باريس – «القدس العربي»: تواصل هبوط أسعار النفط في الأسواق العالمية يثير تكهنات كبيرة في أوروبا عن احتمال إقدام منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» على إقرار تخفيضات مهمة في الإنتاج في اجتماع المنظمة القادم نهاية نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، رغم إعلان السعودية انتاجها لنحو9.597 مليون برميل يوميا شهر آب/اغسطس الماضي.
وهبط نفط القياس الأوروبي برنت دون 86 دولارا للبرميل وذلك تحت ضغط من استمرار المخاوف بشأن وفرة إمدادات المعروض من المادة و تراجع الطلب ما تسبب في هبوط خام برنت الأوروبي لأدنى مستوى له في أربعة أعوام.
ويعبر صناع القرار الاقتصادي في أوروبا عن مخاوفهم باستمرار بعد أن نزل سعر النفط الخام في الأسواق العالمية من 155 إلى أقل من 86 دولارا للبرميل في أقل من ثلاثة أشهر فقط،لما قد يحمله ذلك من تداعيات على اقتصاد أوروبا الغارق في الركود كتفاقم الانكماش وزيادة الحاجة إلى سياسات نقدية موحدة للبنوك المركزية مع مخاطر تراجع الضمانات الخاصة بها.
بينما يرى آخرون أن تراجع أسعار الطاقة بنحو 10 في المائة في الأسواق العالمية سينزل بردا وسلاما على أوروبا واقتصادها، حيث سيحمل الانخفاض الى القارة العجوز مزايا إيجابية في مقدمتها تحقيق نمو إضافي بنسبة 0.4 في المائة لاقتصادات منطقة اليورو إضافة إلى تحسين ميزان المدفوعات، كما أن الاتحاد الأوروبي سيوفر نحو 80 مليار دولار من تكلفة واردات الطاقة، في حال بقيت أسعار النفط منخفضة، ما يخفف العبء عن الأسر والشركات في منطقة شهدت ضعفاً في النمو خلال السنوات الخمس الأخيرة.
غير أن المختصين الأوروبيين يعتبرون تأثر أوروبا بتذبذب أسعار النفط تكريسا لعيب قديم جديد هو اعتماد الاقتصادات الأوروبية بشكل شبه كلي على النفط وعجزها عن الانعتاق منه والاتجاه نحو الطاقات البديلة ما يعني فشل الأوروبيين في تأخير هدفهم المعلن في الوصول إلى قدرة تنافسية للطاقة المتجددة او النظيفة التي سطرتها قمة مناخ المناطق المنعقدة بداية الشهر الجاري في باريس.
ويحمل المختصون الأوروبيون المملكة العربية السعودية مسؤولية انخفاض أسعار النفط في الأسواق من خلال خوضها لما يسمونه «مقامرة محسوبة» في علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية تستهدف بالدرجة الأولى صناعة الزيت الصخري الأمريكية في وقت يقاتل فيه الطرفان معا في خندق واحد تنظيم «داعش» في العراق و سوريا.
وفي هذا الإطار يقول جان بيار بونوا الباحث في المعهد الفرنسي لعلوم الطاقة لـ»القدس العربي» إن السعودية من خلال خوضها هذه المغامرة «لا تهدف فقط إلى ضرب بعض شركات الزيت الصخري الأمريكية بل أيضا خنق الاقتصاد الروسي الذي يواصل الغرق تحت وطأة العقوبات الامريكية والأوروبية ردا على تدخلها في أوكرانيا و هناك أيضا محاولة لضرب إيران مع تطلع الرياض إلى فشل المحادثات مع طهران بشأن ترسانتها النووية».
وبحسب الباحث الفرنسي فإن «السعودية اتخذت موقفا محسوبا بدقة، رغم ما فيه من المجازفة، بدعمها انخفاض أسعار النفط إلى نحو 80 دولار للبرميل،لأن دعم السعودية لانخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية وسعيها إلى ذلك يسبب ضررا كبيرا لخصومها في مقدمتهم إيران وروسيا، لانها تعلم يقينا أن تراجع أسعار النفط ينعكس سلبا على كل من الاقتصادين الروسي والإيراني خاصة في ظل فرض عقوبات أمريكية وأوروبية على موسكو على خلفية الأزمة الأوكرانية من جهة وأيضا في ظل المحادثات النووية المرتقبة بين طهران والغرب حيث تطمح الرياض بشكل واضح إلى فشل هذه المفاوضات ووصولها إلى نقطة الصفر».
وأضاف «هناك بالتأكيد دوافع سياسية كامنة وراء هذا الانخفاض في اسعار النفط بعد إغراق السعودية السوق بالمادة، الأمر يتعدى كونه تخمة نفطية سرعان ما تعاود اسعار النفط نحو الاستقرار والصعود، لذلك سيتعين على منظمة البلدان المصدرة للبترول أوبك خفض انتاجها بنحو مليون برميل يوميا لتحول دون زيادة المخزونات العالمية في الربع الأول من العام المقبل لأن ضيق إمدادات المعروض الأمريكي سيدعم الأسعار خاصة و ان بعض أنشطة الحفر تضررت بالفعل من جراء هبوط أسعار الخام».
وفي رده على سؤال بشأن إمكانية تأثر السعودية نفسها بانخفاض أسعار النفط وقال جان بيار بونوا «السعودية ستتحمل بلا شك أعباءا كبيرة وسيتضرر اقتصادها بالتأكيد حين تلجأ مكرهة إلى احتياطها النقدي الضحم من العملة الصعبة لسد العجز في الميزانية الذي ستتعرض له جراء ذلك».
وأضاف «حتما السعودية لن تستفيد بل ستضرر، والمستفيدون الحقيقيون من مغامرتها في السوق هم كثر في مقدمتهم الصين وأوروبا وهما من أكبر زبائن الرياض، أضف إلى ذلك الولايات المتحدة التي تسعى الرياض لضرب شركاتها للنفط الصخري، هنا المستهلك الأمريكي يبقى مستفيدا من الوضع وهو انخفاض أسعار النفط حيث أن الولايات المتحدة ستظل مرتاحة على اعتبار أن الانعكاسات الإيجابية لـ»المغامرة السعودية» تبقى اكبر من انعكاساتها السلبية، واول من سيستفيد هو المستهلك الأمريكي مباشرة حين يلمس انخفاضا كبيرا في الضرائب».
و حسب الباحث الفرنسي فإن أسباب السعودية المعلنة وراء تخفيض الأسعار هو الرغبة في المحافظة على عملاءها أو كسب عملاء جدد في السوق، غير انه يعتقد بأن الأسباب الحقيقية وراء الخطوة هي ذات طابع سياسي وليس اقتصادي، وهو ما يبرر أن السعودية نفسها السعودية أول المتضررين من تراجع أسعار النفط».
وأكد بونوا أن السعودية تهدف أيضا إلى الضغط على كل من روسيا وإيران لتليين موقفهما بخصوص الملف السوري، وكذلك من التحالف الدولي الذي تقوده الـولايات المتــحدة ويضم دولا أوروبية وخليجية لمواجهة تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام «داعش».
وباتت إيران تقر بأنها المستهدف الأول من إغراق سوق النفط حين لمحت على لسان المتحدث باسم حكومتها محمد باقر نوبخت إلى مسؤولية المملكة العربية السعودية في ما يجري ويدور حيث قال المسؤول الإيراني إن «بعض من تدعى دولا إسلامية في المنطقة تخدم مصالح أمريكا والقوى المتغطرسة الأخرى في محاولة للضغط على الجمهورية الإسلامية»، مؤكدا «تسبب الغرب في انخفاض انتاجنا من النفط من أربعة ملايين برميل يوميا إلى مليون برميل يوميا، وهذا الانخفاض الذي طرأ في الآونة الأخيرة على أسعار النفط هو أحدث حيلهم».
ويجمع المختصون في سوق الطاقة على أن المملكة العربية السعودية تزيد من انتاج النفط كوسيلة ضغط على إيران، التي تحاول زيادة انتاجها لتغطية العجز الحاصل في اقتصادها، مؤكدين أنه لن يكون بوسع طهران مواجهة الخطوة السعودية أو التغلب عليها ما سيجبرها في النهاية على تليين مواقفها خاصة خلال جولة المباحثات الجديدة التي ستجمعها بالدول الغربية بشأن برنامجها النووي.
ولاحظ المختصون في أوروبا انخفاض صادرات السعودية من النفط الخام إلى أقل مستوى في ثلاثة اعوام في وقت تسعى فيه أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم للحفاظ على حصتها في السوق وسط ضعف في الطلب وتخمة في الإمدادات من منتجين منافسين.
وخلال الأشهر الثلاثة الماضية سجلت الصادرات السعودية هبوطا واضحا نتيجة تراجع الصادرات للسوق الامريكية بفعل زيادة انتاج النفط الصخري هناك وتباطؤ الطلب في آسيا لاسيما في الصين عكس التوقعات، فقد صدرت السعودية 6.663 مليون برميل يوميا في آب/اغسطس انخفاضا من 6.989 مليون برميل يوميا في يوليو تموز الذي سبقه.
ولا تبدي المملكة العربية السعودية انزعاجا من تواصل انخفاض اسعار النفط في الأسواق العالمية واستمراره، رغم ارتفاع اصوات من داخل منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) تدعو إلى تحرك عاجل من أجل خفض فوري للإنتاج واعتبار ذلك الطريق هو الوحيد لدفع أسعار الخام العالمية لمعاودة الصعود مجددا فوق سقف الـ 100 دولار للبرميل.
في المقابل تطالب دول عضوة في منظمة اوبك علنا بتحرك عاجل حتى قبل الاجتماع الدوري للمنظمة النفطية اواخر شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل كما هو الشأن بالنسبة لفنزويلا اكثر البلدان المنتجة تأثرا بتراجع أسعار النفط حين أعلن وزير خارجيتها رفاييل راميريز انه «لن يستفيد أحد من حرب الأسعار أو هبوطها عن 100 دولار للبرميل».
ودخلت الكويت الدولة العضو في المنظمة الدولية على خط الأزمة حين لمحت لشكوكها بشأن الهدف من إغراق السوق، حيث قالت على لسان وزير نفطها علي العمير إن «إن خفض الإنتاج لن يسهم كثيرا في تعزيز الأسعار في مواجهة زيادة الإنتاج من روسيا والولايات المتحدة».
وأضاف «لا أعتقد أن هناك مجال في الوقت الحالي لأن تخفض دول أوبك إنتاجها، الأسعار قد تنحدر إلى 76 أو 77 دولار للبرميل وهي تكلفة الإنتاج في دول كثيرة من بينها الولايات المتحدة بعد أن تسببت طفرة النفط الصخري في بلوغ الإنتاج أعلى مستوياته منذ الثمانينيات».
وكان عبد الله البدري الأمين العام لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) قد شن هجوما شديدا على صناعة النفط الصخري الأمريكية في مقابلة مع «القدس العربي» في باريس، حيث استغرب لجوء الولايات المتحدة لبيع نفطها الصخري واعتبر ذلك مخالفا لاتفاق منظمة «أوبك» معها، مؤكدا أن المنظمة التي يرأسها ساعدت الولايات المتحدة على بناء مخازنها الإستراتيجية من النفط الصخري، بشرط أن لا تعمد هذه الأخيرة إلى توجيه ما تنتجه من المادة نحو الأسواق، وأن تستخدمه فقط عند حالات الطوارئ.
و أضاف «المفهوم العام لهذه المخازن من البداية أنها ليست موجهة للتجارة، هذه مخازن نلجأ إليها في حال وجود طوارئ فقط، وحين عاشت الولايات المتحدة الأمريكية كارثة طبيعية من خلال إعصار كاترينا كانت هناك مشكلة تبرر اللجوء إلى مخازن النفط الصخري، والشيء نفسه حدث حين واجهتهم بعض المشاكل في العالم ونحن تدخلنا في إطار اوبك وحاولنا معالجة هذه المشاكل، لكن أن تستخدم هذه المخازن الاستراتيجية وتوجه للتجارة فهذه مسألة جديدة علينا».
وكان صندوق النقد الدولي قد حذر من «أن النمو الأسرع من المتوقع في إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة والمخاطر المستمرة الناجمة عن امكانية تسجيل طلب عالمي اضعف من المتوقع سواء في الدول النامية أو الاقتصادات المتقدمة، تشكل مخاطر على اسعار النفط وعلى الإنتاج في دول مجلس التعاون الخليجي».
محمد واموسي