إخراج أنصار حفتر من سلسلة المدن الساحلية غرب طرابلس، وكسر الحصار عن العاصمة، أربكاه وحملاه على البحث عن مبادرة في المجال السياسي تُغطي على الهزيمة العسكرية.
ترافقت سلسلة الهزائم العسكرية التي لحقت بقوات الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، مع أخطاء سياسية ليست بالهينة، بل إن بعضها يمكن أن يُصنَف في خانة الأخطاء الاستراتيجية، وهو ما ستكون له تداعيات كبيرة على الصراع الدائر منذ أربع سنوات، بين حكومة الوفاق الوطني وما يُسمى “الجيش الوطني الليبي”. ويمكن القول إن إخراج أنصار حفتر من سلسلة المدن الساحلية غرب طرابلس، وكسر الحصار عن العاصمة، أربكاه وحملاه على البحث عن “مبادرة” في المجال السياسي تُغطي على الهزيمة العسكرية. غير أن “المبادرة” أثارت في وجهه ردودا قوية، من أطراف وازنة في الصراع، مثل الأمم المتحدة، وحتى من جهات كانت تُجامله وتدعمه مثل فرنسا. وردا على إعلانه الأحادي بشأن إلغاء اتفاق الصخيرات (2015) أكد الناطق باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أن الاتفاق والمؤسسات المنبثقة منه، تظل المرجع الوحيد لحل الأزمة الليبية، وأن “أي تغيير سياسي في ليبيا لا ينبغي أن يتم سوى باتباع مسار ديمقراطي وليس عسكريا”.
توزيع أدوار؟
وإذا ما قُمنا بجردة حساب للمنهج السياسي الذي سلكه حفتر بين مؤتمر برلين في كانون الثاني/يناير الماضي وإعلان “استجابته” للمُناشدة التي توجه بها لنفسه، سنلحظ تخبُطا لا يمكن أن يرتكبه رجل سياسي محنك، فيُثير ضده عاصفة من الردود السلبية، ويُضيق من دائرة الداعمين له داخليا وخارجيا. وأول من استثارهم بـ”مبادرته” هم أعضاء مجلس النواب في المنطقة الشرقية، الذين كانوا رفَعوه إلى منصب “القائد العام” بشكل مخالف للدستور في 2016. واستطرادا استثار أيضا رئيس المجلس عقيلة صالح عيسى، الذي تباين مع خط حفتر، أقلُهُ ظاهريا، بطرح “مبادرة سياسية” تنطلق من المؤسسات المنبثقة من “اتفاق الصخيرات” ولا تُلغيه، مثلما فعل حفتر. وبغض الطرف عما إذا كان التباعد بين الرجلين توزيعا للأدوار أو خلافا حقيقيا، فإن الجنرال عمَق عزلته إذ لم يحصد من تنصيب نفسه حاكما عاما للبلد (على الورق) سوى إحراج حلفائه.
ومن دلائل قلة الحذاقة السياسية أن حفتر استهدف بمبادرته حلفاءه قبل أعدائه، فقد اقترح تعيين مجلس عسكري أو هيئة مدنية – عسكرية تحل محل مجلس النواب، خلال مرحلة انتقالية، وتُكلف بمهمة تسمية حكومة جديدة في شرق ليبيا، بديلا من الحكومة الحالية في الشرق، والتي يرأسها عبد الله الثني (غير معترف بها دوليا). وقد اتخذت من البيضاء (شرق) مقرا لها، قبل أن تنتقل إلى بنغازي في نيسان/أبريل الماضي.
نيران صديقة
وطالما لم يُصدق الليبيون على دستور جديد في استفتاء عام وحر وشفاف، فإن كلام حفتر هذا، يظلُ بلا سند قانوني، لأن المرجعية الوحيدة حاليا هي اتفاق الصخيرات. واستطرادا فإن الجنرال نزع الشرعية عمليا عن مجلس النواب، مع أنه يشكل الغطاء “الشرعي” الذي يستظل به، منذ أيلول/سبتمبر 2016 فكأنما هو يقطع الغصن الذي يجلس عليه. ومجلس النواب منبثق من الانتخابات العامة التي أجريت في تموز/يوليو 2014 لكنه لم يُحافظ على وجوده في العاصمة، بسبب كثرة المخاطر الأمنية، فنقله رئيسه عقيلة صالح إلى مدينة طبرق (شرق) اعتبارا من آب/أغسطس 2014 ثم إلى بنغازي منذ نيسان/أبريل 2019.
