لندن – رويترز: ارتفعت أسعار النفط أمس الجمعة وتسير صوب تحقيق مكاسب للأسبوع الثاني على التوالي، إذ تمضي المزيد من الدول قُدُما في خطط لتخفيف إجراءات العزل العام الاقتصادية والاجتماعية التي فُرضت لوقف انتشار جائحة فيروس كوورنا، ومع توقف المزيد من إنتاج الخام. وارتفع خام برنت 76 سنتا أو ما يعادل 2.58 في المئة إلى 30.22 دولار للبرميل بحلول الساعة 1330 بتوقيت غرينتش، بعد أن هبط واحدا في المئة تقريبا أمس الخميس.
وربح خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 78 سنتا أو ما يعادل 3.31 في المئة إلى 24.33 دولار للبرميل، بعد أن نزل نحو اثنين في المئة في الجلسة السابقة. ويتجه الخامان القياسيان صوب تحقيق مكاسب للأسبوع الثاني بعد مستويات متدنية بلغاها في أبريل/نيسان، حين انهار النفط الأمريكي دون الصفر، مع ارتفاع برنت أكثر من 14 في المئة في الأسبوع، وخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي ما يزيد عن 22 في المئة.
لكن الخام ما زال يجري ضخه في المخزونات، مما يثير احتمالات بأن أي مكاسب يحفزها طلب أقوي سيجري كبحها.
وقال جيسون غِميل، محلل الأسهم لدى بنك «جيفريز» الاستثماري الأمريكي «السوق ما زالت تشهد فائضا كبيرا في المعروض، لكن تخفيضات أوبك+ والتقليص الطوعي يساعدان، وقد تكون البدايات المتواضعة لتعافي الطلب وشيكة مع بدء تخفيف إجراءات العزل العام».
وبدأت منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» وحلفاء بقيادة روسيا، فيما يُعرف باسم مجموعة «أوبك+»، تطبيق اتفاق لخفض قياسي للإمدادات قدره 9.7 مليون برميل يوميا اعتبارا من أول مايو/أيار.
كما تخفض شركات النفط في أمريكا الشمالية الإنتاج بأسرع مما توقعه مسؤولو «أوبك» ومحللو الصناعة، إذ تتجه لسحب حوالي 1.7 مليون برميل يوميا من الإنتاج في نهاية يونيو/حزيران.
لكن مخزونات الخام الأمريكية في مركز التخزين كوشينغ في ولاية أوكلاهوما زادت بنحو 407 آلاف برميل في الأسبوع المنتهي في الخامس من مايو/أيار حسب ما قاله متعاملون أمس الأول استنادا إلى بيانات من «جينسكيب.» وأصحبت أستراليا أمس أحدث دولة تخطط لتخفيف قيود العزل العام إذ تباطأت حالات الإصابة بفيروس كورونا إلى مستوى ضئيل، هادفة إلى تخفيف قيود التباعد الاجتماعي في عملية من ثلاث مراحل.
وتعتزم فرنسا وأجزاء من الولايات المتحدة ودول مثل باكستان أيضا تخفيف القيود التي أُرسيت لوقف انتشار أسوأ أزمة صحية في العالم في قرن. وفي الولايات المتحدة، أكبر مستهلك في العالم للنفط ومنتجاته، بدأ قائدو السيارات يرجعون إلى الطرقات مجددا مع تخفيف إجراءات العزل العام.
وزادت إمدادات البنزين إلى السوق الأمريكية لقرابة 6.7 مليون برميل يوميا الأسبوع الماضي حسب تقديرات من «إدارة معلومات الطاقة» الأمريكية.
المحللون حذرون
ورغم أجواء التفاؤل التي تثيرها العودة التدريجية للنشاط الاقتصادي، فإن المحللين يحذرون من أن الانتعاش سيكون تدريجيا وبطيئاً، في وقت يسعى المستثمرون لمعرفة سرعة عودة الطلب على النفط بعد توقف مفاجئ للأنشطة الاقتصادية العالمية.
وقال المحلل في مجموعة «أكسيكورب» ستيفن إينيس «الناس عادوا لركوب سياراتهم للتنقل أو فقط للخروج من المنزل، وهذا ممتاز للطلب على البنزين إذا انه يوفر المرحلة الأولى في انتعاش أسعار النفط».
وأضاف «لكن من أجل الحفاظ على هذه الانتعاش نحتاج لأكثر من قيادة الناس لسياراتهم في أحيائهم. نحتاج للمحركات الصناعية وهي تنطلق بكامل قوتها وأن تحلق الطائرات في الأجواء».
على صعيد آخر يفيد تحليل أجرته رويترز من واقع بيانات ولايات أمريكية وشركات أن منتجي النفط في أمريكا الشمالية قلصوا الإنتاج بأسرع مما توقعه مسؤولو «أوبك» المتشككون ومحللو الصناعة، إذ يتجهون للوصول بالتخفيضات إلى حوالي 1.7 مليون برميل يوميا بنهاية يونيو/حزيران.
كانت منظمة البلدان المصدرة للنفط وحلفاء بقيادة روسيا أبرموا اتفاقا الشهر الماضي لاحتواء تخمة معروض آخذة بالتفاقم مع تقلص الطلب العالمي على الوقود نحو 30 في المئة بسبب جائحة فيروس كورونا، مما دفع الأسعار للانهيار. اتفقت المجموعة، المعروفة باسم «أوبك+»، على خفض الإنتاج 9.7 مليون برميل يوميا في مايو/أيار ويونيو/حزيران. واستحثوا غير الأعضاء، بما فيهم دول في أمريكا الشمالية، على المساهمة بعشرة ملايين برميل أخرى، ليبلغ إجمالي الخفض نحو 20 في المئة من المعروض العالمي.
لكن خلال المحادثات التي جرت الشهر الماضي، أثار بعض أعضاء «أوبك» بواعث قلق من أن دولا مثل الولايات المتحدة وكندا لا تستطيع تفعيل تخفيضات بذلك الحجم من الشركات الخاصة دون إلزام حكومي.
لكن مخاوفهم لم تتحقق. فقد أعلن العديد من منتجي أمريكا الشمالية عن تخفيضات كبيرة، شملت «كونوكو فيليبس»، و»إكسون موبيل»، و»شيفرون» و»سينوفوس إنرجي» الكندية.
تسريع التخفيضات
وخفضت الولايات المتحدة وكندا، اللتان تنتجان أكثر من 17 مليون برميل يوميا، الإنتاج نحو عشرة في المئة حتى الآن، وفقا لتقديرات رويترز.
كان وزير الطاقة الأمريكي دان برويليت قد قال في أبريل/نيسان أن الوزارة تتوقع تراجع الإنتاج الأمريكي بين مليونين وثلاثة ملايين برميل يوميا بنهاية السنة. وأضاف ومسؤولون أمريكيون آخرون إنه لا حاجة إلى تخفيضات إلزامية، لأن تدني الأسعار سيجبر الشركات على وقف بعض الإنتاج. ودرس المسؤولون التنظيميون في ولايات نفطية كبيرة، مثل تكساس ونورث داكوتا، تخفيضات إلزامية، لكن ذلك لم يتبلور.
وقال مصدر كبير في «أوبك» أن «قوة السوق يمكن أن تكون شديدة أحيانا»، مضيفا أنه مندهش لسرعة تخفيضات المعروض الأمريكية والكندية.
وقالت «إدارة معلومات الطاقة الأمريكية» إن إنتاج الولايات المتحدة من الخام بلغ 12.8 مليون برميل يوميا في فبراير/شباط، وهو أحدث شهر تتوافر بياناته. وتظهر الأرقام الأسبوعية انخفاض الإنتاج إلى 11.9 مليون برميل يوميا، لكن تلك الأرقام أقل وثوقا من البيانات الشهرية.
وشهدت الأيام الأخيرة انتعاشا للأسعار في الأسواق الحاضرة. وعدل المحللون توقعاتهم لتخفيضات الإنتاج في ضوء سرعة استجابة الشركات.
وقالت أليسون كاترايت، مديرة «رابيدان إنرجي غروب» للوساطة «عندما نزلت الأسعار عن الصفر سرَّع هذا بعض التخفيضات بالفعل». ورفعت الشركة في الآونة الأخيرة توقعاتها للتخفيضات الأمريكية والكندية إلى 2.3 مليون برميل يوميا في يونيو/حزيران.
وتأتي أشد التخفيضات من تكساس، أكبر ولاية أمريكية منتجة للنفط، ويبلغ إنتاجها خمسة ملايين برميل يوميا. وحسب كار إنغهام، نائب الرئيس التنفيذي لاتحاد منتجي الطاقة في تكساس، فإنه من المُرجَّح انخفاض إنتاج الولاية 20 في المئة في نهاية مايو/أيار الجاري.
وقال «الشركات المشغلة توقف ما بين 20 إلى 50 في المئة من الإنتاج، والبعض أكثر من ذلك، بناء على حجم ما يعتقدون أن بوسعهم بيعه في السوق.» وفي نورث داكوتا، تراجع الإنتاج ما لا يقل عن 400 ألف برميل يوميا منذ أول مارس/آذار، بما يقارب ثُلث إنتاج الولاية البالغ حوالي 1.4 مليون برميل يوميا قبل الأزمة. ويتوقع مسؤولو الولاية مزيدا من التخفيضات.
وخفضت «كونوكو فيليبس» بأكبر قدر، قائلة أنها ستقلص الإنتاج 460 ألف برميل يوميا في الولايات المتحدة وكندا. وأعلنت «إكسون موبيل» عن تخفيضات عالمية بنحو 400 ألف برميل يوميا، ثلثاها من البلدين.
وقالت «نوبل إنِرجي أمس أنها ستقلص إنتاج النفط بما لا يقل عن 40 ألف برميل يوميا في مايو/أيار ويونيو/حزيران، وستواصل خفض إنفاقها الرأسمالي للتكيف مع تراجع أسعار الخام، في ظل تقلص الطلب وفائض في العرض. وقالت أيضاً أنها ستقلص الإنتاج بما يتراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف برميل يوميا في مايو/أيار و30 ألفا و40 ألف برميل يوميا في يونيو/حزيران من الأصول البرية للشركة في الولايات المتحدة.
وأضافت أنها ستخفض الإنفاق الرأسمالي بواقع 50 مليون دولار إضافي، مما يصل بإجمالي الخفض إلى 53 في المئة من متوسط ميزانيتها الأصلية الذي يتراوح بين 1.6 مليار دولار إلى 1.8 مليار دولار.