعين الأخ أبو محمد شورى، قائداً عاماً عليه».
وعلق بعض النشطاء المعارضين لـ»تحرير الشام» على هذه التشكيلات بالقول: «إنها خطوة لقطع الطريق على كل من يدعو إلى حل الهيئة، ولتلميع نفسها بعد هزائمها العسكرية».
الإعلامي المقرب من «تحرير الشام» محمد العمر، اعتبر أن طبيعة التغييرات عسكرية وتأتي تحسباً للمعركة القادمة، فالهيئة تعلم أن الأمور لن تدوم هكذا، وأن الاتفاقات السياسية لا يمكن أن توقف تقدم النظام، وبعد نجاح تجربتها بتشكيل أربعة جيوش بالفترة السابقة، لجأت لتشكيلات إضافية لكي تستطيع إدارة المعركة القادمة، ومحاولة إصلاح واستدارك بعض الأخطاء».

يمنح الفرصة للقيادات الشابّة القريبة من الجولاني ويقصي «الجهاديّ» ويعزّز «المحليّ المعتدل»

وقال العمر في حديث لـ»القدس العربي»: موضوع هذه التشكيلات لا علاقة له بموضوع دعوات حل الهيئة، فهدفها المعركة المقبلة، وموضوع حل الهيئة غير مطروح على الطاولة أصلاً، فمن يحلها؟ ولمصلحة من؟، فتركيا بعد التعامل مع الهيئة بالفترة الأخيرة غيّرت نظرتها كثيراً، فقد لاحظت الأعداد الوهمية الكبيرة جداً للجيش الوطني، وهذا ما أفقدها الثقة به، وفي المقابل لاحظت صلابة مقاتلي الهيئة، وكيف أخرجوا آليات الأتراك من النيرب في المعركة الأولى عندما تركها خلفه مقاتلو الجيش الوطني المدعوم تركياً، وهي بالأصل لم تعادِ الهيئة إلا بعد موضوع التدخل التركي في إدلب، تركيا والهيئة كلاهما يعلم أنه ليس عدواً للثاني».
مستبعداً أن يكون لانشقاق القيادي الملقب بـ»أبو مالك التلي» من الهيئة، أي صلة بهذه التشكيلات «فالهيئة تحولت لنظام المؤسسات منذ فترة، وخروج أو دخول أحد لن يؤثر كثيراً، فكما كان خروجه بدون شيء عاد بدون أي شيء».
من جهته، يرى الباحث في شؤون الجماعات الجهادية محمد الكوراني، أن هذه التشكيلات ليست غريبة على «هيئة تحرير الشام»، التي تعيش منذ زمنٍ ليس نزاعاً بين جناحيها المعتدل والجهادي، «الهيئة تسعى إلى إدخال تغييراتٍ جوهريّة من دون أن يؤثّر ذلك على أدائها الوظيفي، وذلك بإقصاء العناصر الجهاديّة لصالح العناصر المحليّة المعتدلة، إضافةً إلى تغيير عناصر الصف الأوّل والثاني في جهازها العسكري، ممّا يمنح الفرصة للقيادات الشابّة لتولّي هذه المهام بدلاً من نظيرتها «المخضرمة»، التي أثبتت فشلها في المعارك مع النظام».
وقال الباحث في حديث لـ»القدس العربي»، إنّ التغييرات الجديدة فتحت الباب واسعاً أمام التكهنات والتفسيرات المختلفة، التي يشير معظمها إلى أنّ الهيئة تستغل فترة الهدوء الذي تعيشه المنطقة، بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار لإعادة التسويق لنفسها محليّاً ودوليّاً، كتنظيمٍ مسيطر على إدلب معتمدةً في ذلك على التواجد التركي الكثيف هناك، ولو أنّ مسعاها يُواجه بعوائق عدّة أهمّها إطلاقاً انخفاض نسبة شعبيّتها بشكلٍ ملحوظ، حيث أدرك العامّة أنّ الهيئة غير قادرة على الدفاع عن المناطق المحررة، وكذلك على مواجهة الآلة العسكريّة للنظام والروس والإيرانيين منفردة، كما أنّ ممارسات التنظيم ضد مخالفيه أثّرت سلباً على العلاقة مع قادة الفصائل ممّن فقدوا ثقتهم بأبي محمّد الجولاني الذي لم يعودوا يأمنونه.
وأشار الباحث إلى أن الجناح المعتدل في «تحرير الشام» يؤمن بسياسة الأمر الواقع، ولا يرى بدّاً من التعاون مع الأتراك بل والتماهي معهم تمهيداً لحل التنظيم ككل وتحويله إلى فصيل معتدل أسوةً بغيره من الفصائل النشطة على الساحة، وعلى رأسها الجيش الوطني المدعوم تركيّاً، أمّا الجناح الجهادي فيقف على النقيض تماماً خاصّةً فيما يتعلّق بالتعامل مع الأتراك الذين يرى فيهم سبباً في تسليم الجزء المحرر إلى الروس والنظام.
ويضيف الباحث، أنه أمام هذا الواقع تقف الهيئة فعليّاً أمام مفترق طرق، فالانصياع لرغبات الجناح المعتدل سيفقدها دعم العناصر التي طالما اعتمدت عليها في الماضي، في حين يؤمّن لها الجناح الجهادي ثقلاً عسكريّاً لا بأس به لكنّه في المقابل سيفقدها دعم العناصر المعتدلة التي ينتمي أغلبها إلى المقاتلين المحليين من أبناء المنطقة، وعليه يمكن القول بأنّ التشكيلات الجديدة ما هي إلاّ وسيلة قد تستخدمها الهيئة للقفز إلى الأمام والهرب من مشاكلها القائمة أملاً في حصولها على فرصةٍ ما من المجتمع الدولي لإثبات أو إعادة إثبات نفسها كتنظيمٍ فاعلٍ على الساحة.
في السياق ذاته، يرى الصحافي السوري قيس الأحمد، أن تشكيلات «تحرير الشام» الجديدة تلاعب من قبل الجولاني والمحيطين به، لتخفيف الانتقادات داخل «تحرير الشام»، ولتقليل الانشقاقات التي كثرت في الآونة الأخيرة.
ويقول الصحافي في حديث لـ»القدس العربي»: كل القادة الثلاثة الذين تم تسليمهم تلك التشكيلات، هم مقربون جداً من الجولاني، وهذا يعني أنه يفرض مزيدًا من سلطته على الهيئة، لكي يمنع محاولات لتغييره أو لتغيير سياسة تحرير الشام بشكل عام، فهذه الخطوة هي تعزيز لنفوذ جماعة أو جناح معين في «تحرير الشام» ضد الناقمين من داخلها على سياسة هذا الجناح، الذي يقوده قائد تحرير الشام أبو محمد الجولاني.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية