بيروت.. شي محل

حجم الخط
0

بيروت.. شي محل

عزت القمحاوي بيروت.. شي محلفي الأوقات السعيدة والبين بين وحتي في الأوقات الحزينة ـ في حدود الاحتمال ـ اعتاد المصريون تبادل النكات. يقابل الواحد صديقه فيبادره بعد التحية: سمعت آخر نكتة؟الآن يسأل المرء صاحبه: سمعت آخر فضيحة؟ ومع ذلك فليست كل الفضائح فضاء للتحازن فقط؛ فمن بين فضائح مصر هناك المضحكات التي رصدها شعراً عمنا أبو الطيب المتنبي، ومع ذلك من المستحب أن يبدو الانسان وكأنه يمارس أشياء أخري لطيفة غير أن يتلقي أو يروي آخر فضيحة، لذلك أترك رجال الجمارك يعدون أقراص الفياغرا التي تضمنتها شحنة مهربة وزنها طن وسبعمئة كيلو تكفي لايقاظ وطن نائم، لأبدي اعجابي بكتاب يوسف رخا بيروت شي محل .وهو نص قصير في أدب الرحلة، يكشف عن نوع من الولع ببيروت يشمل نسبة من المصريين أكبر بكثير مما يتوقع اللبنانيون؛ فالسائد عن المصريين بين العرب أنهم شعب مكتف بذاته، معتد بمكانه الي حد التعصب. يوسف رخا المولود في منتصف عقد السبعينيات ينتمي الي حساسية مختلفة في الكتابة؛ حساسية الانفتاح علي الأفق دون ثوابت تؤطر رؤيته، ولا يتردد في غمز جيل السبعينيات المصري؛ جيل الحركة الطلابية: الكلام الكبير، والغرام المسيس. الزعامة. سطوة الانتحار. الاعراض غير المبرر عن الحشيش كمثال للعمي الأيديولوجي ! يصل رخا الي بيروت في ذكري 13 نيسان تحاصره الرايات من كل لون وحجم والبطاقات والأوراق الملونة فيسب ميتين أم دي وطنية . مذهولا من أسلوب التعبير عن الوطنية، جموع تنعقد وتنفرط بامتداد السكة. ولكنه لايلبث أن يكتشف التقصير والقصور في ثقافته لأنه لم يشاهد أفلام ايليا سليمان ولم يسمع في حياته اسم فرنجية. ولم يعرف من قبل أن صبرا وشاتيلا بهذا القرب. الولع يبدأ باللهجة، فالناس تضهر في أماكن السهر وليس تخرج ورد الاستفهام بـ بلي و نعم بدلاً من الأيوا الواحدة الملتبسة في مصر، ويمكنك أن تقول مرا دون أن يشمئز منك أحد، وأن تلعن رب صديقك دون أن تتعرض لفتوي تكفير، أو تجتمع بأعداد كبيرة في مكان عام فلا تحوطكم أعداد أكبر من جنود الأمن المركزي!من اللغة يبدأ يوسف رخا في تلمس ملامح عروبة أخري غير تلك التي يعيشها في القاهرة، بينما يمتد الاختلاف ليشمل الفضاء جميعه، رداء الأمن الداخلي، رطوبة الجو، سيارات التاكسي المرسيدس حصراً، طعم البن المختلف، وكشف النساء لشيء من أجسامهن في الشوارع، الأجسام تُستعرض بقصدية تتجاوز التحرر من حرمانيتها. ثمة وعي بالجسد يجعلك بعيداً جداً عن أوروبا، لكن كل شيء هنا يحاول أن يقنعك أنك هناك .وهكذا عبر صفحات الكتاب الصغير لا يتوقف الكاتب عن ابداء الاعجاب دون أن يتخلي عن حقه في ابداء الملاحظات الذكية. ودائماً المقارنة مع القاهرة حاضرة وهي دائماً في صالح بيروت التي لم يجد فيها من وجوه القاهرة سوي مخيم صبرا الذي يشبه أحياء القاهرة العشوائية مع فارق التهدم وثغرات الرصاص في الجدران. سافر يوسف رخا الي بيروت دون معرفة سابقة بالتكوينة السياسية اللبنانية، وبالتالي فهو لايتحيز لفصيل سياسي دون الآخر وفي هذا تكمن أساساً أهمية الذي تتأرجح فيه القناعات وتتقلب مثل ريشة في الهواء. نجاح حزب الله في اخراج الاسرائيليين من الجنوب هو أول نصر عربي حاسم، لكن النصر من وجهة نظر أخري لم يكن سوي مناورة سياسية من اسرائيل في حربها الفاترة مع سورية، ولم يكن تأثير حزب الله كبيراً في موضوع مزارع شبعا كما يشيع عن نفسه ليظل دوناً عن الفصائل الأخري ممسكاً بالسلاح. الولاءات والتحالفات وأعمال الاغتيال تظل داخل النص معضلات مستعصية علي الفهم.رفيق الحريري ليس سوي ملياردير تولي رئاسة الوزراء في لبنان أكثر من مرة. وانتفاضة الاستقلال بعد شهر من مقتل الحريري ليست سوي كرنفال حضره بدعوة من صديقته س وهو سعيد لأنه معها سيعرف أخيراً ما تعني بيروت وألحان زياد رحباني. لا يدعنا يوسف رخا لحظة لكي نشك في أنه دخل فيلماً مثيراً اسمه بيروت، فيلم فيه العنف والاثارة والحسية التي جعلته يتعرف علي مناطق مزنوقة من روحه، ليعود الي القاهرة، ويفكر في زحامها المتثائب بحيوية الروضة . النظام والنظافة. كان لنا مئة سنة نعاني الملل، بينما هم بحرب أو بدون متحمسون. يحاول أن يلتزم بسيارته في حارة فلا يستطيع، المشاة كالألغام علي الطريق، اعلانات صغيرة يمررها القناصون عبر الشبابيك، وكأن القاهرة استبدلت حمل الكلاشينكوف بقيادة السيارات الطائشة.يترسخ اعتقاده بأن بـــيروت رغم أنف الحروب والمذابح شي مكان للمحروم من مساحته الخاصة، هي شي محل، وبالأحري شي وطن!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية