عندما انقذف دون جوان إلى ذلك المطعم المقفل منذ زمن، والواقع في جوار دير «بور رويال»، كان هاربا من مطاردة لم تحكِ الرواية تفاصيلها. لا شيء سوى ظهور المطارديْن، الشاب ورفيقته، راكبين دراجة هوائية، ظل محركها يهدر وهي متوقّفة لا تقترب من سياج المطعم. تلك المطاردة أنهت ما سبق من سيرة جزئية لدون جوان، اقتصرت على معاشقة سبع نساء.
وعلى الفور نشأت صداقة عميقة بين دون جوان وصاحب المطعم المقفل منذ سنتين، ذاك الذي بدت عطالته كأنها انتظار غير مدرَك لمجيء ضيفه. هذا الرجل سيصبح في الصفحات اللاحقة من الرواية، أي في الأيام السبعة التي قضاها دون جوان معه، السامع المصغي لسيرة ضيفه، كما سيكون في الوقت نفسه راويتها. لكنه راوية بالواسطة، إذ أنه يسرد ما يسمعه فقط، لكنه، في أحيان، يضع في ثنايا ما يقوله كلمات من عنده هي، غالبا، مديح للدهشة التي تثيرها تفاصيل الحكايات التي يسردها.
وكانت الطبيعة من حول الرجلين قد بدأت تُظهر خصوبة متجاوزة كل مألوف وطبيعي، حيث العشب والزهر جعلا ينبتان في ساعات. كما أن الرفقة التي جمعت بينهما لم تكن تحتاج إلى الوقت العادي، حتى يصير القرب بينهما أعمق مما يجري بين رجلين ترافقا أو تصادقا. ذلك يعود طبعا إلى الطاقة الفائقة، غير الخاضعة لقوانين الفيزياء والنمو، التي تشع من شخصية دون جوان. أما العوائق التي تصنعها الطبيعة، والتي تتطلّب التحايل والمواربة لاجتيازها، فكان دون جوان يسير متعديا إياها كأنها طرقات ممهّدة.
دون جوان شخص أسطوري، لكن بما يختلف عن الأسطورية، التي أضفيت عليه كرمز للإغواء والقلق الوجودي في آن معا. هنا في رواية بيتر هاندكه، ليست النساء إلا جانبا مما يفتنه سحره. وهو ليس مطارِدا لهنّ، إذ في الأسابيع السبعة التي تنقل فيها بينهن، وهن سبع نساء، كان الالتقاء (الكامل) بكل واحدة منهن يجري كما لو في لحظة خاطفة. كما لو أن ذلك اللقاء حصل ولم يحصل. ثم إن أيا منهن لم تعمل على إغوائه، ولم يعمل هو على استدراجها. كل شيء كان يحصل بنظرة واحدة تخترق الجمع الضخم المحتشد في احتفال أو في زفاف، كما لو أن ذلك من أعمال القدر. كل النساء السبع، أو ربما الست، اللواتي التقاهن، كان يتصل بهن على مثل ما تجري المواقعات الغرامية (الجنسية) في المنامات.
لا عدّ للصفات التي تميز شخصية دون جوان في إعادة خلق بيتر هاندكه له. كما لا ضابط لهذه الشخصية التي في أحيان كثيرة تشذّ عن نفسها، أو ينضم إليها ما ليس منها.
ولا يهم في اي لحظة حرجة يتحقق ذلك الاتصال الخاطف. قد تكون المرأة في ليلة زفافها، كما حدث في الأسبوع الأول هناك في القوقاز، أو مع المرأة التي انكشف له بطنها في لحظة المجامعة، في الأسبوع الثالث في سبتة، أو مع المومس فيما هي تهرب من شيء ما في هولندا. ولنضف إلى معرفتنا بهن، أو بمن منهن يرغب دون جوان، فسيضعنا تنقّله بين اللواتي جمالهن لا يوصف، ومن ينبغي اكتشاف جمالها عبر إعادة الصفاء إلى بشرتها الخشنة القاسية. ودائما تنجذب النساء إلى فتنته، في هذه البلدان التي أضيفت إليها دمشق والنرويج وبلد أخير لا اسم له (وقد التقى فيه المرأة التي، هي أيضا، بلا اسم) من دون أن يغويهن. «دون جوان لم يكن مغويا»، من أشعنَ عنه ذلك «كن يكذبن، أو أن الاضطراب تملّكهن». لم تُغر أي امرأة دون جوان. قد يتهيّأ لها ذلك، «لكن في لمح البصر يتضح لها أن الأمر لم يعد إغراء وأنه هو، الرجل، لا يجسّد الشخص المفتون، ولا ضدّه أيضا. إن لديه ســطوة، غير أن سطوته مختلفة».
لا عدّ للصفات التي تميز شخصية دون جوان في إعادة خلق بيتر هاندكه له. كما لا ضابط لهذه الشخصية التي في أحيان كثيرة تشذّ عن نفسها، أو ينضم إليها ما ليس منها. يستحيل لهذا أن تتضح على نحو تام، صورة تلك الشخصية التي يغلب على تكوينها الروائي الفيض الشعري لكاتبها. مع القليل القليل مما يمكن أن يكون سردا راح بيتر هاندكه يحلّق محوّلا بطله إلى ملهم لاستدعاء الشعر وإطلاق العنان للمخيلة. لمتابعة هذه الشعرية التي لا تنقطع، ولا تتعب، على مدار صفحات الكتاب، يدعونا بيتر هاندكه، كما يدعونا أيضا سمير غريس، ناقل الكتاب إلى العربية. أما البطل، دون جوان، وقد كتبت أسطورته بأقلام كتاب كثيرين، فظل هاربا من الروائية، نائيا عن تسلسلها، بالقفز إلى ما لا يُتوقّع ولا يُنتظر حصوله، لكن، مع ذلك، يصرّ هاندكه على أن ما كتبه هو «حقا وصدقا، حكاية دون جوان النهائية والحقيقية».
وعلى الهامش، ينطبق ذلك أيضا على خادم دون جوان، أو معاونه، أو رفيقه الذي هو، في الكتاب، شخصية تابعة، مثلما كان سانشو بانثا لدون كيخوته. لكن تابع دون جوان هنا لا يقل اختلاطا وتبدلا عن سيّده. هو أيضا استغرقته متعة الكتابة وأخذته إليها.
*رواية بيتر هاندكه «دون جوان يحكي عن نفسه» نقلها عن الألمانية سمير غريس وصدرت في 112 صفحة عن «دار سرد»، 2019.
٭ روائي لبناني