وبتعبير آخر، أصابت “النيران الصديقة” التي أطلقها حفتر حليفين من أقرب حلفائه، هما رئاسة مجلس النواب و”الحكومة المؤقتة” المرتبطة به. ويضم المجلس 160 عضوا من أصل 188 حصدوا مقاعد فيه خلال انتخابات حزيران/يونيو 2014 إلى جانب 145 عضوا يُشكلون المؤتمر الوطني العام، المنتهية ولايته، والمعادي أصلا لحفتر. وقد حافظ على مقره في العاصمة، منذ صائفة 2016. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن إحدى نقاط الخلاف الكبرى بين حفتر وعقيلة صالح تتمثل في كون الثاني يدعو إلى الحوار مع طرابلس، بينما يرفض حفتر هذا الموقف بشدة. لكنه لا يستطيع أن يفعل برئيس البرلمان ما فعل بالنائبة سهام سيرقيوة، التي تعرضت للتعنيف والاختطاف من بيتها في بنغازي، لأنها “جاهرت” بتأييد الحوار مع طرابلس.
لجنة الستين
وتكرس تباعدٌ آخر من خلال كلمة الجنرال يوم 23 الشهر الماضي، وهو التباعد مع لجنة إعداد الدستور هذه المرة، (أو لجنة الستين) التي تمثلت فيها جميع الأقاليم، والتي اشتغلت على مدى سنوات، لإعداد مشروع دستور ديمقراطي، إذ طالب بوضع إعلان دستوري جديد، ما يُعتبر تسفيها لأعضاء اللجنة. وفي السياق كشفت مجموعة الخبراء الدوليين، التي أعدت التقرير الأخير عن ليبيا وسلمته إلى مجلس الأمن، أن العلاقات بين قوات حفتر ونظرائهم (المرتزقة) بدأت تتوتر، “فحتى بعد عام على انتشارهم، ما زالت هناك خلافات مستمرة بين الطرفين” حسب ما ورد في التقرير.
هكذا وضع حفتر نفسه في مواجهة مع هؤلاء جميعا، بسبب افتقاره للخبرة السياسية وطغيان الأسلوب العسكري على قرارته ومواقفه. كما خسر أيضا ثقة الروس الذين استنجد بهم في الأوقات الحرجة، وخاصة عندما كانت طرابلس على وشك السقوط تحت ضرباتهم العسكرية المُركزة. وها أن موسكو وجهت له ضربة معنوية بإعلانها الخميس الماضي رفضها مبادرته، وكذلك فعلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
بنغازي دمشق
أكثر من ذلك، خرجت الأمم المتحدة عن تحفظها السابق، ووجهت إصبع الاتهام إلى حفتر، من خلال تقرير تسلمه مجلس الأمن يوم 24 نيسان/أبريل الماضي، مفاده أن مرتزقة من مجموعة “فاغنر” الأمنية الروسية ومقاتلين (مرتزقة) سوريين أتوا من دمشق لدعم قوات الجنرال. وما يؤكد هذه العلاقة الوثيقة إرسال وفد من جماعة حفتر إلى سوريا أخيرا، لمناسبة معاودة فتح السفارة الليبية في دمشق، في بداية آذار/مارس الماضي، بعد ثماني سنوات من قطع العلاقات الدبلوماسية بين ليبيا وسوريا. وفي هذا المسلك الأحادي سار حفتر على خطى الإمارات ومصر، اللتين أعادتا العلاقات مع نظام بشار الأسد. لكنه وسَع بهذه الخطوة من دائرة منتقديه، على جبهة أخرى، إذ أغضبت علاقاته العلنية مع الأسد، كلا من الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة بعد الاتفاق على إرسال مرتزقة من “شبيحة” النظام إلى ليبيا لدعم مقاتليه. وقدر تقرير أممي عدد المرتزقة السوريين المحاربين إلى جانب حفتر بحوالي ألفي عنصر. وأفاد التقرير أنه تم نقلهم إلى ليبيا من سوريا عبر 33 رحلة جوية قامت بها، منذ الأول من كانون الثاني/يناير الماضي، شركة “أجنحة الشام” وهي ناقلة سورية خاصة، مقرُها في دمشق.
مقلب للمرتزقة
الأدهى من ذلك أن المسافة أخذت بالتباعد بين حفتر والمرتزقة أنفسهم، مع تزايد الشكوى من وقوعهم في مقلب، إذ وعدهم الوسطاء بأن يقتصر “عملهم” في ليبيا على تأمين المنشآت النفطية، التي يسيطر عليها حفتر، في المنطقة الشرقية، فوجدوا أنفسهم يقاتلون دفاعا عنه ويموتون من أجله. وبعدما وُعدوا بتقاضي راتب شهري قيمته 2000 دولار، لم يحصلوا في الواقع سوى على 200 دولار شهريا. وبالتالي أصابت عدوى الخلافات علاقة حفتر بالمرتزقة الروس أيضا، مثلما أكد ذلك تقرير أعده خبراء في الأمم المتحدة، يراقبون الحظر المفروض على شحن الأسلحة إلى ليبيا.
ومع تزايد أعداد المرتزقة، الذين يعتمد عليهم حفتر، سواء أكانوا من الروس، الذين يتراوح عددهم بين 800 و1200 عنصر، أم من المرتزقة السوريين، فضلا عن مرتزقة الجنجويد والتشاديين، يتساءل مراقبون: أين “جيش” حفتر؟ وما دوره في الصراع، وخاصة في حرب طرابلس، التي لم تُحقق فيها قواته تقدما في التخوم الجنوبية إلا بعد وصول تعزيزات من مرتزقة “فاغنر”؟ وأكدت صحيفتا “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” منذ 2019 أن مرتزقة من “فاغنر” يشاركون في القتال الذي كان دائرا في طرابلس، قبل الهزيمة الأخيرة لحفتر.
بهذا المعنى بات اعتمادُ حفتر الأساسي على قوى خارجية، من جنسيات مختلفة، بينما صار الليبيون أقلية في “جيشه”. ومن هنا نفهم حقيقة “التفويض الشعبي” (غير الموجود أصلا) الذي استند عليه، ليُنصب نفسه بنفسه، حاكما لليبيا يوم 27 نيسان/أبريل الماضي، فهو لن يظفر بهكذا تفويض، حتى من المرتزقة الذين يدفع لهم المال ليدعموه. واستطرادا سيكون الاعتماد الأكبر في حال التمادي في “حرب طرابلس” على قوى أجنبية، مع أن المقاتلين الأجانب يجهلون خصائص البيئة الليبية التي يحاربون فيها. بهذه الجبهات المتعددة التي فتحها حفتر شرقا وغربا، في الداخل والخارج، تضاعفت عُزلته وانهارت أسهمه لدى الأصدقاء، باعتباره حليفا مُزعجا وخارجا عن المنطق السياسي المشترك.
ثلاثة دوافع
على الطرف المقابل، تعتمد حكومة الوفاق الوطني بدورها على دعم خارجي من تركيا، بالسلاح والعتاد والخبراء. ويقول الباحث في الشؤون الليبية جلال حرشاوي إن أنقرة أرسلت إلى حلفائها في ليبيا 20 طائرة مسيرة تركية، في الفترة بين مايو/أيار وتشرين الأول/أكتوبر الماضيين، إضافة إلى 60 ضابطا تركيا لتشغيلها وصيانتها. وأوضح حرشاوي أن هذا الدعم توقف على مدى أسابيع قبل أن يُستأنف في كانون الأول/ديسمبر. وكانت تركيا أكدت في شباط/فبراير الماضي وجود مقاتلين سوريين مدعومين من قبلها في ليبيا لدعم حكومة الوفاق الوطني. كما ضبط اليونانيون في كانون الثاني/يناير 2018 السفينة “أندروميدا” وعليها علم تنزانيا، بينما كانت تحمل 29 حاوية من الأسلحة والمتفجرات، متجهة إلى مصراتة. ويُقدر مطلعون على مجريات الصراع عدد المقاتلين الذين أرسلتهم تركيا إلى ليبيا بثلاثة آلاف مقاتل، غالبيتهم من التركمان. وأوضحت أن الفرد منهم يتقاضى حوالي ألفي دولار في الشهر. لكن العلاقات الليبية التركية أعمق وأعقد من مجرد إرسال أسلحة وطائرات موجهة. ويعزو الباحث حرشاوي دعم تركيا لحكومة الوفاق إلى ثلاثة دوافع، أولها دافع اقتصادي يعود إلى فترة حكم معمر القذافي، إذ كان الأتراك العاملون في ليبيا، يُمثلون 25 في المئة من الأتراك العاملين في الدول العربية، والثاني تجاري، إذ أن قيمة العقود بين تركيا وليبيا، لإقامة مشاريع البنية التحتية، والتي ما زالت سارية إلى اليوم تُقدر بـ18 مليار دولار، وإذا ما انتصر حفتر فستخسر تركيا كل تلك الصفقات. أما الدافع الثالث فأيديولوجي نظرا لتشابه المرجعيات الفكرية بين الأطراف الليبية الداعمة لحكومة الوفاق في طرابلس وحزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في تركيا.
مع ذلك اعتبر رئيس حكومة الوفاق فائز السراج في تصريح لصحيفة إيطالية، الجمعة، أن عملية “إيريني” البحرية، التي أطلقها الاتحاد الأوروبي، لمراقبة إرسال السلاح إلى ليبيا، ستمكن غريمه حفتر من الاستمرار في تلقي السلاح عبر البر والجو. والأرجح أن فترة الهدنة الهشة الحالية ستكون مثل سابقاتها، فرصة للطرفين لتعزيز المواقع ومعاودة تنظيم القوات استعدادا لمعارك مقبلة.